14 يوليه, 2016

الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم

الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم

أ. د. عبد الغفار حامد هلال

كلية اللغة العربية - جامعة الأزهر

قال تعالى:

(قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ)

(آل عمران: 15 ــ 17)

هذه الآيات تتناول أمرين: الأمر الأول: ما أعده الله لعباده المتقين ما هو أفضل من شهوات الدنيا، وعبر عنه بقوله عز وجل:

((قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)

  لا يوازن ما أعد الله تعالى من متع حقيقية للعاملين المخلصين في الآخرة بما يجري الناس وراءه من شهوات حسية في الدنيا مبالغين فيها، وخارجين على الحد المطلوب شرعا، قال الحق سبحانه عما أعده للمتقين مخاطبا نبيه ﷺ وكل من يتأتى منه الخطاب:

(الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

فأمر رسول الله ﷺ أن يبين للناس أن الأصلح أن يأخذوا بحظ مناسب من الدنيا وأن يتوجه عملهم إلى السمو الروحي بالارتباط بالخالق جل وعز، فالذي يفعل ذلك ينال ما هو خير من التكالب على الدنيا.

   والنبأ: هو الخبر المهم، وجاء بيان هذا الخبر على سبيل الاستفهام للتشويق، ثم ساق الجواب ليقع في النفس موقع القبول ويستقر فيها.

  قرئ (أؤنبئكم) بتحقيق الهمزتين من غير إدخال ألف بينهما، وقرئ بتحقيقهما مع إدخال ألف بينهما.

   وقرئ بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية بين بين من غير إدخال ألف بينهما وكلها قراءات سبعية.

  والإشارة في (ذلكم) إلى شهوات الدنيا التي يتطاحن عليها الناس، ومعنى ذلك أن ما عند الله أفضل.

  والذين اتقوا هم الذين خافوا مقام ربهم وعبدوه وكان همهم الطاعة والعبادة.

  وجاء قوله تعالى:

(وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

مستأنفاً في جواب سؤال هو: ما هذا الخير؟

والجملة مكونة من مبتدأ مؤخر وخبر مقدم وظرف يدل على عظمة ما أعد لهم من الثواب وفخامة الجنات المعدة لهم، لأنه إذا كان الثواب عند ربهم فهو ثواب عظيم، وما أعظم أن يضمن الله تعالى ذلك، فالأمر يدعو إلى الاطمئنان والسعادة فلا عطاء أعظم مما يعطيه الله تعالى، وهذا يؤدي إلى مزيد من العمل من أجل الحصول عليه.

  ووصفت الجنات بأنها مليئة بالثمار والنضارة وهي مُزَيَّنَة بالأنهار التي تمر بين الأشجار وربما تحت القصور في منظر خلاب، وهذا النعيم دائم لا ينقطع.

والجنة باقية دون فناء، فالخلود الدوام، وقد يكون بمعنى المكث الطويل، لكن السياق هنا للدوام، وأهل الجنة باقون فيها بلا موت يتمتعون بما وعدهم مولاهم من أشهى الأطعمة والأشربة التي ذُكر بعضها في القرآن الكريم والسنة، وكثير منها على ما هو أعظم وأشهى مما «لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر».

وقد أُعد لهؤلاء المتقين فإذا كان نساء الدنيا –متعة فإن نساء الآخرة أكثر متعة، فهن مطهرات مما كان يحدث لنساء الدنيا من الحيض ونحوه، وهن مطهرات الصفات والأخلاق والأرواح، وهن الحور العين، ونساء الدنيا الصالحات بعد إنشائهن إنشاء وصيرورتهن، قيل: إنهن يفقن الحور العين أو إنهن المعنيات بالحور العين.

  وأعلى من ذلك وأعظم ثوابا وإكراما أن يروا ربهم عز وجل، ويحل عليهم رضاه، وقد ورد في الحديث أن الله تعالى ينظر إليهم – بعد دخولهم الجنة وتقلبهم في نعيمها – فيقول لهم: هل رضيتم ؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم يُعط أحد من خلقك، فيقول جل شأنه لهم: «ألا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك ؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا».

 وفي رواية مسلم: يقول الله تعالى: «تريدون شيئا أزيدكم فيقولون: يا ربنا وأي شيء أفضل من هذا ؟ فيقول: رِضاي فلا أسخط عليكم بعده أبدا».

 وهذه ثلاثة أنواع من النعيم: الأول: دخول الجنات وهي محل إقامتهم، والثاني: الأزواج وبهن الأنس، والثالث: رضوان الله وهو أعلى الأنواع وأسماها، فبه تطيب النفس ويسعد الفؤاد المشوق إلى رؤية الله تعالى والتمتع الهانئ برضاه جل وعز.

أي بصير بأعمالهم الحسن منها والقبيح فيجازي كلا بحسب عمله، وعلى هذا المعنى يكون العباد بمعناه العام الذي يشمل الناس جميعا.

ويمكن أن يكون المراد به خاصا وهم المتقون فهو خبير بما فعلوه من الطاعات والقربات ويثيبهم عليها هذا الثواب الجزيل.

