09 مارس, 2016

قاضي القضاة.. عامل يقتل زوجته بـ "17" طعنة لإدمانها " فيس بوك"

قاضي القضاة.. عامل يقتل زوجته بـ "17" طعنة لإدمانها " فيس بوك"


قاضي القضاة:
جريمة تعكس أمية التعامل مع التقنيات الحديثة وخطورة الجهل بالثقافة الزوجية

لقيت زوجة مصرعها، بمحافظة الشرقية، إثر إصابتها بـ17 طعنة بالسكين، واتهم والدها زوجها بطعنها، الذى اعترف بارتكابه الواقعة بسبب وجودها المستمر على فيس بوك.
تلقى اللواء حسن سيف مدير أمن الشرقية إخطارا من اللواء هشام خطاب مدير المباحث الجنائية يفيد بوصول "سميحة.س.ع" 25 سنة – ربة منزل، لمستشفى الصالحية العام جثة هامدة على إثر إصابتها بـ17 طعنة بالجسم.
وأفادت الشرطة، أن والدها اتهم زوجها " " 28 سنة" ـ عامل ـ بإحداث إصابتها طعنا بالسكين، والتى اودت بحياتها، وأضافت الشرطة أن الزوج اعترف بارتكابه الواقعة، لوقع مشاجرة بينهما بسبب تواجدها المستمر على فيس بوك.

قاضي القضاة:

يقول د. عبد الحليم منصور وكيل الشريعة والقانون بالدقهلية :


1 – تجسد هذه القضية الحالة الثقافية والاجتماعية في كثير من دول العالم العربي والإسلامي ، وذلك من خلال تسليط الضوء على الأمية بكل فروعها ، سواء أكانت أمية القراءة والكتابة ، أم الأمية الثقافية ، أم أمية التعامل مع شريك الحياة ، أم أمية التعامل مع التقنيات الحديثة ، واستغلالها استغلالا يحقق الغرض منها ، بدلا من إساءة استخدمها ، بما يجعل ضررها أكثر من نفعها ، وبما يهدم البيوت ويخربها ، ويخرب قيم الشباب ، والعلاقات الإنسانية بين بني البشر ، وهذه إشكالية كبرى يقع على عاتق الدولة بكل أجهزتها ، العمل على إزالة هذه الأمية ، وضبط ثقافة الناس في التعامل ، والأخذ بيد الناس نحو الارتقاء بالثقافات والتعليم ، بما يحقق نقلة نوعية للأمام على كافة الأصعدة في المجتمع .
2 – إن الله عز وجل طلب من البشر التعلم ، والسعي الدءوب لتحقيق معاني الخلافة عن الله سبحانه وتعالى ، واستغلال العلم بما يحقق التقدم المنشود في الحياة ، بحيث تصبح الحياة أكثر تقدما ، وأكثر نفعا للإنسان ، فبدلا من أن يتحدث الناس في الهواتف المحمولة والأرضية طوال اليوم ، وإضاعة الأوقات فيما لا يفيد ، فالأولى استخدامها فيما يحقق الغرض الذي صنعت من أجله ، وكذا وسائل الاتصال الأخرى مثل شبكة التواصل الاجتماعي ، وغيرها من الوسائل الالكترونية ، ما خلقت إلا لسرعة العمل والإنجاز ، ولتحقيق تواصل فعال بين البشر ، من خلال نقل الخبرات والتجارب في أسرع وقت ، ومن خلال إرسال واستقبال المعلومات بشكل سريع ، وسري ، وآمن ، بدلا من الوسائل التقليدية القديمة ، فضلا عن إمكان الاستفادة في شتى مجالا العلوم الإنسانية ، ولكن للأسف كثير من الشباب في عالمنا العربي ، لم يعرف من هذه الوسائل الحديث إلا الوجه القبيح لها ، والوجه السيء المدمر ، وتلك طامة كبرى ، فالعالم يتقدم من حولنا ، ونحن قابعون في أماكنا نضيع الوقت فيما لا يجدي ولا يفيد .
3 – تجسد هذه القضية أمرا غاية في الأهمية والخطورة ، وهو ضياع الوقت الذي هو رأس مال الإنسان إن صح التعبير ، فيما لا يفيد ولا يجدي ، والوقت أعظم سلعة تقرب الإنسان من ربه ، ومن دينه ، وتجعله سعيدا في الدارين ، ولكن كثيرا من الشباب العربي يضيع وقته سحابة يومه بل وعمره فيما لا يفيد ولا يجدي نفعا ، وربما يضيع مع عمره ، الفرائض والتكاليف الشرعية التي أمره الله عز وجل بها ، فلا يؤدي صلاة ، ولا واجبا ، ويضيع العمر بين وسائل التواصل الاجتماعي بكل أشكالها ، دون أي فائدة ترجى من ورائها .
وفي الحديث الصحيح : " نعمتان مغبون فيهما الإنسان : الصحة والفراغ ".
قال العلامة الشنقيطي في أضواء البيان :" أي أنهما يمضيان لا يستغلهما في أوجه الكسب المكتملة ، فيفوتان عليه بدون عوض يذكر ثم يندم، ولات حين مندم." وقال ابن حجر في الفتح :" فان من لا يستعملهما فيما ينبغي فقد غبن لكونه باعهما ببخس "
وقال ابن الجوزي :" قد يكون الإنسان صحيحا ، ولا يكون متفرغا لشغله بالمعاش ، وقد يكون مستغنيا ، ولا يكون صحيحا ، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون ، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة ، وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة ، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط ، ومن استعملهما في معصية الله فهو المغبون ، لأن الفراغ يعقبه الشغل ، والصحة يعقبها السقم .
4 – إن العالم من حولنا يتقدم ، وفي كل لحظة من لحظات الحياة ينجز الناس فيها شيئا نافعا للبشرية والإنسانية ، سواء في مجال الصناعة ، أو التجارة ، أو غيرهما ، هذه الروح موجودة لدى العالم في الغرب وهذه الثقافة نحتاج نحن المسلمين أن نتعلمها وهي من صميم الدين ، وصميم الإسلام أن نطبقها في واقعنا بدلا من أن نضيع حياتنا ونخرج منها خاسرين كل شيء ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :" " لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيم أفناه ، وعن شبابه فيم أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، وعن علمه ماذا عمل به "
فما أحوجنا نحن المسلمين إلى أن نستغل أعمارنا في خدمة الإنسانية والبشرية ، وخدمة ديننا الحنيف ، اقتداء برسول الإنسانية الذي غير ملامح الكون في غضون ثلاثة وعشرين عاما ، ونقل الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد .
5 – إن العلاقة الزوجية تقوم في أساسها على الحب ، والود ، والاحترام المتبادل ، لتحقيق السكن والمودة والرحمة ، وحتى يتحقق ذلك لابد من توافر ثلاثة أسس ينبغي أن تتوافر في البيت المسلم ، أو أن تظهر في كيانه المعنوي ليؤدي رسالته ، ويحقق وظيفته ، هذه الثلاثة هي : السكينة ، والمودة ، والتراحم ، وأعني بالسكينة الاستقرار النفسي ، فتكون الزوجة قرة عين لرجلها ، لا يعدوها إلى أخرى ، كما يكون الزوج قرة عين لامرأته ، لا تفكر في غيره ، أما المودة فهي شعور متبادل بالحب يجعل العلاقة قائمة على الرضا والسعادة ، ويأتي دور الرحمة لنعلم أن هذه الصفة أساس الأخلاق العظيمة في الرجال والنساء على حد سواء ، وعندما تقوم البيوت على السكن المستقر ، والود المتصل ، والتراحم الحاني فإن الزواج يكون أشرف النعم وأبركها أثرا . وبهذا يتبين أن أغراض التشريع الإسلامي من الزواج نبيلة سامية ، وأنه مظهر من مظاهر الرقي البشري ، ولعل هذا هو السر في قول الله تعالى :" وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ " وقال تعالى في معرض الامتنان على عباده :" وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ "
6 - إن العلاقة الزوجية نظام اجتماعي يرقى بالإنسان عن الدائرة الحيوانية إلى العلاقة الروحية ، ويرتفع به من مكان الوحدة والانفراد ، إلى أحضان السعادة وأنس الاجتماع ، ففيه ترويح للنفس ، وبعد لها عن السآمة والملل ، وبه تتكون الصفات الإنسانية الراقية ، كالإيثار ، وحب الغير ، ومعرفة ما للإنسان من حقوق ، وما عليه من واجبات ، وفيه راحة حقيقة لكل من الزوجين : أما الزوج فعندما يعود من مشاق عمله ، ومتاعب الحياة الدنيا ، يجد في بيت الزوجية أنسا ، وبهجة ، وراحة لضميره ، وإرضاء لعواطفه ، وتحقيقا لأغراضه ، وأما الزوجة ، فلأنها مطمئنة إلى من يكد نفسه للحصول على رزقها ، ومتاع أولادها ، فتأخذ نفسها جادة في إدارة شئون المنزل ، وما يتطلبه الأولاد من عناية ورعاية ، وفي ذلك موافقة لطبعها ، وغرائزها ، وراحة لضميرها ، وداع إلى الإشفاق على صيانة ماله ، وحفظ غيبته في بعده عن داره ، وبهذا يتبين أن أغراض التشريع الإسلامي من الزواج نبيلة سامية ، وأنه مظهر من مظاهر الرقي البشري .
7 - إن الحياة الزوجية إن لم تكن سكنا ومودا ورحمة بين الزوجين ، فأفضل منها أبغض الحلال عند الله ، وهو الطلاق ، حتى يعيش كل منهما الحياة التي ينشدها ، في أمن وأمان ، وسلم وسلام . بدلا من أن تنتهي بهم الحياة المرة نهاية غير مأسوف عليها بالمرة .
وبناء على ما سبق إن لم تكن الزوجة مناسبة للرجل ، أو بالعكس بحيث لم يكن الزوج مناسبا للمرأة ، ولم تجد معهما محاولا الصلح التي يقوم بها الحكمان كما قال الله عز وجل :" وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا " (النساء :35) فأولى منها الانفصال والبحث عن شريكة أخرى لاستكمال مسيرة الحياة الإنسانية ، بدلا من هذا التهور القاتل المدمر .
8 – إن الجهل بثقافة الحياة الزوجية يورث كل يوم مشاكل اجتماعية ، وجنائية ، وأسرية ، لا حصر لها ، لذا يجب على الدولة أن تنشيء مؤسسات تعنى بالقيام بهذا الدور ، وأن تنص في المناهج الدراسية والتعليمية على بعض أحكام فقه الأسرة وكيفية التعامل بين الزوجين ، وفقه المعاشرة بالمعروف ، وفقه الاحترام للآخر ، وعدم خيانته ، وفقه قداسة الرباط المقدس ، والميثاق الغليظ بين الزوجين ، فلا يزال كثير من الشباب والفتيات ، لا يدركون كثيرا من ثقافة الزواج الناجح ، وكيفية التعامل مع شريك الحياة ، وهذا أمر من الأهمية والخطورة بمكان ، حتى نستطيع أن نبني أسرا مستقرة ، وبيوتا ناجحة ، لأن في هذا استقرارا للمجتمع بأسرة ، وانهيار الأسر على النحو سالف الذكر يهدد بانهيار المجتمع ، وانهيار الأخلاق ، وانهيار كل معاني الخير والجمال في الكون .
9 - فضلا عما تقدم تجسد هذه الجريمة الاستهانة بجريمة القتل ، والاستخفاف بالنفس الإنسانية التي جعل الإسلام الاعتداء عليها بمثابة الاعتداء على البشرية جمعاء قال تعالى:" مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا " وقَالَ": صلى الله عتليه وسلم لَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا "
وقال أيضا " كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ ، إلَّا الرَّجُلَ يَمُوتُ كَافِرًا ، أَوْ الرَّجُلَ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا " وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ e قَالَ " لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ " وقَالُ e: لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ ، وَأَهْلَ الْأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ ، لَأَكَبَّهُمُ اللَّهُ فِي النَّار " وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e " مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ ، لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى "
10 – تجسد هذه المشكلة أيضا عدم القدرة على المشكلات الاجتماعية لاسيما الأسرية منها ، فبدلا من أن يوجه الزوج زوجته إلى ضرورة الاهتمام ببيته ، وأولاده ، وأن ينبه أباها ، وأمها ، إلى ضرورة تنبيه هذه الزوجه ، كان من الممكن أن يقوم الزوج بسحب التليفون من زوجته ، أو إلغاء خدمة الانترنت ، أو على أسوأ الأحوال والفروض إن لم تجد معها كل وسائل العلاج والنصح ، أن يطلقها ، وأن يبحث عن غيرها ، فالحياة لا تتوقف عند امرأة بعينها ، قال تعالى :" وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا " (النساء :130)
ولكن للأسف غياب الثقافة والفهم ، وتراكم الجهل ، وغياب دور وسائل الإعلام التنويري في المجتمع لمحو ظلام الجهل القاتل ، وضعف دور أهل العلم ، كل هذه الأمور مجتمعة تجعلنا بحاجة ماسة إلى العمل الجاد للارتقاء بالمجتمع وأبنائه في شتى مجالات الحياة حتى تكون مصرنا الجديدة ، بلدا ، متقدما ، آمنا ، مطمئنا ، في شتى مجالات الحياة

قراءة (2920)/تعليقات (0)

كلمات دالة: