28 نوفمبر, 2023

تداعيات تصريحات رئيس الحكومة الإسبانية المطالبة بوقف مجازر الكيان الصهيوني

تداعيات تصريحات رئيس الحكومة الإسبانية المطالبة بوقف مجازر الكيان الصهيوني

     لم يكتف الكيان الصهيوني بما يرتكبه من مجازر وحشية ضد النساء والأطفال والشيوخ في قطاع غزة لقرابة شهرين، بل امتدت يداه إلى تكميم الأفواه الإعلامية، واستهداف  شبكة الصحفيين والمراسلين الذين يقومون بتغطية هذه الحرب؛ وذلك لإخفاء حقيقة هذا ‏الاعتداء الوحشي البربري تجاه أبناء غزة المحاصرين منذ ما يقرب من ١٧ عامًا، فضلًا عن تحيز بعض منصات التواصل الاجتماعي للكيان الصهيوني بشكل كامل، لم يكتف الكيان بهذه الممارسات البربرية وحسب، بل اتجه إلى انتقاد الحكومات التي تسعى إلى إحلال السلام، ووقف نزيف الدماء وسقوط المدنيين، وكذلك الساعين إلى الاعتراف بأحقية الشعب الفلسطيني في قيام دولته، ودخولها الأمم المتحدة بتمثيل رسمي مستقل تعترف به جميع دول العالم.

وفي هذا السياق استدعت خارجية الكيان الصهيوني سفيري إسبانيا وبلجيكا، الجمعة ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٣م، ردًّا على التصريحات التي أدلى بها رئيس الحكومة الإسبانية "بيدرو سانشيث"، ورئيس الوزراء البلجيكي "ألكسندر دي كرو"، في أثناء زيارتهما لمصر، والتي طالبت الكيان الصهيوني بوقف هجومها على غزة، والامتثال للقانون الإنساني الدولي، وأن ما يحدث رد فعل مبالغ فيه، ويفتح أزمة دبلوماسية غير ضرورية. وهذا دأب الكيان الصهيوني الذي انزعج من هذه التصريحات ومن تحرك إسبانيا التي تقود الاتحاد الأوروبي حاليًا، وتسعى إلى الاعتراف بدولة فلسطين بالتعاون مع دول أوروبية أخرى، ولكن الكيان في الوقت نفسه أغفل تصريحات رئيس وزراء إسبانيا في أثناء زيارته لمعبر رفح برفقة رئيس الوزراء البلجيكي، والتي اعترف خلالها بحق الكيان الصهيوني في الدفاع عن النفس، لكنه كان صريحًا للغاية في القول بأن الكيان الصهيوني "يجب أن يمتثل للقانون الدولي، بما في ذلك القانون الإنساني الدولي". وذهب إلى أبعد من ذلك عندما تحدث عن اعتراف إسبانيا من جانب واحد بدولة فلسطين إذا لم تكن هناك تحركات على مستوى الاتحاد الأوروبي([1]).

وقالت خارجية الكيان الصهيوني في بيانها: إن "الكيان يتصرف وفقًا للقانون الدولي، ويحارب منظمة إرهابية أسوأ من تنظيم داعش، ترتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية". واتهم وزير خارجية الكيان الصهويني "إيلي كوهين" عبر حسابه على موقع "إكس" إسبانيا وبلجيكا بـ"دعم الإرهاب" بعد زيارة الرئيسين "بيدرو سانشيث" و"ألكسندر دي كرو" إلى المنطقة. إضافة إلى ذلك، دعا سفيري البلديْن الأوروبييْن إلى "محادثة توبيخ صارمة". وبالمثل، أكدت خارجية الكيان أنها تخطط لاستئناف القتال في قطاع غزة بمجرد الانتهاء من الاتفاق الحالي لإطلاق سراح الرهائن مقابل إطلاق سراح أسرى فلسطينيين.

