30 مارس, 2022

الاحتفالات الوطنية والاجتماعية ودورها في ترسيخ الانتماء الوطني والاندماج المجتمعي

الاحتفالات الوطنية والاجتماعية ودورها في ترسيخ الانتماء الوطني والاندماج المجتمعي

     تحتل الأعياد والمناسبات السنوية مكانة خاصة في حياة الشعوب، فلا تكاد تخلو أمة من الأمم أو مجتمع من المجتمعات البشرية في كل العصور من مناسبة يُقتطع ويُحدد لها يوم من كل عام، حيث يتم الاحتفال فيه تخليدًا لحدث عظيم، أو تجديدًا لذكرى تاريخية، أو مناسبة وطنية، أو إنسانية.
ومن سماحة الإسلام أنه لم يتنكر لكل أمر اعتاد الناس ممارسته؛ لكنه نظر لتلك العادات والسلوكيات، فأقر بعضها مما لا يخالف أصول الدين أو يرتكز على عقائد باطلة، وأبطل ما لا يتفق معه أو يخالف تعاليمه ومقاصده.
وفي هذا المقال نستعرض أهمية الاحتفالات الوطنية والاجتماعية، وما يمكن أن تقوم به من ترسيخ للوطنية وتفاعل إيجابي بين الناس، مع بيان نظرة الإسلام إليها وموقف العلماء من الاحتفال بها.

