27 نوفمبر, 2023

مدن صينية عرفت الإسلام

مدن صينية عرفت الإسلام

     كانت وحدة اللغة الصينية قد أعدت بوازع من اهتمام مؤسسة الأزهر الشريف بمتابعة أحوال الإسلام والمسلمين حول العالم، وإيمان مرصد الأزهر لمكافحة التطرف بأهمية نشر وترويج إنجازات المسلمين في خدمة البشرية، سلسلة مقالات بعنوان: (مدن صينية عرفت الإسلام) تسلط الضوء على تأثير الوجود الإسلامي على المظاهر الحضارية للعديد من المدن الصينية التاريخية.

وقد سبق الحديث عن مقاطعات (شانشي) و(يوننان) و(شيآن) وفيما يلي يدور الحديث عن مقاطعة (جيانغسو- Jiangsu- 江苏) وعاصمتها مدينة (نانجينغ- nan jing- 南京) وهي أحد أهم مدن المقاطعة بالنظر إلى دورها التاريخي والثقافي، ناهيك عن مكانتها الاقتصادية حيث تقع على الساحل الجنوبي الشرقي للصين.

الإسلام في مقاطعة (جيانغسو- Jiangsu- 江苏)

تتميز مقاطعة جيانغسو بموقعها الإستراتيجي، حيثُ تقع على الساحل الشرقي للصين إضافة إلى موقعها المهم من طريق الحرير البحري، كل ذلك جعلها من المواقع الأولى التي دخلها الإسلام في الصين مع القوافل التجارية العربية والفارسية، وكعادته في كل المدن الصينية فقد انتشر الإسلام تدريجيًّا على مدار قرون؛ فأضحى الديانة الرسمية لـ (١٠) من أصل (٥٦) قومية في الصين.

 انفردت مقاطعة (جيانغسو) قبل الإسلام بأفكارها الفلسفية، وخاصة الكونفوشيوسية بما اشتملت عليه من قيم ساعدت على تقويم سلوكيات المجتمع الصيني، فكانت موطنًا للنوابغ المثقفين على مدار التاريخ في الصين.

وبعد انتشار الإسلام انتشرت الأفكار الفلسفية التي توائم بين الإسلام والكونفوشيوسية، كما قام المسلمون بشرح معاني الإسلام بالأسلوب المألوف للصينيين وهو ما عُرف بحركة "تفسير العلوم الإسلامية بالأفكار الكونفوشيوسية" كما تُرجمت العديد من الكتب الإسلامية الى الصينية.

وكان من نتائج ذلك ظهور مجموعة من العلماء المشهورين أبرزهم (دابوشينغ) أو الأستاذ "نور محمد" حسبما شاع بين أسرته. وقد وُلد عام ١٨٧٤م بمدينة (ليوخه- Liuhe) بمقاطعة (جيانغسو) لأسرة مسلمة من قومية (هِوي)، وأتقن اللغتين العربية والفارسية. كما سعى الشيخ "وانغ داي يوي" من مواليد مدينة نانجينغ، إلى التوفيق بين الأفكار الإسلامية والكونفوشيوسية، وحمل على عاتقه مسؤولية الدعوة الإسلامية في الصين، وطرح الأفكار الدينية بشكل منهجي وعلمي. ولا تزال الجمعية الإسلامية بمدينة "نانجينغ" تقوم بنفس الدور الحضاري والثقافي.

تاريخ مدينة نانجينغ

مدينة "نانجينغ" من المدن الصينية التاريخية، وهي واحدة من العواصم الأربعة الكبرى في البلاد، كنا تعد أيضًا واحدة من العواصم الأربع العظمى القديمة للصين (لويانغ Luòyáng، شيآن، ونانجينغ، وبكين) وقد اتخذتها بعض العائلات الحاكمة في الصين مقرًّا للحكم، منذ إنشائها عاصمة للدولة عام ٢٢٩م، وكان لموقعها الجغرافي المتميز دور كبير في ازدهار الحضارة حيث تضم أحدَ أهمِّ وأكبر الموانئ النهرية الداخلية في الصين.

وتحمل المدينة العديد من الرموز التاريخية الفريدة؛ أهمها سُور (نانجينغ) القديم، والذي شُيد في المدة (١٣٦٦-١٣٨٦م) ويصل طوله حوالي (٣٥) كيلومترًا، وهو أكبر سُور في العالم بالرغم من عوامل التعرية التي تسببت فيها الرياح والأمطار على مر الزمن، لكنه يُعد واحدًا من أهم الآثار التراثية، ليس فقط في المدينة، بل في الصين بوصفه تراثًا ثقافيًّا ذا تأثير وقيمة بتصميماته الخاصة والمناظر الجميلة المحيطة به، ويتنوع الشكل المعماري في المدينة بين الحداثة والمباني التقليدية القديمة في شكل متباين ومنسجم للأنماط المعمارية المختلفة. كما تتميز المدينة بحضور جيد للطلاب الأجانب لما تمتلك من طبيعة الجميلة تساعد على العيش في هدوء وخصوصية.

المسلمين في نانجينغ

بالرغم من الوجود الكبير للإسلام في مدينة نانجينغ، لكن لا يمكن الجزم ببداية محددة للوجود الإسلامي في المدينة؛ نتيجة انعدام الأدلة التاريخية التي تحدد على وجه الدقة بداية دخول الإسلام إلى "نانجينغ"، لكن توحي الكثير من المؤشرات بأن المدينة كانت من أوائل المناطق التي عرفت الإسلام مع توافد الدعاة والتجار العرب عبر طريق الحرير البحري.

ثم ازداد الوجود الإسلامي في المدن القريبة "نانجينغ" مثل "يانغتشو" و"تشنجيانغ" خلال عهد أسرتي "تانغ"، و"سونغ"، سواء في العصور القديمة أو في العصر الحديث، وسرعان ما تحولت "نانجينغ" إلى منطقة مركزية لانتشار الإسلام؛ بالنظر إلى موقعها على تقاطع طريق الحرير برًّا، وطريق البخور. وبعد الفتوحات العسكرية لأسرة "يوان" ذات الأصل المغولي، استقر العديد من الجنود العائدين إلى الصين من آسيا الوسطى في المناطق الريفية الشمالية الشاسعة في الصين، وتعايشوا واندمجوا مع السكان، إضافة إلى انتقال العديد من التجار المسلمين في آسيا، وبلاد فارس، وآسيا الوسطى للإقامة في المدن والبلدات الصينية. كما اندمج المسلمون من الشمال والجنوب مع السكان المحليين، وكان الإسلام أحد الروابط التي شكلت القومية الجديدة؛ قومية "الهوي".

وكان لموقع المدينة دور مهم في جعل مدينة "نانجينغ" مركزًا لحركة إحياء التنوير الإسلامي في أواخر عهد أسرة "مينغ"، وأوائل أسرة "تشينغ" في القرن الـ(١٧).

يوجد في "نانجينغ" عدد كبير نسبيًّا من السكان المسلمين، ولذلك يكثر بالمدينة عدد المساجد، ووفقًا للمصادر التاريخية، فمنذ عهد أسرتي "تانغ"، و"سونغ"، قامت "نانجينغ" ببناء أكثر من (٧٠) مسجدًا، مما يجعلها المدينة التي تضم أكبر عدد من المساجد على الساحل الجنوبي الشرقي للبلاد.

 

أهم المساجد في نانجينغ

  1. مسجد (جينغجو- 净觉寺)

هو أحد أكبر وأقدم مساجد "نانجينغ" يمتاز بطراز معماري صيني. يعود تاريخ إنشاء المسجد إلى عهد أسرة "مينغ" الصينية عام ١٣٨٨م، بأمر الإمبراطور "تشو يوان تشانغ" تقديرًا لدور المسلمين في تأسيس هذه الأسرة الإمبراطورية. وبعد تأسيس جمهورية الصين الجديدة قررت الحكومة ترميم المسجد مرة في العام 1949م، وأخرى في العام 2002م وتسجيله وحدةً أثرية محمية على مستوى المقاطعة.

  تعرض المسجد للتدمير في عام ١٤٣٠م في عهد أسرة "مينغ"، ثم أُعيد بناؤه تزامنًا مع رحلات البحار المسلم "تشنغ خه" إلى الغرب. كذلك أُعيد بناؤه مرتيْن في عهد أسرة "تشينغ". يوجد خلف المسجد جدار مرتفع يُقال: إنه تم بناؤه في عهد أسرة "مينغ"، وهو أطول جدار بين جدران مسجد "نانجينغ"، ويغطي المسجد مساحة قدرها (٤٠٠٠) متر مربع، وهي مدرجة بوصفها وحدة حماية الآثار الثقافية في مقاطعة "جيانغسو".

  1. مسجد (طريق تايبينغ- 太平路清真寺)

بُني المسجد في عهد أسرة "مينغ"، ويقع في حديقة "هوبو"، وكان يُسمَّى في الأصل مسجد "هوابايلو"، ولكن الحديقة دُمرت بسبب الحرب خلال فترة "شيان فنغ"، فأعاد المسلمون بناءها لاحقًا. وفي العام ١٩٢٣م تبرع أغنياء قومية "هوي" بتكاليف توسعة المسجد، وفي عام ٢٠٠٥م أُعيد توسعته مرة أخرى.

 

 

قراءة (492)/تعليقات (0)