وفي هذا السياق نشرت صحيفة "إل باييس" الإسبانية مقالًا لها، السبت ٢٥ نوفمبر ٢٠٢٣م، بعنوان: "نتنياهو  لا يقبل النقد"، وأشارت فيه إلى أن إسبانيا لم تكن أبدًا داعمة للإرهاب، وأن تحركاتها حاليًا تسعى إلى إحلال السلام في المنطقة، ووقف سقوط الأبرياء من المدنيين، وأن انزعاج قوى الاحتلال الصهيوني في غير محله. وأشار المقال إلى تأكيد "سانشيث"  على أن "القتل العشوائي للمدنيين الأبرياء، بما في ذلك الآلاف من الفتيان والفتيات، أمر غير مقبول على الإطلاق"، وأن "العنف لن يؤدي إلا إلى المزيد من العنف"، وأن "علينا أن نستبدل العنف بالأمل والسلام"، وهذا أمر واجب وضروري في الظروف الحالية، خاصة مع سقوط أكثر من (١٤ ألف) شهيد حتى اليوم، بحسب مصادر الصحة في غزة. وألمح المقال إلى أن "نتنياهو" بدلًا من أن يصغي إلى الأصوات العاقلة والمجتمع الدولي، اختار المواجهة الدبلوماسية مع اثنتيْن من دول الاتحاد الأوروبي الملتزمتين بالعمل من أجل التوصل إلى الحل المعقول الوحيد للحرب في غزة، وهو الحل السلمي والسياسي([2]). ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل انتقدت الجاليات اليهودية في إسبانيا موقف الحكومة الإسبانية وتصريحات رئيس وزرائها بوصفها مناهضة للكيان الصهيوني. كما اعتبرت أن هذه التصريحات "مؤسفة"، وأنها "لا تساعد على الإطلاق في التوسط في الحرب التي يشنها الكيان الصهيوني ضد حماس- على حد رؤيتهم-"([3]).

من جانبه، وصف وزير الخارجية الإسباني والاتحاد الأوروبي والتعاون "خوسيه مانويل ألباريس" الاتهامات التي وجهها الكيان الصهيوني لإسبانيا بأنها "جوفاء وغير مقبولة". وأعلن "ألباريس" في بيان رسمي وزع على وسائل الإعلام ، الجمعة ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٣م، يقول: "نحن نرفض هذه الادعاءات بشكل قاطع. ومن وزارة الخارجية نقوم بتحليل الرد الذي سنقدمه في الوقت المناسب وسيكون هناك رد على هذه الاتهامات الكاذبة، وهي في غير محلها وغير مقبولة". وبحسب "ألباريس"، فإن تلك الاتهامات "شديدة الخطورة" لأن "سانشيث" لا يمثل إسبانيا فحسب، بل يمثل حاليًا رئاسة الاتحاد الأوروبي أيضًا ([4]). كما أعلن "ألباريس" أنه اتصل بسفيرة الكيان الصهيوني في إسبانيا "روديكا راديان جوردون" للتشاور، وطلب توضيحات حول التصريحات الخطيرة التي أدلت بها خارجية الكيان الصهيوني ضد إسبانيا. كما رفضت مصادر تنفيذية إسبانية  "رفضًا قاطعًا اتهامات حكومة الكيان الصهيوني" تجاه رئيس الحكومة الإسبانية ورئيس الوزراء البلجيكي. وأوضحت أنها ادعاءات كاذبة تمامًا، وفي غير محلها وغير مقبولة([5]).

ولعل ما أثار غضب الكيان الصهيوني بشكل أكبر هو تأكيد رئيس الوزراء الإسباني "سانشيث" في مؤتمر صحفي في رفح في ختام رحلته إلى الشرق الأوسط أنه "قد حان الوقت للمجتمع الدولي، وخاصة الدول الأوروبية، لاتخاذ قرار بشأن الاعتراف بالدولة الفلسطينية". وأضاف: "لقد فعلنا ذلك معًا، لكن إذا لم يحدث ذلك، فإن إسبانيا بالطبع ستتخذ قراراتها بنفسها". جاء هذا الموقف الصارم من "سانشيث" في وقت يتم فيه تحقيق التوازن في الاتحاد الأوروبي، الذي اقتصر على المطالبة بـ "هدنة إنسانية"، وتجنب الإشارة إلى الاعتراف بدولة فلسطين المستقلة. ومن الممكن أن تختار الحكومة الإسبانية الاعتراف بدولة فلسطين المستقلة بشكل منفرد، كما فعلت السويد في عام ٢٠١٤م، ولكن "سانشيث" يرى أن القرار سيكون له ثقل أكبر  حال الاعتراف بها بالتعاون مع دول أعضاء أخرى في الاتحاد الأوروبي.

جدير بالذكر أن هناك (١٣٩) دولة حول العالم تعترف بفلسطين دولةً، بما في ذلك روسيا، والصين، ولكن هناك تسع دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي فقط تعترف بفلسطين دولةً، وهي: بلغاريا، وقبرص، وسلوفاكيا، والمجر، ومالطا، وبولندا، وجمهورية التشيك، ورومانيا، والسويد. وإضافة إلى هذه الدول التسع، هناك (١٣) دولة أخرى من الدول الأعضاء لا تعترف بفلسطين، ولكن لديها مكتب دبلوماسي في القدس الشرقية، أو رام الله وهي: ألمانيا، والنمسا، وبلجيكا، والدنمارك، وسلوفينيا، وإسبانيا، وفنلندا، وفرنسا، واليونان، وأيرلندا، وإيطاليا وليتوانيا، وهولندا، والبرتغال([6]). ويعتقد "سانشيث" أنه حان الوقت للتعامل بجدية مع هذه المسألة، وتحقيق حل الدولتيْن اللتيْن تعيشان جنبًا إلى جنب بسلام. إضافة إلى ذلك، اقترح "سانشيث" عقد مؤتمر دولي للسلام بمجرد تهدئة العنف الحالي في المنطقة، والذي يَهدُف إلى توفير منصة سياسية للفلسطينيين. وأوضح أن أكثر من (٨٠) دولة تدعم هذا الاقتراح، بما في ذلك الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ودول الجامعة العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي([7]).

وتماشيًا مع الموقف الإسباني الرافض لهذه المجازر البربرية المرتكبة ضد أبناء الشعب الفلسطيني، قررت برشلونة في الجلسة العامة لمجلس المدينة "قطع العلاقات" المؤسسية مع حكومة الكيان الصهيوني؛ حتى يتم التوصل ‏إلى وقف نهائي لإطلاق النار، واحترام الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، وضمان الامتثال لقرارات الأمم ‏المتحدة. وبالطبع فقد انتقدت سفارة الكيان الصهيوني في إسبانيا هذا القرار. ولجأت الجالية اليهودية في برشلونة إلى الاتهام المكرر الذي تنتهجه ‏ضد من يخالف التوسعات الصهيونية، ووصفت هذا القرار بأنه "معاد للسامية". ويتضمن البيان المؤسسي الذي ‏تم التصويت عليه في الجلسة العامة "رفض وإدانة الهجمات ضد السكان المدنيين، والدعوة إلى وقف "دائم ونهائي" ‏لإطلاق النار، ووقف العنف ضد السكان المدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية، وإطلاق سراح الرهائن ‏المحتجزين، وإنشاء ممرات إنسانية لمساعدة سكان غزة، واحترام القانون الدولي والإنساني للأمم ‏المتحدة. كما دعا البيان إلى عقد قمة للسلام في برشلونة بوصفها "مدينة داعمة للسلام". ‏

من جانبه يؤكد مرصد لمكافحة التطرف أن الكيان الصهيوني وصل إلى مرحلة فقد فيها صوابه، وأنه أصبح يُصاب بالفزع من أية انتقادات، أو ضغوط تمارس ضد سياساته الهمجية في إبادة شعب غزة والعدوان على الأرض والمقدسات، وهو ما يؤكد ضعف موقفه، فيخفي ضعفه بالأعمال الإرهابية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل. كما يثمن المرصد قرار برشلونة بقطع العلاقات مع هذا الكيان المحتل، ‏والذي يُعد ‏واحدًا من الأدوات الدبلوماسية الضاغطة على الكيان الصهيوني في محاولة لكبح ممارساته البربرية، ‏والعمل على ‏الحفاظ على أرواح الأبرياء من المدنيين، ووقف نزيف الدم الذي بات مألوفًا لهذا الكيان الغاصب. ‏كما يشدد ‏المرصد على ضرورة تكاتف قوى المجتمع الدولي في سبيل الوقف الفوري والدائم لإطلاق النار، والعمل ‏على إحلال ‏السلام في المنطقة بما يضمن الاعتراف بدولة فلسطين المستقلة. ‏ولا شك أن الاعتراف بدولة فلسطينية ذات سيادة هو أمر يزيد من مخاوف الكيان المحتل، إذ سيكون هذا بمثابة صفعة سياسية أخرى يتلقاها الكيان. ويدعو مرصد الأزهر المجتمع الدولي إلى تشكيل تحالف قوي للضغط على الأطراف المعنية بالنزاع، للتوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار، والعمل على إيجاد حل سلمي ودائم. وعلى الدول والمنظمات الدولية السعي إلى وقف الاستيطان والانتهاكات الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتعزيز الجهود الدبلوماسية من أجل إحلال السلام في المنطقة. 

 

وحدة رصد اللغة الإسبانية   

قراءة (532)/تعليقات (0)