31 مارس, 2024

كيف يمكن أن يسهم الصيام في الحد من الميل نحو الفكر المتطرف؟

كيف يمكن أن يسهم الصيام في الحد من الميل نحو الفكر المتطرف؟

 

في ظل التحديات التي تواجه العالم اليوم، أصبحت مكافحة التطرف وإقرار مبدأ التعايش السلمي بين الثقافات والأديان أمرًا بالغ الأهمية، وفي هذا السياق، يتجلى دور الدين بوصفه وسيلة فعالة لتعزيز السلام ومكافحة التطرف، ويأتي شهر رمضان المبارك الذي يعد أبرز الشهور في التقويم الإسلامي وأفضلها؛ إذ يمثل فرصة ذهبية لإقرار السلام وتعزيز قيم التسامح والتراحم والتكافل، ففي هذا الشهر يجتمع المسلمون حول العالم على صيام نهاره وإحياء لياليه بالعبادة والتضرع، في جو روحاني تسوده السكينة والطمأنينة والتآخي، ولكن ما العلاقة بين صيام شهر رمضان ومكافحة التطرف؟ وكيف يمكن أن تسهم هذه العبادة في بناء مجتمعات متعايشة بسلام وتحقيق الفهم الصحيح للإسلام؟

في هذا المقال، سنحاول أن نستكشف بعمق علاقة الصيام بمكافحة التطرف من خلال بعض جوانب حكمة الصيام التي تتجلى في النقاط التالية:

(1)   تنمية قدرة الفرد على التحكم في النفس والانضباط الذاتي:

يتطلب صيام رمضان الامتناع عن تناول الطعام والشراب من طلوع الفجر حتى غروب الشمس، مما يتطلب قوة إرادة وانضباطًا شديدًا للتحكم في الرغبات، مما يمكن أن يساعد في تعزيز القدرة على السيطرة على الاندفاعات والتدريب على التروي وضبط النفس، فيكتسب الفرد القدرة على تأجيل الإشباع لرغباته والقدة على التحكم الذاتي، وهي خصال يمكن للفرد أن يكتسبها من خلال صيامه لهذا الشهر الفضيل بشكل مختلف عما تكون عليه الشخصية المتطرفة من الاندفاع والتهور وضعف التحكم الذاتي والانسياق وراء الانفعالات دون تفكير.

(2)   تعزيز العلاقات الاجتماعية وإشباع حاجة الأفراد للانتماء والتآلف:

يشهد شهر رمضان اجتماع الأسر والمجتمعات في أكثر من مناسبة ومشهد، منها ما يكون في الإفطار الجماعي والزيارات العائلية وتبادل التهاني بين أفراد المجتمع الواحد، وكذا اجتماع المسلمين للصلاة، مما يسهم في تعزيز العلاقات الاجتماعية والتواصل بين الأفراد وتعزيز الروابط الاجتماعية وإعلاء قيمة الانتماء للمجتمع، ويتجاوز ما ينتج عن الحياة المادية من آثار سلبية من تفكك للأسر وضعف للروابط الاجتماعية،  كذلك يعمل الصيام على التقليل من شعور الفرد بالعزلة والتهميش، والتي تعد من الأسباب الرئيسية التي تؤدي بكثيرين إلى التطرف، ففي إشباع حاجة الفرد للانتماء وتعزيز العلاقات الاجتماعية واتساعها وقاية من الوقوع فريسة للتجنيد من قبل التنظيمات المتطرفة واللعب على وتر التفكك والاختلاف.

(3)    تعزيز وجهة الضبط الداخلية لدى الفرد:

وجهة الضبط الداخلية والخارجية مصطلحان يستخدمان في علم النفس لوصف كيفية إدراك الفرد لسبب الأحداث في حياته وكيفية التحكم فيها، فوجهة الضبط الداخلية تشير إلى اعتقاد الفرد بأن نتائج أفعاله وتجاربه تعتمد بشكل رئيس على جهوده الشخصية وقدراته الذاتية، فالأشخاص الذين يمتلكون وجهة ضبط داخلية يرون أن النجاح والفشل يعتمدان على ما يقومون به وما يتحملونه بوصفهم أفرادًا، وهم بذلك يتمتعون بمستوى عالٍ من الشعور بالسيطرة على حياتهم، حيث يعتقدون أنهم قادرون على التحكم في مصيرهم بشكل كبير.

