27 مارس, 2024

أهي قواعد المراصد... أم مراصد القواعد؟!

أهي قواعد المراصد... أم مراصد القواعد؟!

لا يكاد المرء يحصي عدد المنظمات التي تحمل أسماءً توحي بمعاني "الرصد" و"الرقابة" و"المتابعة" وما شاكلها في عالمنا المعاصر. واللافت للانتباه أنها في معظمها مقيّدة بوصف لاحق أو سابق؛ ومن ذلك مثلاً منظمة United Nations Watch (هيئة الرقابة على أداء الأمم المتحدة)، التي تحمل في اسمها كلمة Watch التي تعني "الرصد/الرقابة/المتابعة"، مسبوقًا -في الإنجليزية- بوصف مقيِّد (أنها تابعة للأمم المتحدة)، ومن الأمثلة أيضًا منظمة Human Rights Watch "هيومان رايتس ووتش" المعنية "برصد" انتهاكات حقوق الإنسان في العالم، والمعيار الغربي المسمى Genocide Watch (معيار رصد مراحل الإبادة الجماعية)، وما إلى ذلك من أمثلة. والجامع بين كل تلك المسميات هو الاعتناء بالرصد والمتابعة المفضيان إلى الوقاية المأمولة من المآسي التي تضرب البشر في مقتل.

أدلف من هذا المدخل إلى مقال توماس فريدمَن الذي أقام بنيانه على تشبيه عالم تموج فيه الكيانات السياسية بعالم الحيوان (انظر مقالته في صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ ٢ من فبراير ٢٠٢٤)؛ فتمخض عنه جدل موسع شاركت فيه منظمة FAIR (فير) برد محبوك تخللته الإشارة إلى المراحل العشر لارتكاب الإبادة الجماعية وفق ما انتهى إليه بيت الفكر الغربي الذي سلفت الإشارة إلى معياره Genocide Watch (معيار رصد مراحل الإبادة الجماعية). المعلوم أنه من المفيد أحيانًا محاكمة الشخص -الطبيعي أو الاعتباري- إلى معاييره؛ فالحكم على الشخص وفقًا لمعايير الحاكم عليه سيؤول بالحاكم والمحكوم عليه إلى معادلة صفرية لا حراك فيها لأن كل منهما لا يقر بصواب معايير الآخر ولا بوجاهة حكمه.

وترتيبًا على ذلك، يهدف هذا المقال إلى تطبيق أحكام القانون الدولي والمعايير الغربية لرصد وقائع الإبادة الجماعية على ما دأبت إسرائيل على اقترافه في غزة منذ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣. وفي سبيل ذلك، والتزامًا بمنطق "وشهد شاهد من أهلها" باستدعاء معيار دولي وغربي لتقييم ما يحدث في غزة، فسيشار إلى "الكيان الصهيوني" بلفظة "إسرائيل" حتى لا يقع الكاتب في مخالفة للنهج المقرر من البداية: أي التزام المعايير الغربية في التقييم حتى النهاية!

 

البداية

شهد عام ١٩٤٦ إقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (انظر القرار رقم A/RES/96-I) أول اعتراف بأن الإبادة الجماعية جريمة في منظور القانون الدولي. وبعد ذلك بعامين شُمِلَت تلك الجريمة بتقنين جعل منها جريمة منفصلة وفق أحكام "معاهدة ١٩٤٨ بشأن منع جريمة الإبادة الجماعية والعقاب عليها" (أو "معاهدة الإبادة الجماعية" اختصارًا). توالى تصديق الدول على المعاهدة حتى بلغ عدد المصدقين عليها ١٥٣ دولة عام ٢٠٢٢؛ علمًا بأن محكمة العدل الدولية (ICJ) قررت مرارًا أن المعاهدة تجسد مبادئ لا تنفك البتة عن أحكام القانون الدولي العرفي العام. وترتيبًا على ذلك، فسواء أكانت الدولة -أي دولة- موقعة على المعاهدة أم لا فإنها ملزمة بالمبدأ القاضي بأن الإبادة الجماعية جريمة يحظر القانون الدولي اقترافها. كذلك قررت المحكمة ذاتها أن تجريم الإبادة الجماعية إنما هو من قبيل "القواعد الآمرة" (jus cogens) التي لا يجوز الحيد عنها ولا تجاهلها.

 

التقنين: متى يتحقق وقوع جريمة الإبادة الجماعية؟

تنص المادة الثانية من "معاهدة منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها" على ما يلي: "في هذه الاتفاقية، تعني الإبادة الجماعية أيًّا من الأفعال التالية، المرتكبة على قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، بصفتها هذه: (أ) قتل أعضاء من الجماعة. (ب) إلحاق أذىً جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة. (ج) إخضاع الجماعة، عمدًا، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليًّا أو جزئيًّا. (د) فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة. (هـ) نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلى جماعة أخرى".

 

أركان جريمة الإبادة الجماعية:

يتجلى من نص المادة الثانية السالف اقتباسه وجود ركنين رئيسين، هما: (١) الركن المعنوي، وهو المفهوم من النص القانوني "قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، بصفتها هذه"؛ و(٢) الركن المادي، وهو المنصوص عليه في صورة أي فعل من الأفعال الخمسة المحددة، ألا وهي:

  1. قتل أعضاء من الجماعة.
  2. إلحاق أذىً جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة.
  3. إخضاع الجماعة، عمدًا، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليًّا أو جزئيًّا.
  4. فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة.
  5. نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلى جماعة أخرى.

 

وهديًا بما سبق وعطفًا عليه، من الأهمية البالغة بمكان قراءة النص الآتي بيانه من واقع تبيان الأمم المتحدة لهذه القضية، إذ تقول المنظمة الدولية الأهم:

القصد هو العنصر الأشد استعصاءً على الإثبات؛ إذ يلزم لاكتمال انطباق وصف "الإبادة الجماعية" على أفعال معينة أن يثبت انعقاد النية (القصد) عليها لدى مقترفيها بقصد التدمير الفعلي المادي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية. أي أن التدمير ذا البعد الثقافي لا يكفي لقيام ركني الجريمة، وعلى شاكلته لا يكفي القصد المنصرف إلى تشتيت جماعة، لا إلى تدميرها. فذلكم القصد الخاص (أو ما يعرف في لغة القانون باسم dolus specialis) هو ما يسبغ الفرادة على جريمة الإبادة الجماعية. يضاف لما سلف أن القانون القضائي الدولي (case law) قد قرن القصد بوجود خطة أو سياسة من دولة أو مؤسسة، حتى وإن كان تعريف "الإبادة الجماعية" في القانون غير مشتمل على هذا العنصر.

من المهم كذلك أن يكون ضحايا الإبادة الجماعية محل استهداف متعمد – لا عشوائي؛ أي بسبب انتمائهم الفعلي أو المتصور لإحدى الجماعات الأربع المشمولة بالحماية بموجب المعاهدة (بما يقتضي استثناء الجماعات السياسية، مثلاً). والمعنى أن هدف التدمير يجب أن يكون منصبًّا على الجماعة بصفتها، لا على أفرادها بوصفهم أفرادًا. كذلك ينسحب توصيف الإبادة الجماعية على ما يُقتَرَف ضد جزء من جماعة طالما كان ذلك الجزء مميزًا وكبيرًا (ويدخل في حسبان ذلك ما يكون في منطقة جغرافية محدودة). (انتهى كلام الأمم المتحدة).

 

وبناءً على تلك المعايير المرعية لدى الأمم المتحدة إعمالاً للقانون الدولي، فتوصيف ما تقترفه إسرائيل في غزة هو:

(١) قتل أفراد من المجموعة أي: قتل "أفراد" بصيغة النكرة، لا "الأفراد" بصيغة التعريف والجمع؛ وهو ما تؤكده من واقع نص المعاهدة عبارة الوصف المقيّد "الكلي أو الجزئي" كما سلف عرضه.

(أليس هذا متحققًا في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، بقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين من قبل النكبة إلى اليوم؟!)

(٢) التسبب في "إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة"، وهو أي شيء أضر على الفرد والجماعة من الحصار وتفتيت الأرض وطمس الهوية والتعذيب والاضطهاد والقتل، والتجويع؟!

(٣) "إخضاع الجماعة، عمدًا، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليًّا أو جزئيًّا".

الواقع يشهد بنزوح مليونين من أصل ٢.٣ مليون نسمة نزوحًا قسريًّا داخليًّا في قطاع غزة، كما أن ابتلاع الأراضي لبناء مستوطنات لمواطني دولة الاحتلال يقف شاهدًا على ذلك أيضًا.

(٤) "فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة"

الواقع يشهد بوجود دائرة عاتية مفرغة من العنف الرامي إلى منع الظروف المؤدية إلى الحمل والولادة داخل الجماعة المستهدفة، ويدخل في عداده الاستهداف المتعمد للمنشآت الصحية والمستشفيات، واستخدام التجويع سلاحًا ضد الجميع حتى الرضع الخدَّج؛ فالثابت حدوث وفيات في القطاع بسبب الحرمان من الغذاء والدواء).

(٥) "نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلى جماعة أخرى"

الثابت أن وقائع اختطاف الأطفال ونقلهم إلى الداخل الإسرائيلي باتت معلومة، بل موضع افتخار من فاعليها كما شهدنا في حالة يافا وخلدون.

وانتبه عزيزي القارئ إلى أن التعبير القانوني المقتبس في البند (٥) ضم كلمة "من" التي تفيد التبعيض، درءًا للتعلل بأن ذلك لم يمس كل أطفال القطاع!

وبالإشارة إلى الشرح الملزم من جانب الأمم المتحدة، فإن وصف "منطقة جغرافية محدودة" ينطبق أشد ما ينطبق على قطاع غزة الذي يتعرض لهجمة عاتية لا إنسانية ولا مبرر لها، بما يفضي إلى إلحاق أذى "جسيم" بكل جانب من جوانب الحياة في منطقة جغرافية محددة هي الأعلى من حيث الكثافة السكانية في العالم ويرزح تحت وطأة حصار غشوم منذ عقود.

أما المرجع الآخر لمعايير اقتراف الإبادة الجماعية، فهو المعيار المسمى "المراحل العشر للإبادة الجماعية" كما نظمها الدكتور جريجوري ستانتن في عام ١٩٨٧؛ وهو الرئيس المؤسس لمؤسسة Genocide Watch (صاحبة معيار رصد مراحل الإبادة الجماعية).

ويقرر الدكتور ستانتن أن كل "عملية" تتخلل إبادة جماعية هي عملية لها "مراحل" يمكن التنبؤ بها، كما يقرر ندمه على استخدام وصف "مراحل" لأن تلك المراحل تتزامن وتتوازى، أي أنها ليست متتالية بالضرورة بما يستلزم الفراغ من واحدة تلو الأخرى؛ لذلك، عمِد صاحب المعيار إلى استخدام لفظة "عمليات" بديلاً للفظة "مراحل" في مرحلة لاحقة من تطوير المعيار، ومع ذلك، لا يخفى ما في ترتيب تلك "العمليات" من تتابع منطقي وترابط ظاهر.

يحسُن بنا عرض جانب آخر يتصل بالقضية المعروضة من جانب لا ينفك عن مقترفي جريمة الإبادة الجماعية؛ ألا وهو الجانب النفسي الذهني الذي ربما استند إلى باعث ديني أو معتقدي. وفي هذا المقام، يقرر عالم النفس جين بياجيه أن العمليات الذهنية الإدراكية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالعمليات الأخلاقية، ثم جاء أحد المهتدين بتنظيره وتجاربه، أي لورنس كولبرج، فبحث في المعضلات الأخلاقية لاستجلاء العمليات الأصيلة للتفكير الإعذاري الأخلاقي.