أهمية الاحتفالات الوطنية والاجتماعية

يرمي الاحتفال بالمناسبات الوطنية والاجتماعية إلى تحقيق أهداف نبيلة وسامية، منها:
• تعميق الانتماء والولاء للوطن حيث يعد الاحتفال بالمناسبات الوطنية والاجتماعية فرصةً جيدة لتعزيز الهوية الوطنية وترسيخ جذور الانتماء في نفوس الشباب، وتذكير الأجيال اللاحقة بما قدمه أسلافهم من تضحيات في سبيل نصرة وطنهم، وأخذ العبرة والعظة، واستلهام روح الإرادة والعزيمة باستذكار ما سجلوه من أروع البطولات الوطنية والمواقف الشجاعة التي لا شك تدعم عملية التنشئة الوطنية وتزرع في العقول حب البلد، وكما يقول فضيلة الإمام الأكبر، الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، شيخ الأزهر (1982: 1996م): "إن في التاريخ الإسلامي ذكريات يجب ألا تنسى أبدًا، ففيها تمجيد وتكريم لها، وفي الاحتفال بها استمداد للقوة". (بيان للناس، مطبعة الأزهر، 1989م، ج2، ص377).
وهذا الانتماء لا شك يلعب دورًا كبيرًا في دحض الفكر المتطرف الذي تروج له التنظيمات المتطرفة التي ترفض فكرة الدولة وترى أن الانتماء لا يكون إلا للمنهج والفكر، فتحرض على تخريبها وتترقب انهيارها، فلم يتعلموا من النبي (صلى الله عليه وسلم) حبه لبلده، ولا دفاعه وأصحابه عن وطنهم في أكثر من مواجهة مع المشركين، وأغفلوا كل تلك الآيات والأحاديث التي أكدت فضل الوطن ووجوب حمايته وصونه والذود عن حياضه، فكان النبي يدعو ربه بأن يحبب إليه المدينة كحبه مكة (صحيح البخاري). وكان يتحسس أخبارها ويسأل عنها، حتى أنه ذات يوم قدم أصيل الغفاري (رضي الله عنه) فَقَالَ لَهُ: «يَا أَصِيلُ، كَيْفَ عَهِدْتَ مَكَّةَ؟» قَالَ: وَاللَّهِ عَهِدْتُهَا قَدْ أَخْصَبَ جَنَابُهَا، وَابْيَضَّتْ بَطْحَاؤُهَا، وَأَغْدَقَ إِذْخِرُهَا، وَأُسْلِتَ ثُمَامُهَا، وَأَمَشَّ سَلَمُهَا فَقَالَ: «حَسْبُكَ يَا أَصِيلُ لَا تُحْزِنَّا». (الأرزقي، أخبار مكة، دار الأندلس للنشر - بيروت، ج2، ص 155). ففكرة الانتماء للبلد ليست بدعة، فلقد ذم الله تعالى فعل اليهود حين تسببوا في تخريب وطنهم، فقال تعالى: (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ) (الحشر، آية2) (أ.د/عباس شومان، رؤية شرعية لقضايا عصرية، ص 287)
• تقوية التلاحم المجتمعي وتعزيز التفاعل الإيجابي بين أفراد الشعب
مهما تنوعت الآراء والأفكار واختلفت الأديان والمذاهب، تبقى الوحدة الوطنية هي السبيل لتحقيق مصالح الشعب والوطن وسلامة جبهته الداخلية، ولا شك أن الاحتفال بتلك المناسبات الوطنية والاجتماعية يعيد إلى الأذهان ما كان من أحداث وتجارب طيبة جمعت بين فئات الشعب، لم يفرقهم اختلاف الدين أو الرأي، بل جمعهم حب الوطن ووجوب الدفاع عنه أمام المحتل الغاصب. فاتحد المسلمون والمسيحيون يوم حرب أكتوبر ١٩٧٣م، وكانوا على قلب رجل واحد. وقد ضرب المصريون أروع الأمثلة في الاتحاد والتماسك والاندماج الإيجابي على مر التاريخ فكانوا يتبادلون المحبة والود، والتهاني بالأعياد والمناسبات، فتوافد المسلمون على الأديرة والكنائس في مظهر بديع من مظاهر الأخوة، كما كان المسيحيون يتقدمون بالتهنئة للمسلمين. ونستعيد كلمة "الشيخ الزنكلوني" في عام 1919م عندما حضر وفد الكنيسة إلى الأزهر مهنئين علمائه بقدوم شهر رمضان المبارك: (إن أفضل ليلة من ليالي شهر رمضان هي ليلة القدر، ونحن نرى ليلتنا الحاضرة هي الليلة الفضلى الثانية لتشريف أخوتنا الأقباط هذا النادي) (د. رامي عطا صديق، وحدتنا العظيمة بين ثورتين، ط1، 2018م، ص 131).
وبذلك فإن الاحتفالات الوطنية والاجتماعية تهدف إلى تحقيق مقاصد نبيلة وغايات سامية، وترسخ المواطنة الصالحة، وتقوي الوحدة الوطنية، بما يفسد كيد التنظيمات المتطرفة التي لن تتمكن من تنفيذ مخططاتها دون تفرقة بين الشعوب.
• موقف الإسلام من الاحتفالات الوطنية والاجتماعية
تنقسم الأعياد إلى قسمين: دينية، ومنها ما هو منصوص عليها مثل عيدي الفطر والأضحى، وغير منصوص عليها كالإسراء والمعراج والمولد النبوي الشريف، ودنيوية وطنية كانت أو إنسانية أو اجتماعية.