  الأمر الثانى: الصفات المؤهلة للمتقين لاستحقاق هذا الثواب الجزيل

الصفة الأولى: الدعاء بإعلان الإيمان وسؤال المغفرة للذنوب والوقاية من النار، فهم ينادون مولاهم قائلين: ربنا، ومعلنين أنهم آمنوا بالوحدانية وصحة الرسالة إلى الأنبياء وخاتمهم سيدنا محمد ﷺ ودعاء الله تعالى ليغفر لهم ذنوبهم ويبعدهم عن دخول النار، وترشد الآية الكريمة إلى أن قاعدة الإيمان الصحيح هي الأساس في غفران الذنوب كبائر أو صغائر، وفي استحقاق الوقاية من النار ودخول الجنة، وليس العمل شرطا في هذا الدخول، وهذا ما يرشد إليه الحديث الذي أخرجه أحمد في مسنده من أن رسول الله – ﷺ – قال لجماعة من أصحابه: بشروا أن من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فخرجوا يبشرون، فلقيهم عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه – فقال لهم: بم تبشرون؟ فأخبروه فذهب بهم إلى رسول الله ﷺ – فقال له: هل أمرتهم بذلك ؟ قال – ﷺ -: نعم، فقال عمر: إذن يتكلوا، فسكت رسول الله – ﷺ- وهذا السكوت إقرار.

  ويعرب إلخ بدلا من في محل جر أو يعرب في محل رفع خبرا لمبتدأ مقدر، على تقدير أنه جواب سؤال من هم المتقون ؟ فيقال: هم الذين يقولون إلخ، أو في محل نصب على المدح.

  الصفة الثانية: الصبر في قوله تعالى: وقد ذكرت مطلقة فتشمل الصبر على الطاعة والصبر عن المعاصي والصبر على الأذى والمشقات.

 الصفة الثالثة: الصدق في قوله تعالى: والصدق يكون في القول وفي العمل.

 الصفة الرابعة: (القنوت) في قوله  تعالى وهو في أدق تفسير أنه المداومة على الطاعات.

الصفة الخامسة: الإنفاق في قوله وهذا يكون بإخراج حق الله تعالى في المال لأداء الزكاة وبإنفاقه في الصدقات التطوعية.

الصفة السادسة: الاستغفار بالأسحار، والأسحار جمع سحر – بفتح الحاء المهملة وسكونها – قيل هو آخر الليل، وقيل هو سدس الليل الآخر، وقيل هو من ثلث الليل الآخر إلى طلوع الفجر، وهو وقت الاستغفار فيندب الاستغفار في هذا الوقت.

في الحديث الصحيح أنه تعالى ينزل إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر.

وقيل إن النزول يكون قبل ذلك؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «ينزل الله تعالى إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول فيقول أنا الملك أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له» إلخ. وفي رواية مسلم بلفظ «حتى ينفجر الصبح».

وبعضهم يئول النزول على أنه نزول ملك مرسل من قبل الله عز وجل يعلن ذلك كما ورد في سنن النسائي عن أبي هريرة وأبي سعيد -رضي الله عنهما- قالا: قال رسول الله ﷺ: «إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له» إلخ.

روي عن سفيان الثوري قال: بلغني أنه إذا كان أول الليل نادى مناد: ليقم القانتون فيقومون كذلك يصلون إلى السحر فإذا كان عند السحر نادى مناد: أين المستغفرون؟ فيستغفر أولئك ويقوم آخرون فيصلون فيلحقون بهم فإذا طلع الفجر نادى مناد: ألا ليقم الغافلون فيقومون من فرشهم كالموتى نُشروا من قبورهم.

وذكر نافع أن عبد الله بن عمر كان يقوم الليل ثم يقول: يا نافع أسحرنا ؟ فيقول نافع لا، فيعاود ابن عمر الصلاة ثم يسأل، قال نافع: فإذا قلت: نعم قعد يستغفر.

وعلى ذلك أنهم الذين يصلون قبل السحر ثم يستغفرون وقت السحر، وفسر كذلك بمن يصلي وقت السحر فيستغفر.

ولعل تفسير السحر بالثلث الآخر تعاضده روايات الأحاديث.

وتخصيص الأسحار بالاستغفار لأنها موطن المناجاة والقبول، وقد أخرج الإمام أحمد وغيره عن سعيد الجريري قال: «بلغنا أن داود عليه السلام سأل جبريل – عليه السلام – فقال: يا جبريل أي الليل أفضل ؟ قال: يا داود ما أدري سوى أن العرش يهتز في السحر».

وقد فسرت هذه الصفات على أنها مجتمعة للمتقين وعطفت بالواو على أن كلا منها صفة مستقلة بذاتها لهم، وهذا هو الأرجح.

وقيل إن الواو تدل على أن المقصود تعدد الموصوفين، فبعضهم يتصف بالصبر، وبعضهم بالصدق وبعضهم بالإنفاق وبعضهم بالاستغفار في السحر، لكن الأول أكمل وأجمع.

قراءة (4718)/تعليقات (0)

كلمات دالة: