19 يونيو, 2023

إسبانيا في مرمى نيران "داعش" و"القاعدة" من جديد.. تهديدات وتحديات

إسبانيا في مرمى نيران "داعش" و"القاعدة" من جديد.. تهديدات وتحديات

 

تُعد التهديدات الإرهابية من أخطر التحديات التي تواجه العالم في الوقت الحالي؛ وذلك لأنها تستخدم أساليب غير تقليدية، وتستهدف المدنيين، والمؤسسات، والحكومات بشكل عشوائي، مما يؤدي إلى وقوع خسائر بشرية، ومادية كبيرة، وتهدد أمن، واستقرار الدول، والمجتمعات. وتتعدد أشكال التهديدات الإرهابية، وتتفاوت في طبيعتها، وأساليبها، فمنها ما يتمثل في الهجمات الانتحارية، والتفجيرات، ومنها ما يتمثل في الحملات الإعلامية، والدعائية، والتحريضية، ومنها ما له علاقة بالاختراقات الإلكترونية، والهجمات السيبرانية.

وقد تصاعدت هذه العمليات الإرهابية في مناطق عديدة من العالم خلال العقديْن الماضييْن. وقد شهدت إسبانيا تحديدًا خلال السنوات الأخيرة بعضًا من هذه الهجمات التي تبنتها تنظيمات متطرفة، مثل تنظيم داعش الإرهابي، والتي أسفرت عن سقوط العديد من الأبرياء، وأشهر هذه العمليات هو ذلك الهجوم الذي وقع في برشلونة عام 2017م، والذي راح ضحيته (١٦) قتيلًا، وإصابة العشرات.

أما فيما يخص التهديدات، فقد تعرضت إسبانيا أيضًا لسلسلة من التهديدات المستمرة عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي الخاصة بالتنظيمات الإرهابية، والتي تهدف إلى نشر الإرهاب والتطرف، وتحرض على العنف، وتعمل على تجنيد المزيد من المناصرين للفكر المتطرف، وعلى رأسها تنظيمي "داعش"، و"القاعدة". وتتضمن هذه التهديدات التي نُشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي فيديوهات تحريضية تستهدف الأفراد، والمجتمعات، والحكومات، وتحث "الذئاب المنفردة" على تنفيذ هجمات إرهابية بأساليب متنوعة في المناطق التي يقطنون بها. وقد أدى هذا النوع من التهديدات إلى زيادة مستوى الخوف، والقلق بين الناس، وزيادة الحاجة إلى تعزيز الجهود لمواجهة هذا التحدي الخطير.

وفي هذا الصدد، أشارت صحيفة ‏"لا راثون" الإسبانية، في 17 مايو 2023م، إلى أن تنظيم داعش الإرهابي ‏يعمد إلى نشر فكره، وإلى ‏جذب الشباب من خلال نشر مواد دعائية بلغاتهم، ولهجاتهم المحلية؛ ‏ولذلك يستخدم التنظيم الإرهابي اللغات المحلية في حملاته ‏الدعائية، والترويجية عبر مواقع ‏التواصل الاجتماعي، بهدف استقطاب المتعاطفين، والمتجاوبين من متابعيه على هذه الوسائل ‏‏باللغات المحلية لهم. ويعود استخدام التنظيم الإرهابي للغة الإسبانية إلى ارتفاع عدد المتحدثين بها، ‏إذ يبلغ عددهم ما يقرب من ‏‏(500 مليون) شخص، وهذا يعكس حجم الجهود التي يبذلها التنظيم ‏الإرهابي لتوسيع نفوذه، وتحقيق أهدافه المرتبطة بالترويج ‏لأفكاره الإرهابية.‏

وفي السياق ذاته نشر تنظيم داعش الإرهابي تهديدًا بشكل مباشر باستهداف عدة مدن إسبانية، وهي "إشبيلية"، ‏‏و"قرطبة"، و"مايوركا"، من خلال مقطع فيديو باللغة العربية تمَّت ترجمته إلى اللغة الإسبانية، واستمرت ‏مدته (١٧) دقيقة، وحمل عنوان ‏‏"أبناء المعارك الوحشية"، وذلك في ‏مطلع إبريل 2023م. ‏وفي هذا المقطع، أشار تنظيم داعش ‏الإرهابي إلى أن اشتباكاته في منطقة الساحل مع تنظيم القاعدة المنافس له، لم تحول ‏أنظار عناصره ‏المتطرفة عن "إشبيلية"، و"قرطبة"، و"مايوركا"، وهو تهديد مباشر لتلك المدن. ومؤخرًا، نشر التنظيم ‏الإرهابي أيضًا، من ‏خلال وكالته، رسائلَ تحريضية أخرى لأتباعه باللغة الإسبانية مثل الذي تمَّ نشره تحت عنوان: "الأندلس: إسبانيا ومكانتها الخاصة"، وذلك لحث الذئاب المنفردة على تنفيذ هجمات إرهابية في إسبانيا، ‏وذلك وفقًا لما صرحت به جريدة "لا راثون" الإسبانية.

واستمرارًا للتهديدات التي تتلقاها إسبانيا في الآونة الأخيرة من التنظيمات الإرهابية المختلفة، وبعد تهديدات تنظيم "داعش" الإرهابي، نشر تنظيم القاعدة الإرهابي في العدد التاسع من مجلته مقالًا بعنوان: "أعلنوا الجهاد ضد العدو"، والذي وضع التنظيم فيه مدينتي "سبتة" و"مليلية" ذات الحكم الذاتي كأهداف جديدة للتنظيم، مؤكدًا أنه يجب استردادهما من الاحتلال الإسباني، على حد زعم التنظيم، وذلك وفقًا لما ذكرته صحيفة "لا راثون" الإسبانية في 15 إبريل 2023م. كما اتَّهم التنظيمُ السياسيين العرب بالتغافل عن أهمية مدينتي "سبتة"، و"مليلية" اللتيْن يعتبرها جزءًا من الأراضي الإسلامية، وذلك بحجة أن هؤلاء السياسيين يشغلون شعوبهم بالقضايا الداخلية، ويحاولون التلاعب بمشاعرهم، بهدف إشغالهم، وتحويل انتباههم عن الحقيقة الدائمة التي يجب أن يتحملوها، وهي تحرير مدينتي "سبتة"، و"مليلية" من الاحتلال الإسباني.

ويعكس توجيه التهديدات الإرهابية نحو مدينتي "سبتة"، و"مليلية" استمرار التهديد الإرهابي في إسبانيا، وتصاعد خطر الإرهاب في المنطقة. كما أن مدينتي "سبتة"، و"مليلية" يمثلان هدفًا مهمًا للجماعات الإرهابية؛ بسبب موقعهما الاستراتيجي على الحدود الجنوبية لإسبانيا مع المغرب، وهما أيضًا مناطق حساسة سياسيًّا واجتماعيًّا. بالإضافة إلى ذلك، فإن وجود عدد كبير من المهاجرين غير الشرعيين في هاتيْن المدينتيْن يزيد من عدم الاستقرار في المنطقة، ويمثل عاملًا مهمًّا في جعل هاتيْن المدينتيْن موضع اهتمام تلك التنظيمات الإرهابية التي تسعى لتوسيع نفوذها في المنطقة. ولعل من بين الأسباب التي دفعت التنظيمات الإرهابية إلى توجيه التهديدات إلى هاتيْن المدينتيْن بشكل خاص، الرغبة في إثارة الفتنة، والاضطراب في المنطقة، وإضرار العلاقات الثنائية بين إسبانيا، ودول الجوار، بالإضافة إلى السعي لتوسيع نفوذها، ونشر حالة من الرعب، والذعر بين المواطنين.  

وهناك تخوفات من أن تؤدي هذه التهديدات مبتغاها في تحريك الخلايا النائمة، والمتعاطفين مع الفكر المتطرف داخل إسبانيا، ودفعهم إلى تنفيذ هجمات بها، فوفقًا  لتصريحات خبراء مختصين في مكافحة الإرهاب، والتي نشرتها صحيفة لاراثون الإسبانية([1])، يوجد في إسبانيا ‏حوالي (٤٠٠٠) متعاطف مع ‏تنظيم داعش الإرهابي، بعضهم على تواصل مباشر مع عناصر التنظيم  عبر وسائل التواصل ‏الاجتماعي. وهذه المعلومات تؤكد خطورة تلك التهديدات على أمن إسبانيا القومي، والمنطقة ككل، كما تعكس حجم التحدي ‏الأمني الذي تواجهه السلطات الإسبانية في مواجهة إستراتيجيات تلك التنظيمات الإرهابية، وتهديداتها المتجددة.

ومن هذا المنطلق، بات من الضروري أن تتخذ السلطات الإسبانية إجراءات للحد من خطر التنظيمات ‏الإرهابية من خلال تكثيف برامج الاندماج المجتمعي، وتحسين القدرات الأمنية الداخلية، وتعزيز التدريب، وتحديث التجهيزات ‏الأمنية، والمراقبة الإلكترونية، وتوفير الموارد اللازمة لقوات الأمن.‏ بالإضافة إلى تبني إستراتيجيات متعددة لمكافحة التهديدات الإرهابية عبر منصات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك مراقبة المحتوى الذي ينشر عبر هذه المنصات، وحجب المواد الإرهابية، والتحريضية، بالإضافة إلى مراقبة الأفراد الذين يظهرون مؤشرات على التطرف والإرهاب. مع التأكيد على ضرورة تعزيز التحالفات الدولية، والتعاون مع المنظمات والجهات الحكومية وغير الحكومية، والأجهزة الأمنية في مجال مكافحة الإرهاب، وذلك من خلال تبادل المعلومات، وتدريب الكوادر الأمنية على التعامل مع التهديدات الإرهابية بكل أشكالها.

ويقع على عاتق المجتمع المدني أيضًا دورٌ مهم في مكافحة التطرف والإرهاب، والذي يتمثل في تعزيز الوعي المجتمعي، وبيان أهمية العمل المشترك لمواجهة هذا التحدي، وتعزيز القيم الديمقراطية، والتسامح، والانفتاح على الآخرين والتنوع الثقافي، وتعزيز الحوار، والتفاهم بين المجتمعات المختلفة. كما يجب على الأفراد أن يكونوا حذرين من كافة الدعوات الهدامة، والمضللة، وأن يتبعوا الإرشادات الأمنية، ويبتعدوا عن المحتوى الإرهابي، والتحريضي عبر منصات التواصل الاجتماعي، وأن يبلغوا ‏عن أي نشاطٍ مشبوه، يمكن أن يشكل ‏تهديدًا ‏للأمن، والاستقرار المجتمعي.  

 

وحدة رصد اللغة الإسبانية

قراءة (1072)/تعليقات (0)