وقد ظهرت بعض الآراء التي تمنع الاحتفال بجميع الأعياد والمناسبات غير المنصوص عليها، وتستند في رأيها بهذا الحديث، الذي روي عن أنَسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ الله عنه، حيث قال: قَدِمَ رَسولُ اللهِ (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) المدينةَ، ولهم يومانِ يلعبون فيهما. فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنَّا نلعَبُ فيهما في الجاهليَّةِ، فقال رَسولُ اللهِ (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (إنَّ اللهَ قد أبدلكم بهما خيرًا منهما: يومَ الأضحى، ويومَ الفِطْرِ).
إلا أن علماء الأزهر ردوا على هذا الرأي، بأن الحديث لم يحصر الأعياد في العيدين المذكورين، بل ذكر فضلهما فقط على الأعياد التي نقلها أهل المدينة عن الفرس، فالاحتفال بغيرهما من الأعياد ليس من المحرمات أو البدع مادام طيِّبًا ومظاهر الاحتفال به في حدود المشروع ولم تشهد مخالفات شرعية ولم ينتج عنه نتيجة سيئة، فالإسلام لا يمنع إلا ما كانت النية فيه غير طيبة. (كتاب بيان للناس، ج2، ص 274، مرجع سابق).
وقد صح عن سيدنا علي بن أبي طالب أنه قُدِّم إليه بعض الحلو في يوم النيروز -أحد الأعياد الاجتماعية الفارسية كيوم شم النسيم في مصر- فلما سأل عن سبب الهدية، قيل له: إنه يوم النيروز، فقال: نَوْرِزُوْنَا كُلَّ يَوْمٍ. (أي أصنعوا لنا كل يوم نوروز) (السمعاني، الأنساب، ط1، 1962م، ج6، ص 64)
كما كان الحال في عهد حكم عمرو بن العاص لمصر، فكان يقول للناس إذا قفلوا من غزوهم: إنه قد حضر الربيع، فمن أحبَّ منكم أن يخرج بفرسه يربعه فليفعل؛ فإذا حمض اللبن وكثر الذباب، ولوى العود، فارجعوا إلى قيروانكم (ص165، فتوح مصر والمغرب، مكتبة الثقافة الدينية عام النشر: 1415هـ)، وبذلك لم ينكر الصحابة على الجموع إظهار البهجة والفرح بهذه الأيام.
كما أن الأعياد الوطنية والكثير من الأعياد الاجتماعية ليست من العبادات التي لا يتغير حكمها أبد الدهر، بل من العادات المستحدثة والتي تعارفت عليها الدول والمجتمعات الإنسانية المعاصرة. والدين الإسلامي لا يعرف الجمود والانعزال عن تطورات الحياة، وكما قال فضيلة الإمام الأكبر، أ.د/ أحمد الطيب خلال كلمته بـ أعمال مؤتمر الأزهر العالمي لتجديد الفكر الإسلامي (يناير 2020م): "إن التاريخ يثبت أن الإسلام دين متجدد وقادر على تحقيق مصالح الناس والتعامل مع مختلف معتقداتهم وسلوكهم".
وقد ظهرت العديد من المستحدثات التي لم يرفضها الصحابة كتنقيط القرآن، وجمعه في مصحف واحد وهو ما لم يفعله الرسول (صلى الله عليه وسلم) وكتجمع الناس لصلاة التراويح الذي قال فيه سيدنا عمر بن الخطاب: (نعمت البدعة هذه). بل إن النبي (صلى الله عليه وسلم) نفسه حينما دخل المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، وسأل عن السبب فقالوا: هذا يوم أنجى الله فيه موسى وأهلك فرعون، قال: "نحن أولى بموسى منهم"، وصام هذا اليوم وصارت سنة اتبعتها الأمة من بعده وذلك نوع من تخليد الذكرى.
وقد ذكر العقاد في كتابه: (التفكير فريضة إسلامية): بأن الدين الإسلامي دخلت فيه أمم شتى كانت لهم عاداتهم وآدابهم لكن تعود المسلمون من اللحظة الأولى أن يوسعوا أكناف الإسلام لكل ما في هذا العالم الشاسع من عرف وعادة وشعائر ومراسم وأعفتهم هذه النظرة السمحة عن جمود التقليد التي تنعزل بأصحابها عن العالم الإنساني، فلم يتحرجوا إلا بالمساس بالعقائد والعبادات فاحتفلوا بالنيروز ولبسوا الطيلسان وأكلوا في الأديرة وسكنوا البيوت من بناء القبط والروم، فحققوا بذلك أن الإسلام دين العالمين. (العقاد، التفكير فريضة إسلامية، صيدا- بيروت-ص140)
وفي النهاية يرى مرصد الأزهر أن الاحتفال بالمناسبات والأعياد الوطنية والاجتماعية هي من باب التذكير بأيام الله تعالى، وليس فيها إحداث في الدين، فهي تحمل مقاصد نبيلة وغايات شريفة تجعلنا نقف أمامها مستلهمين العظات والعبر، وتملأ القلوب بالفرح والسرور باستعادة ذكريات النصر أو الاحتفال بأيام تجمع الشعوب وتوحد صفوفهم وتلم شملهم.

وحدة الرصد باللغة الفارسية

قراءة (11621)/تعليقات (0)