كما انتهى جيمس فاولر إلى أن ما كشفه بياجيه من مراحل إدراكية ذهنية إنما هي مراحل مستندة بالكلية إلى اعتقاد إيماني، أي أن معتقدك الديني الفكري -بصريح العبارة- يؤثر في كيفية وطبيعة إعذارك وتبريرك (المتشح باعتبارات أخلاقية) في سبيل تسويغ نواياك وأفعالك وطرائق تنفيذها.

وإذا كان المعتقد يشير إلى سمة فردية، تجد لجانبه الجماعي مباحث ضمن علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) الذي يبحث في البنى التي تقوم عليها مجتمعات البشر وثقافاتهم؛ لذا نجد أن فيكتور تيرنر -مثلًا- قرر أن الطقوس والرموز تعد من وسائل فهم الهياكل والبنى والمراجع الاجتماعية والسياسية والنفسانية والدينية. وعلى هدى من كل تلك المرجعيات العلمية وغيرها، شيّد الدكتور ستانتن نموذجه ذا العمليات العشر المشار إليه آنفًا، مشددًا أنه محض "نموذج" قابل للتعديل، لا كلامًا مقدسًا.

من المفيد قبل الغوص في النموذج المذكور وتطبيقه على حرب غزة أنه نستجلي بعضًا من سماته العامة، وفي هذا نجد الآتي:

  1. أن معظم مسميات العمليات في النموذج تنتهي باللاحقة الحرفية الصرفية الإنجليزية "-ation"، التي تفيد بوجود عملية مستمرة.
  2. أن النموذج سبق تطبيقه تطبيقًا بحثيًّا أكاديميًّا على ما يُعرف في التاريخ باسم الإبادة الجماعية الأمريكية، والإبادة الجماعية الكمبودية، والإبادة الجماعية الرواندية؛ وكذلك على المحرقة النازية (الهولوكوست).
  3. أن النموذج يتألف من ثلاثة مستويات من حيث تصاعد احتمالات وقوع الإبادة الجماعية، هي: الرصد، ثم التحذير، ثم الطوارئ.
  4. أن عمليات النموذج متوازية، لا متتالية بالضرورة.

على سبيل النقد العلمي الموضوعي للنموذج ذاته، يقرر كاتب هذا المقال أن بعض المناطق الجغرافية في عالم اليوم التي يُطبق عليها هذا النموذج مع تصنيفها ضمن المستويات الثلاثة السالفة البيان إنما هو تطبيق وتصنيف يفتقر إلى ما يقيم صلبه من وقائع ميدانية أو مسوغات قانونية أو ضوابط أخلاقية... وهذا لا يقدح في علمية النموذج بقدر ما ينال من سلامة تطبيقه.

 

عمليات الإبادة الجماعية وفق النموذج:

  1. العملية الأولى تسمى "التصنيف"، أي تصنيف البشر بمنطق "نحن" و"هم"؛ أي منطق الإقصاء من الجماعة الكلية (الإنسانية أو القومية)، ولهذا التصنيف أسانيده عند الواقعين فيه، وعلى رأسها الأسباب الدينية المعلومة لدى القارئ أن وسائل الإعلام الغربية لا تخلع وصفًا دينيًا مميِزًا -باختيار تلك الوسائل- إلا على دولتين في العالم؛ الأولى إسرائيل (إذ أن تسميها "الدولة اليهودية"، و"الدولة الإسلامية" (داعش)! مع استثناء الدول التي يدخل المسمى الديني في اسمها الرسمي، كإيران، ثم أفغانستان حديثًا).

الأهم من ذلك أن إسرائيل قد اختارت -عمدًا وقصدًا وبإرادتها- إقصاء الفلسطينيين ومن يعيشون داخل إسرائيل و/ أو يحملون جنسيتها من غير اليهود؛ وذلك بأن أصدرت القانون الإقصائي المعروف باسم قانون يهودية الدولة لسنة ٢٠١٨ في إحياء لممارسات قروأوسطية، وبات هذا القانون من صميم القانون الأساسي للدولة! وبموجبه يقتصر الحق في تقرير مستقبل "الدولة اليهودية" على المواطنين اليهود دون سواهم!) وبهذه الحقائق، فقد ثبت اقتراف إسرائيل هذه العملية من عمليات الإبادة الجماعية وفق النموذج الغربي المتخَذ معيارًا.