أما الأفراد ذوو وجهة الضبط الخارجية: فيعتقدون أن نتائج ما يشهدونه في حياتهم وتجاربهم يتحكم فيه عوامل خارجية عنهم، فالأشخاص الذين يمتلكون وجهة ضبط خارجية قد يلجؤون إلى إلقاء اللوم على الظروف الخارجية عند مواجهة الصعوبات والتحديات، وقد يكون لديهم شعور بفقدان السيطرة على حياتهم، حيث يشعرون بأنهم لا يمتلكون القدرة على التحكم في مصيرهم، لذلك فهم أكثر الأشخاص عرضة لأن يصبحوا متطرفين، كونهم يؤمنون بأن الإنسان مسيّر، وأن ما تحكم عليه به الحياة والطبيعة والبيئة هو ما يتحكم في مصيره ومآله.

وفي رمضان يمكن للصيام والقيام أن يسهما في تعزيز وجهة الضبط الداخلية للفرد من خلال تعزيز الانضباط والتحكم الذاتي، وزيادة الثقة بالنفس، وتعزيز الروحانية والتأمل، وتحفيز النمو الشخصي والشعور بالحرية والاختيارية، وأن ما يقوم به الإنسان مختارًا هو ما سيترتب عليه مصيره.

(4)    إظهار يسر الشريعة:

كذلك من الأمور المهمة التي يستفاد فيها من رمضان، تعليم الناس قضية يُسر الشريعة، وهذه المسألة في غاية الأهمية؛ وذلك؛ لأنه استقر في أذهان كثير من الناس أن في الدين صعوبات وتشديدات، وهي فكرة يروج لها أعداء الدين والتنظيمات المتطرفة في  أدبياتهم وممارساتهم، وهذا عكس صحيح الدين، فالدين الإسلامي دين يسر وليس عسر، وهناك الكثير من الأمثلة والمسائل التي ذكرها العلماء في أحكام الصيام؛ التي تدل على يسر الشريعة، فينبغي استثمار الفرصة؛ لتعليم الناس أن هذا الدين يسر، فليس بخفي على أحد أن جواز إفطار المريض والمسافر والحامل والمرضع من مظاهر يسر الشريعة الإسلامية في أحكام الصيام، فضلًا عن عدم جواز صيام يوم العيد، والنهي عن الوصال وغير ذلك من المسائل التي تثبت يسر الشريعة الإسلامية.

(5)    الدعوة للتأمل والتدبر:

حيث يخلق الصيام فرصة للتأمل والتفكير العميق في الحياة والغرض من وجودنا وعلاقتنا بالله وبالآخرة، بهذا يسهم الصيام في تربية الفرد على التدبر والتأمل والتفكير، بما يقيه من الجمود الفكري والتشوهات المعرفية والأفكار المغلوطة التي تروج لها التنظيمات المتطرفة.

(6)    الحث على التعاطف والتضامن مع الآخرين:

حيث يتشارك المسلمون في وجبات الإفطار ويواجهون تجربة التحكم في الشهوات معًا، بما يسهم في تعزيز الوحدة والتعايش السلمي بين الأفراد والمجتمعات، وعليه يمكن اعتبار الصيام وسيلة فعَّالة لمكافحة التطرف؛ حيث يعزز الروحانية والتسامح، ويشجع على بناء مجتمعات متعايشة بسلام، تنبذ العنف، والتمييز، والفرقة.

وختامًا:

فإن الصيام أداة فعَّالة في مكافحة التطرف وتعزيز السلام والتسامح في المجتمعات؛ حيث لا يقتصر على كونه فرصةً للامتناع عن الطعام والشراب فحسب، بل هو فرصة لتعزيز الجوانب الروحانية والتشجيع على التأمل وتعزيز القيم الإنسانية الأساسية مثل: الصبر والتحمل والتعاطف، ومن خلال الصيام يمكن للفرد أن يدرك قوته الداخلية وقدرته على التحكم في نفسه، وهو ما يعتبر عاملًا مهمًّا في مواجهة الأفكار المتطرفة، وأساسًا لبناء مجتمعات متعايشة بسلام؛ لذا لا بد من استثمار هذا الشهر الفضيل وسيلة فعَّالة لمكافحة التطرف وبناء عالم أكثر سلامًا وتسامحًا.

                                                                                                    وحدة البحوث والدراسات

قراءة (238)/تعليقات (0)