24 يونيو, 2024

الأطفال المتسولون في أفغانستان... هل يستردون طفولتهم يومًا؟!

الأطفال المتسولون في أفغانستان... هل يستردون طفولتهم يومًا؟!

الطفولة من أهم المراحل العمرية التي يحتاج فيها الأطفال إلى الرعاية، والعناية البدنية والفكرية، لينشؤوا نشأة متوازنة نفسيًّا وبدنيًّا، ويكونوا لبنة صالحة في بناء المجتمع الذي يقوم على أكتافهم، وينهض بهممهم. لذلك، تعد ظاهرة تسول الأطفال كارثة حقيقية تقوض المجتمعات، وتجتث خيراتها، وتقضي على مستقبلها، وهي ظاهرة لا تخص شعبًا بعينه، ولا دولة دون أخرى، بل أضحت في السنوات الماضية -وفي ظل ظروف اجتماعية واقتصادية طاحنة- تشكل خطرًا كبيرًا على المجتمعات كافة؛ تهدد أمنها واستقرارها، غير أن طبيعتها وأشكالها تختلف باختلاف المجتمعات.

وبالنظر إلى أفغانستان، يعد التسول أحد أبرز الظواهر التي تهدد استقرار المجتمع بسبب ما عانته تلك الدولة من ويلات الحروب لأكثر من أربعين عامًا، وما نتج عن تلك الحروب من نزوح، وهجرة قسرية، ووفاة الآلاف من أرباب الأسر، أو فقدانهم مصادر الدخل، وسوء الأحوال الاقتصادية، وانتشار البطالة، وارتفاع نسبة الأطفال المتسربين من التعليم وغيرها من الظروف التي وفرت لظاهرة التسول في أفغانستان الأسباب المؤاتية، فتحولت إلى مهنة للعديد من الأطفال الذين فقدوا العائل، أو غشاهم الفقر. لذا يقدم هذا التقرير بيانًا بأسباب تلك الظاهرة وأشكالها، والآثار المترتبة عليها، والطرق المقترحة لمعالجتها.

أولًا: أسباب الظاهرة في أفغانستان:

للتسول في أفغانستان أسباب وعوامل كثيرة مختلفة، من بينها:

1. الفقر. يعد العوز أساس هذه الظاهرة - ليس في أفغانستان وحدها، بل في كل دول العالم- لأنه يضطر الأطفال -الذين من المفترض أن يلقوا الرعاية والاهتمام والحب، وأن يستمتعوا بطفولتهم- إلى استجداء الناس للحصول على قوت يومهم.

2. الظروف الاجتماعية: كالتفكك الأسري، أو فقدان أحد الأبوين أو انحرافهما، ما يدفع الأبناء إلى البحث عن مصدر دخل بأنفسهم، أو الهروب من تبعات المشكلات الأسرية إلى الشوارع، الأمر الذي يجعل من التسول ملاذًا مناسبًا لهم. وقد يصل الأمر ببعض الآباء المنحرفين إلى إرسال أحد أبنائه للعمل مع عصابات التسول؛ ليحصل من وراء ذلك على النقود التي يستخدمها في توفير المواد المخدرة التي يتعاطاها.

3. محدودية التكافل الاجتماعي، واتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء. وعلى الرغم من أن أفغانستان تفتقر إلى بيانات إحصائية حديثة، لكن الأمم المتحدة تقدر عدد السكان بنحو ٤٠ مليونًا، يعيش ٣٤ مليونًا منهم (أي نسبة ٨٥٪ منهم) تحت خط الفقر حتى نهاية ٢٠٢٢م (وفقًا لتقرير أعدته سكاي نيوز عربية بتاريخ ١٨ من أبريل ٢٠٢٣م).

4. نزوح مئات الأسر بسبب الحروب الداخلية، والصراعات، والعمليات الإرهابية، أو بسبب الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات وغيرها، فيموت الكثير من العوائل وتبقى الأسر بلا عائل، أو ينزحون بعدما يفقدون أعمالهم ومنازلهم، ويبدؤون في البحث عن حياة جديدة لا يملكون من مقوماتها إلا الفتات.

5. ارتفاع نسبة البطالة بسبب الظروف الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها البلاد، وقد أكد تقرير البنك الدولي الذي صدر في أكتوبر ٢٠٢٣م أن مستوى البطالة بين الشباب والنساء مرتفع بنسب مثيرة للقلق، ووفقًا للتقرير فإن من بين الشباب الباحثين عن عمل -الذين تتراوح أعمارهم بين ١٤ و٢٤ عامًا- يعاني واحد من كل ثلاثة تقريبًا من البطالة، في حين أن معدل البطالة أعلى مرتين تقريبًا بين الشابات في الفئة العمرية نفسها (وفقًا لتقرير صحيفة "هشت صبح" بتاريخ ٢٩ من أكتوبر ٢٠٢٣م)

ثانيًا: أشكال الظاهرة في أفغانستان:

تنوعت الأساليب وتعددت الأشكال التي يتسول بها الأطفال في أفغانستان؛ فلم تعد فقط قاصرة على طلب المال مباشرة، بل توارت خلف ستار من بيع بعض المنتجات زهيدة الثمن، أو تقديم خدمات مقابل المال الذي يكون الجزء الأكبر منه ليس ثمنًا للخدمة أو المنتج؛ بل تسول مستتر، ومن بين تلك الخدمات التي يتسول من خلالها الأطفال:

· مسح الأحذية وتلميعها في الشوارع: تنتشر هذه المهنة بين الأطفال في شوارع العاصمة كابل وغيرها من المدن الأفغانية، يقول "ويس الدين" ذو العشرة أعوام: "إن الفقر دفعه وأخويْه إلى العمل جنبًا إلى جنب مع الأب لتوفير قوت يومهم، ويرجو أن يجد والده وظيفة مناسبة، ويذهب هو إلى المدرسة، وألا يعمل في هذا العمل مرة أخرى (وفقًا لتقرير "طلوع نيوز" بتاريخ ٣ من يناير ٢٠٢٤م).

· بيع المنتجات والأطعمة: كالحمص المالح في الأزقة والحواري، وهي مهنة رائجة لأطفال الشوارع في أفغانستان، فها هو "باسط" أحد الأطفال العاملين الذين يحملون مسئولية أسرهم على أكتافهم يبيع الحمص المالح في أزقة العاصمة، وفي الوقت نفسه هو تلميذ في إحدى المدارس، يقول "باسط": "أعمل هنا منذ ثلاث سنوات، والدي عاطل عن العمل، فهو مريض ولا يمكنه أن يعمل، وليس لي إخوة، وأنا جئت إلى الدنيا لأعمل" (وفقًا لتقرير "طلوع نيوز" بتاريخ ٣ من يناير ٢٠٢٤م).

· تلميع زجاج السيارات عند إشارات المرور: يتخذ الأطفال هذه الخدمة قناعًا لسرقة معدات السيارات وملحقاتها، واللوذ بالفرار كلما سنحت لهم الفرصة.

· إشعال البخور: يحمل الأطفال مبخرة، ويمرون على المحلات التجارية، أو السيارات، أو حتى على المارة في الشوارع، ويغنون أغنية عن البخور الذي يحملونه بأنه يشفي من كل داء، ويحرق عين الحاسد والحاقد، بطريقة يستعطفون بها الناس ليعطوهم المال.

ثالثًا: النتائج المترتبة على الظاهرة:

لا شك أن لهذه الظاهرة الكثير من الآثار السلبية على الفرد المتسول نفسه، وعلى المجتمع الذي يعيش فيه، نذكر منها:

1- حرمان الأطفال المتسولين من حقهم في التعليم؛ إذ يقضون أوقاتهم في الشوارع وفي استجداء الناس، ولا يذهبون إلى مدارسهم، ولا يكملون دراستهم، ولا يتعلمون شيئًا مفيدًا، فيكون جهلهم عاملًا من عوامل ضياعهم، ومعول هدم في بنيان مجتمعهم.

2- تعرض هؤلاء الأطفال للاستغلال الجنسي والمادي؛ إذ يتعامل كثير من غير الأسوياء مع الأطفال المتسولين على أنهم مشاع، أو شيء يمكن شراؤه، أو التربح من ورائه، فيقومون باستغلالهم جنسيًّا وماديًّا، وللأسف الشديد يقع الكثير من أولئك الأطفال في فخ العصابات الإجرامية التي تستغلهم في بيع أو توزيع المواد المخدرة.

3- تعرض الأطفال لخطر الموت بسبب الحوادث التي يتعرضون لها في ثناء تسولهم في الطرق، وإشارات المرور، وانشغالهم في استجداء الناس، وتحصيل الأموال منهم.

4- اكتساب الأطفال الكثير من السلوكيات المنحرفة كالإدمان والتدخين وغيرها؛ بسبب افتقادهم الرعاية والتوجيه والدعم الأسري، وبهذا يشكلون قنبلة موقوتة توشك أن تنفجر يومًا في وجه المجتمع.

رابعًا: طرق معالجة الظاهرة:

من البداهة أن يكون حل المشكلة بمواجهة أسبابها ومعالجتها، ولكن عندما تكون الأسباب أكثر تعقيدًا وتشابكًا مع أوضاع يصعب القضاء عليها في أفغانستان بإرادة شخص، أو حتى مؤسسة، في ظل ما عانته تلك الدولة من الحروب لسنوات عديدة تجاوزت الأربعين عامًا، وفي ظل طبيعتها الجغرافية ذات الكوارث الطبيعية التي يروح ضحيتها المئات، ويتشرد بسببها الآلاف؛ عندئذ تكون الحلول جزئية، ولعل من أبرز تلك الحلول ما يلي:

· العمل على إنفاذ القوانين، والتشريعات التي تحمي الأطفال، وتجرم كل من يستغلهم في أعمال التسول، أو توزيع المخدرات أو بيعها وغير ذلك من السلوكيات المنحرفة.

· توفير دور الرعاية التي يمكن أن يلجأ إليها الأطفال ممن يحتاجون إلى المساعدة، بدلًا من لجوئهم إلى الشوارع.

· تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني، والتنسيق بينها، وبين المؤسسات الحكومية والدولية؛ لإقامة ندوات وبرامج توعوية للأسر، تعرفهم بمخاطر المشكلات الأسرية على مستقبل أبنائهم.

· توعية المجتمع بأهمية أداء زكاة أموالهم، وإيصال صداقاتهم لمن يستحقها، وأن يفرقوا بين عصابات التسول، وبين الأسر الفقيرة؛ فالتكافل الاجتماعي من أهم القيم الأخلاقية التي ترسخها الشريعة الإسلامية في نفوس أتباعها، انطلاقًا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" [رواه مسلم]، فلو أدى الأغنياء زكاة أموالهم بحقها، وتصدق كل امرئ بما يستطيع، لقويت الصلات الإنسانية، والروابط الاجتماعية بين الفرد والمجتمع، واختفت الكثير من الظواهر الاجتماعية السلبية.

وحدة اللغة الفارسية

قراءة (98)/تعليقات (0)

كلمات دالة:
12345الأخير