  1. العملية الثانية تسمى "الترميز الواصم"، وهي امتداد للعملية الأولى التي بدأت بالمغايرة الإقصائية، ليَليَها التسمية الواصمة، ومن ذلك مثلًا إطلاق مسميات من قبيل "الهوتو والتوتسي"، و"الترك والأرمن"، و"العماليق واليهود".

والثابت أن الرمزيات المستخدمة في إطار هذه العملية قد تكون إثنية الطابع (مثل "التوتسي والهوتو") أو تشييئية (مثل الإشارة الانتقاصية المهينة إلى "الشال" الفلسطيني) أو وصف مهين (كإطلاق الفرنجة وصف "ساراسن" (saracen) المهين على العرب المسلمين الذين واجهوا حملاتهم على الشرق).

وبات ثابتًا أن المناهج التعليمية في المدراس وكذلك العقيدة العسكرية ذات البواعث الدينية في إسرائيل إنما هي مناهج وعقيدة دفعت منسوبي جيش الاحتلال إلى التجمع والإنشاد والاحتفال بقتل من يسمونهم العماليق؛ أي الفلسطينيين، ولهذا باعثه الديني من فهمهم للتشريع الإلهي.

وبهذه الحقائق، فقد ثبت اقتراف إسرائيل هذه العملية من عمليات الإبادة الجماعية وفق النموذج الغربي المتخَذ معيارًا.

  1. العملية الثالثة تسمى "التمييز". وتنطوي هذه العملية على الوقوع في ممارسات وأفعال تفضي إلى حرمان "الآخر" من ممارسة كامل حقوقه بوصفه مواطنًا أو إنسانًا، ولا ينكر شخص عاقل الحصارَ العلني المتجبّر المفروض على غزة وأهلها إلا إذا كان مطموس البصر والبصيرة؛ وعلى شاكلتها الضفة الغربية – ولو بمقدار. بل إن التمييز قائم حتى في حصص المياه ونظافة الأحياء ومستويات الوظائف بين عرب إسرائيل (أصحاب الأرض) والدخلاء الصهاينة المرتحلين من شتات الدنيا إلى شتات القوميات الداخلية). وبهذه الحقائق، فقد ثبت اقتراف إسرائيل هذه العملية من عمليات الإبادة الجماعية وفق المعيار الغربي.
  2. العملية الرابعة تسمى "التجريد من الإنسانية"؛ وتحدث عندما يشبّه المقترفون ضحاياهم (الفعليين أو المرتقَبين) بالجرذان أو الحشرات أو السرطان أو المرض أو خلافه بما يجردهم من الصفة الإنسانية في المقام الأول، فبذلك يتسنى لهم المحاججة بأن استئصال "العدو المحقَّر" من شأنه "تنظيف" المجتمع و"تطهيره"؛ فيسوغ بذلك إعمال المقتلة والإبادة.

والسؤال التقريري: ألم يثبت أن وصم وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف جالانت، الفلسطينيين بوصف "الحيوانات البشرية" وأنهم "سيعامَلون بناء على ذلك"؟! ألم يستدع رئيس الوزراء الإسرائيلي أوصافًا من نصوص دينية يؤمن بها تفيد تحقيرًا للفلسطينيين وخلعًا لأوصاف تاريخية عليهم؟! تلكم هي "السردية الرسمية"! وإذا كانت الحال هذه على المستوى الرسمي، فللمرء أن يذهب بخياله كل مذهب في السرديات الدينية وغير الرسمية!) وبهذه الحقائق، فقد ثبت اقتراف إسرائيل هذه العملية من عمليات الإبادة الجماعية وفق النموذج الغربي المتخَذ معيارًا.

  1. العملية الخامسة تسمى "التنظيم"، أي عندما تتخذ المجموعات أو الجيوش أو الميليشيات شكلاً تنظيميًا هرميّ الإدارة وفردي/جماعي الممارسة لإنفاذ الإبادة.

ألم تسْع السلطات الرسمية في إسرائيل إلى التوسع العجيب في تجميع المستوطنين وتسليحهم والتغاضي عن جرائمهم التي بلغت حد القتل والتمثيل بالجثث؟ ألم يثبت أن ما يسمى "جيش الدفاع الإسرائيلي" يستعين بمرتزقة من مجموعات يمينية مناصرة له من جنبات الأرض على اختلاف الجنسيات؟ ألم تجتمع تنظيمات مناصرة للقائمين بأفعال القتل والتدمير لممارسة الضغوط من أجلهم في بلدان أخرى إعلاميًّا وسياسيًّا وماليًّا؟!) وبهذه الحقائق، فقد ثبت اقتراف إسرائيل هذه العملية من عمليات الإبادة الجماعية وفق النموذج الغربي المتخَذ معيارًا.

  1. العملية السادسة تسمى "الاستقطاب"، ويتخللها إقصاء العقلاء المعتدلين الذين يتخذون منحىً مختلفًا عن الواقعين في الاستقطاب والإقصاء، خصوصًا إذا كان هؤلاء العقلاء من بني جلدتهم.

ألم نسمع ونقرأ ونشاهد الحملات الشعواء من الصهاينة ضد عقلاء اليهود، حتى وصموهم بأنهم ليسوا "يهودًا حقيقيين" وبأنهم "يهود يكرهون أنفسهم"؟ ألم نجد جهودًا مضنية وتشويهًا متعمدًا ومحاصرةً إعلامية وفكرية لليهود المعترضين على خطط إسرائيل وأفعالها أو المنتقدين لها؟ كلنا يعرف أمثلة لهؤلاء مثل برنارد (بيرني) ساندرز، ونوام تشومسكي! ألم يجتهد الصهاينة في مساواة نقد الصهيونية بمعاداة السامية لتخويف المنتقدين؟!). وبهذه الحقائق، فقد ثبت اقتراف إسرائيل هذه العملية من عمليات الإبادة الجماعية وفق النموذج الغربي المتخَذ معيارًا.

  1. العملية السابعة تسمى "التحضير"؛ ويتخللها وضع الخطط لمباشرة أعمال القتل والتهجير، بما في ذلك تدبير ما يلزم لها من معدات وكوادر بشرية.

من الثابت عكوف إسرائيل منذ السابع من أكتوبر وحتى اليوم على الحشد والتعبئة لكتائب وألوية وفرق عسكرية كاملة (بل لجأت إلى حشد وحدات الاحتياط و"المتطوعين" والمرتزقة)، فضلًا عن تخصيص الموارد الاقتصادية المحلية واستدعاء الدعم الخارجي العسكري والسياسي والاقتصادي بشتى صوره من أجل صولة غير مسبوقة ضد أهل غزة الأبرياء المستهدفين استهدافًا عشوائيًا بالمخالفة للقانون الدولي؛ ولم تستثن دولة الاحتلال شيئًا من قدراتها الجوية والبرية والبحرية والفضائية والاستخبارية والاقتصادية والسياسية والإعلامية إلا وأعملتها في سبيل إنجاز أهدافها التي هي في حقيقتها جرائم حرب).

وبهذه الحقائق، فقد ثبت اقتراف إسرائيل هذه العملية من عمليات الإبادة الجماعية وفق النموذج الغربي المتخَذ معيارًا.

  1. العملية الثامنة تسمى "الاضطهاد"، ويتخللها اعتقال الضحايا وتركيزهم في سجون أو مخيمات أو معسكرات اعتقال؛ بما يجعل التعذيب والقتل جرائم متوقعة، ويزيد عدد الخاضعين لما يسمى بالاعتقال الإداري (وهي تهمة مصطنعة لا سند لها من قانون ولا تكاد تمارَس إلا في إسرائيل ضد الفلسطينيين) عن ١٤٠٠ معتقل، وينطوي هذا الاعتقال على سلب حرية الفرد وعدم عرضه على المحاكمة ودون ارتكابه أية مخالفة أصلًا. فما سبب الاعتقال إذًا؟ السبب -عند إسرائيل- هو أنها ترى أن المعتقَل كان يخطط لمخالفة القانون في المستقبل! لا يكف المنتصرون لإسرائيل عن وصفها بالديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، ولست أجد في أدبيات الديمقراطية ما يجعل الاعتقال على النية أمرًا يوافق صحيح القانون! فيا لها من ديمقراطية! والثابت بالإحصاء أن بعض المعتقَلين يتعرض للتعذيب والوفاة، علاوة على جرائم سرقة الأعضاء بعد الوفاة).

وبهذه الحقائق، فقد ثبت اقتراف إسرائيل هذه العملية من عمليات الإبادة الجماعية وفق النموذج الغربي المتخَذ معيارًا.

  1. العملية التاسعة تسمى "الإبادة"، وهذا هو فعل "الإبادة الجماعية" المباشر – أي على قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، بصفتها هذه، وإذا لم يكن قتل نحو مائة ألف نسمة واعتقال أكثر من مليون فرد منذ عام ١٩٤٨، وتدمير مئات القرى والبلدات الأصلية لا يرقى إلى عداد الإبادة الجماعية، فماذا عساه يكون؟!) وبهذه الحقائق، فقد ثبت اقتراف إسرائيل هذه العملية من عمليات الإبادة الجماعية وفق النموذج الغربي المتخَذ معيارًا.
  2. العملية العاشرة تسمى "الإنكار"، والأكيد أن إنكار وقوع الإبادة الجماعية هو شكل من أشكال استمرارها لأن المقترفين يسعون إلى تدمير الجماعة الضحية ماديًّا ونفسيًّا وثقافيًّا على كل الأصعدة، بما في ذلك بتر الصلة بموتاهم وبإحياء ذكراهم.

واجتهدت وسائل الإعلام العبرية ونظيرتها المناصرة لها الناطقة بلغات أخرى في سبيل إنكار حدوث إبادة جماعية في غزة. وإمعانًا في ممارسة الإنكار، لم تسلم المقابر في غزة من فظائع آلة الحرب الإسرائيلية. ومن الثابت أيضًا اكتشاف مقابر جماعية بين الفينة والأخرى من أيام نكبة ١٩٤٨. ولا يقل عن ذلك طغيانًا وإنكارًا طمس كل معالم الهوية الأصيلة للأرض، فما يسمى بأعمال "التهويد" أو "الصهينة" قائمة بالفعل في ربوع الأرض وجنبات المقدسات وأعمال الحفريات وغيرها). وبهذه الحقائق، فقد ثبت اقتراف إسرائيل هذه العملية من عمليات الإبادة الجماعية وفق النموذج الغربي المتخَذ معيارًا.

لقد سعى واضع هذا النموذج -الدكتور ستانتن- إلى تنبيه الحكومات والمجتمع الدولي بغية اتقاء الإبادة الجماعية في أي مكان من العالم؛ ومن المفارقات أن نجد معيارًا غربيًّا يُسعَى في تطبيقه على كل أحد ليس على الهوى الغربي، فيما "العالم الحر" يشهد إبادة جماعية مكتملة الأركان -وفق معياره- في فلسطين فلا يحرك ساكنًا، بل يمعن في تقديم الدعم غير المشروط إلى مقترفي الإبادة.

لا يظن عاقل أن الأديان السماوية الثلاثة -اليهودية والمسيحية والإسلام- تدعو في حقيقتها إلى الإقصاء أو الإبادة، ذلك بأنها أديان جاءت من عند الله، والخلق (كل الخلق) عيال الله وأحباؤه، فلن يشرّع شيئًا يضرهم... غاية ما هنالك أن بعض "أبناء الله" سعوا في ضُر أخوتهم في الإنسانية بتحريف لمقاصد الدين ومفاهيمه، فعمدوا إلى تحريف الفهم والتأويل، ثم إلى تطريف أتباعهم، وتجريد "الأغيار" من الإنسانية، وتكريس مفهوم "المختارية" ضمانًا لاستمرارية ذلك الطرح المعوج؛ وفي هذا تسييس للدين، والمؤكد أن تسييس الدين يفضي إلى إقصائية مقيتة؛ وهذا عين الحاصل في الصهيونية التي سيست اليهودية.

وناتج ذلك هو المصطلح الجديد "الإبادة الصهيونية" الواقعة على الفلسطينيين (Ziocide) – وهي مجموعة جرائم مكتملة الأركان من حيث التهجير القسري والتطهير والسعي الدائم في إبادة الشعب الفلسطيني ومحو ذاكرته وسرقة تاريخه.

إن الوقائع السابقة للإفلات من العقاب هي أحد بواعث "الإنكار" المستمر إلى اليوم وفي الغد، وهو ما يعني -بكل أسى وأسف- استمرار البيئة المهيئة لاقتراف الإبادة الجماعية. وقد بات من قبيل العلم العام أن ما يسمى بالعالم الحر دأب على ممارسة ضغوط عاتية على الدول العربية وذات الأغلبيات المسلمة من أجل إحداث تغييرات جذرية في مناهجها التعليمية، خصوصًا في مراحل التعليم الأساسي، تجنبًا لإنتاج متطرفين وإرهابيين في المستقبل.

والحاصل من واقع الدراسات الإسرائيلية أولًا والغربية ثانيًا والعربية ثالثًا أن جهدًا مماثلًا -بل أشد وأقوى- بات مطلوبًا بقوة في ما يخص المناهج التعليمية الإسرائيلية إذا أُريد لهذه المنطقة أن تنعم بشيء من السلام والتعايش يومًا ما. والمحصلة لذلك أنه لا بد من تحرير اليهودية المختطَفَة من براثن الصهيونية المصطنعة.

إن الصهيونية التي لا تكف عن الإمعان في التطرف لهي مجال ضيق أريد به حشر اليهودية حشرًا جامعًا للمتطرفين نافيًا للمعتدلين؛ ومهمة كل العقلاء في هذا العالم أن يدركوا أن الصهيونية لم تكن -ولن تكون- من "الوصايا" المنقوشة على "ألواح" تضمن قدسيتها وترسّخ صحتها وتثبت اعتقادها. وعلى العقلاء أيضًا أن يعوا أن السلام في حقيقته مسالَمة – أي تعايش بين طرفين أو أطراف بسلام؛ فمن المستحيل العقلي والسياسي والأمني أن ينعم طرف بالسلام فيما غيره يصارع الموت.

وقد ثبت بالدليل القاطع أن التطور العسكري والتكنولوجيا المتقدمة ليست ضمانة لأي شيء، بل إن عملية السابع من أكتوبر ضربت فكرة "الجيوش المسيّرة" في مقتل؛ فلا حياة بغير سلام، ولا سلام بغير إحقاق الحقوق. وختامًا، فإسقاط أحكام القانون الدولي والمعايير الغربية على دولة الاحتلال يجعلها راتعة في الإبادة، والغة في دماء الفلسطينيين، بكل ما في الكلمة من معنى.

للقارئ الكريم أن ينتظر أكتوبة أخرى تتعلق بكيفية تطوير هذا النموذج بعقول مرصد الأزهر لمكافحة التطرف. وحتى ذلك الحين يظل السؤال الملحّ قائمًا: هل عجزت كل القواعد التي ابتنيت عليها "مراصد" العالم عن بسط المعادلة ورد الظلم كي لا يتحول إلى إبادة جماعية مستمرة أو مرتقبة؟ أم أن "قواعد المراصد" أصبحت محض "مراصد للقواعد"؟! أي تجمعات للقاعدين عن النهوض بمسئولياتهم، مكتفين بخافت الكلام أو بلوامع المسميات؟

قراءة (523)/تعليقات (0)