16 فبراير, 2024

حين لا يُجدي الندَم!

حين لا يُجدي الندَم!

     بعثت أرملة الإرهابي أبي بكر البغدادي أسماء فوزي محمد الكبيسي عددًا من الرسائل عبر اللقاء الذي أجرته معها قناة العربية يوم الخميس الموافق ١٥ من فبراير ٢٠٢٤، إذ داهمها البكاء عندما تذكرت ولدها "يمان" -صاحب التسع سنوات- الذي قُتل مع البغدادي في العملية التي أسفرت عن مقتله في أكتوبر ٢٠١٩، وذلك في غارات ليلية نفذتها الولايات المتحدة شمال غربي سوريا على بعد كيلومترات من الحدود مع تركيا.

وجهت الأرملة رسائل إلى نساء التنظيم في مخيم "الهول" ومخيم "روج"، مفادها أن ما كُنّ يسعين خلفه إنما هو وهم وسراب، وأن قادة التنظيم لا ينشغلون إلا بشهواتهم وأنفسهم وأمنهم! تستمد تلك الشهادة أهميتها من أن صاحبتها كانت الزوجة الأولى لزعيم التنظيم، فقد تزوجها قبل أن ينخرط في أعمال العنف والإرهاب، ثم تزوج ثلاث نساء أخريات بعد أن أصبح قائد أكبر تنظيم إرهابي في العالم خلال امدة من ٢٠١٤ إلى ٢٠١٩.

 كشفت أسماء في خلال اللقاء عن عدد من المعلومات التي سبق لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف الإشارة إلى جانب كبير منها في دراساته وتقاريره المتتابعة لرصد التنظيمات المتطرفة وتصرفات قادتها، ومن أبرز تلك النقاط:

  1. تأكيد الشهوانية المفرطة التي انغمس فيها التنظيم وقادته

أكدت أرملة البغدادي أن التنظيم كان يتعامل في كثير من معاملاته بالدولار، كما في عمليات النقل والتهريب، وأن قادة التنظيم انغمسوا إبّان سيطرتهم على الرقة والموصل في نعيم الرفاهية والجبروت؛ واثقين في أن العالم سيعترف بدولتهم المزعومة. وفي ذلك دلالة واضحة أن فكرة الخلافة التي روجوا لها كانت خديعة كبرى انتهجها التنظيم لاستقطاب السذج أو الشباب ذوي المشاعر الدينية الفياضة. وقد دل كلام أرملة البغدادي أن التنظيم لم يجعل كلمة الله هي العليا كما زعم قادته ومنظروه، بل كانت كلمة الشيطان والهوى والشهوات هي العليا دائمًا.

  1. إهانة المرأة وسلبها حقوقها واستغلالها في استقطاب عناصر جديدة للتنظيم

أصدر المرصد إصدارات متعددة عن علاقة المرأة بتنظيم داعش الإرهابي، وانتهت كلها إلى أن التنظيم يتاجر بالمرأة ويستغلها لاستقطاب عناصر جديدة للتنظيم. فمن لم يقتنع بالأفكار المتطرفة حتمًا ستكون له رغبة في قضاء وقت مع من أسماهنّ التنظيم "السبايا أو الجواري". وقد أكدت زوجة البغدادي تلك الصورة التي لطالما عرضها إصدارات المرصد، ألا وهي اغتصاب الأطفال دون ١٨ سنة، فذكرت أن البغدادي الذي جاوز الخمسين من عمره تزوج بفتاة في الرابعة عشرة من عمرها، كما زوج ابنته في سن الثانية عشرة من أحد أصدقائه، وهو ما لا يتفق مع القوانين والأعراف السائدة، ومحاولة تبرير ذلك تحت أي مسمى ديني هو كذب واضح وتضليل مفضوح.

وفي سياق حديثها، ذكرت أن كل "أُمراء داعش" كان لهم "سبايا"، وأن البغدادي ذاته كان له أكثر من عشر سبايا، ما يعني أنها لم تكن "دولة إسلامية" أبدًا، بل "دولة النساء" على حد وصف الأرملة. وليس ذلك بغريب على أناس ساقتهم شهواتهم ورغباتهم الدنيئة في تبرير الفجور الذي يريدونه بأنه من باب العفة في الإسلام وطهارة تعاليمه وحثه على تحرير الناس وإعتاق رقابهم وعدم استعباد خلق الله!

عزز من خطورة هذا المحور وجود عدد من النساء الأجنبيات في صفوف التنظيم؛ ما أدى إلى افتتان كثير من الشباب ورغبتهم في الانضمام للتنظيم لا لشيء إلا مواقعة النساء، إذ قالت الأرملة بوضوح: إن النساء مثلنّ قوة كبيرة في جذب كثير من المقاتلين، وعلى الرغم من ذلك كانوا لا يهتمون بأمر المرأة ولا برأيها؛ بل كانوا يمتهنونها، وهو ما أثبته المرصد في دراساته عن المرأة وداعش، والمرأة في صفوف التنظيمات المتطرفة.

  1. الانشقاقات الفكرية والمعارك الداخلية بين صفوف داعش

أصدر المرصد في عام ٢٠١٦ كتاب "العائدون من داعش"، فكان باكورة الإنتاج العلمي للمرصد الأزهر إبّان ذروة نشاط تنظيم داعش الإرهابي. تعرض المرصد في الكتاب للقضية المنشقين على صفوف التنظيم، مؤكدًا أن التنظيم لم يكن على مستوى توقعاتهم السياسية والدينية والمادية، لتأتي اليوم زوجة البغدادي فتؤكد أن الأجانب في تنظيم داعش الإرهابي قادوا موجة كبيرة من الانشقاقات في صفوف التنظيم. ولعل إجرام هذا التنظيم ومخالفته تعاليم الإسلام وقواعده باللجوء إلى التحريق (كواقعة تحريق الطيار الأردني معاذ الكساسبة، وغيره) وتذبيح البشر... كل ذلك أدى إلى النظر إلى هذا التنظيم باعتباره متطرفًا متعطشًا للدماء وإرهاب الناس؛ مبتغيًا مكاسب دنيوية وبناء إمبراطورية تقوم على الدماء والأشلاء واستعباد الناس.

إن تلك الدموع التي ذرفتها أرملة البغدادي هي قطرة في بحر دموع أمهات كثيرات من الأبرياء الذين قتلهم التنظيم أو ماتوا وهم يدافعون عن أعراضهن وأرضهن، أو حسرة على ضياع آبائهن أو إخوانهن أو أزواجهن أو أبنائهن، وهي قطعًا لا تجعلها بريئة مما نسب إليها وما تحاسَب عليه أمام مجلس القضاء الأعلى العراقي بعد استعادتها من تركيا حسبما أفادت بعض التقارير الإخبارية.

جاءت شهادة الأرملة مؤكِدة لما ذكرناه في عشرات التقارير والإصدارات والدراسات التي بُنيت على تحليلات واستنتاجات وقراءات مطولة للسلوك الإرهابي لقادة التنظيم، أكدنا فيها أن استهداف قادة التنظيم الإرهابي من شأنه إضعاف شوكة التنظيم وكسر قدراته العسكرية وإصابته في مقتل. وقد أكدت ذلك أرملة البغدادي، إذ اعتبرت مقتل البغدادي والعدناني بمثابة خلع أوتاد التنظيم؛ لما كانا يمثلانه من إلهام وقدوة للعناصر المتطرفة، لكن ذلك لا يعني القضاء المبرم على التنظيم؛ لا سيما وأن أفكار التطرف ما زالت قائمة.

وعلى ذلك، تزداد الحقيقة جلاءً كل يوم عما اقترفه التنظيم الإرهابي من تزوير ومتاجرة بالدين واستغلال للناس في تفريغ شهواتهم ونيل ملذاتهم، لتبقى الرسالة الأوضح من لقاء الأرملة: "لا تنخدعوا بما رأيتم، ولا ينبئك مثل خبير".

قراءة (375)/تعليقات (0)

كلمات دالة: