23 أكتوبر, 2017

فتاوى التشدد.. وفتاوى التسيب

فتاوى التشدد.. وفتاوى التسيب

تعانى مجتمعاتنا اليوم من التِّيهِ جراء ما يمكن أن نسميه بـ «الفقهِ العَبَثيِّ» – إن صحَّت هذه التسميةُ-  ذلكم الفِقْه الذى يطرُقُ أسماعَ الناس ليلًا ونهارًا، ويُطاردُهم حيثما كانوا، ليردَّهم لا إلى يُسرٍ في الشريعةِ ورحمة في القرآنِ والسُّنَّةِ؛ وإنَّما إلى أخلاطٍ من الآراءِ المُتشدِّدةِ التي قيلت في مناسباتٍ خاصَّةٍ، وتحت ضغط ظروفٍ طارئةٍ، ليس بينها وبين واقعِ الناسِ الآنَ صِلةٌ ولا نَسَبٌ ، أو تلك الفتاوى المتسيبة التي تحلل الحرام وتحرم الحلال دون تأصيل أو تنظير علمي .

 وقد وَجَدَ هذا الفقهُ العبثيُّ كتائبَ موازيةً من أشباه المُفتينَ؛ نَجَحوا – للأسفِ الشديدِ!- في أن يتغلَّبوا على كثيرٍ من دُورِ الإفتاءِ في عالَمِنا العربيِّ، وأكادُ أقولُ : على كلِّ مَجامِعِ الفقهِ والتشريعِ،...ولم يكن هذا النجاحُ أو هذه الغَلبةُ بسببٍ من عقلانيَّةِ هذا الفقهِ أو يُسرِه، أو قُدرتِه على جعلِ الحياةِ أيسرَ ممَّا هي عليه ، وإنَّما بلغَ هذا النجاحُ ما بلغَ بالقدرةِ على الانتشار والنزولِ إلى الناسِ ودُخولِ البيوتِ في القُرى والكُفُورِ، عِلاوةً على اعتلاءِ بعض المنابرِ ، والتحدُّثِ إلى الناسِ  بما يُريدون، في الوقتِ الذى ظلَّت فيه فتاوى دُورِ الإفتاءِ، وفتاوى المَجامِعِ ولجانِ البحوثِ الفقهيةِ، فتاوى فرديَّةً راكدة، مقصورةً على المُستفتي، أو حبيسةَ مُجلَّداتٍ عِلميَّةٍ لا يفيد منها ملايين الجماهير مِن المسلمين، أو رَهْنَ مؤتمراتٍ يُحدِّثُ فيها بعضُنا بعضًا، ونتواصَى في نهاياتِها بما شاءت لنا أحلامُنا من آمالٍ وأمانٍ لا تَجِدُ من المُختصِّين مَن يرعاها أو يتابعُها أو يسعى إلى تنزيلِها على واقعِ الناسِ.

 ففي مقابل الفتاوى المتشدِّدةِ التي تقوم على القتل والذبحِ وأكلِ أموال الناس بالباطل والإفساد في الأرض ، نجد من أولئك أيضا من يطالعوننا بشكل يوميٍّ أو شِبه يوميٍّ على شاشات الفضائيات ويغزون البيوت والعقول بفتاوى وتأويلاتٍ خاطئةٍ بعيدةٍ كل البعدِ عن الإسلام وتعاليمه السمحة التي ما جاءت إلا لإسعاد البشريَّة وتنظيم الحياة الإنسانيةِ بما يحفظ كرامة الإنسان ، مهما اختلفَ جنسُه أو لونُه أو عرقُه أو معتقدُه ، ويؤكد حقَّه في حياة آمنةٍ وكريمةٍ .

 إن الفتاوى المتشددةَ التي تجعل من المستحبِّ فرضًا إلى جوار الفتاوى المتسيِّبة التي تُبيح الحرامَ، انتشرت ليستْ بسبب ما تتضمنه مِن تراكمٍ علميٍّ أو تنظيرٍ أو تأصيلٍ، وإنما لأن وراءها من يحركها وينفق عليها من المتشددين والمتسيبين، كما أن وراءها قنواتٍ تدعمهم، وهي في الوقت ذاته مسألة ارتزاقٍ، فهناك مَن يسمحُ له ضميرُه بتخريب الشريعةِ الإسلاميةِ ما دام يسترزقُ من وراءِ ذلك.

 إنَّنا في الأزهرِ الشَّريفِ لسنا مسئولين عن ما يبثُه هؤلاء وأولئك من فتاوى وآراء مغلوطةٍ ومسمومةٍ، كما أنَّنا لسنا مسئولين أيضًا عن كلام أيٍّ شخصٍ يكون أزهريًّا أو يلبس زِيَّ الأزهر خارج دائرة مجمع البحوث الإسلامية وهيئة كبار العلماء؛ إذ لا يصح أنْ يكون الأزهر سلعةً تُعرض كي تجذبَ مشاهدين أو إعلانات، وإذا كان يحدثُ هذا فهو شيءٌ محزنٌ ومؤلمٌ، ويدلُّ على أنه لا يوجد هناك أي انضباطٍ لا على مستوى الكلمة ولا على مستوى المسئولية عن هُموم هذا الوطنِ .

 وإنَّني أدعو شبابَ الوعظ إلى الإكثار من القراءة المتأنِّيةِ والواعيةِ لكتبِ التُّراثِ والإلمامِ الواسعِ بمختلفِ الآراء الفقهيَّة التي تشغلُ حياةَ الناس وتَلمسُ همومَهم بالدَّرجة الأُولى خاصةً تلك القضايا المستجدةَ والمثَارةَ على السَّاحة .

 كما أدعو الشُّعوبَ العربيَّةَ والإسلاميَّةَ إلى أنْ تكون على قدرٍ من الوعى الذى يساعدها على لفْظِ مثلِ هذه العناصرِ ذات العقول الخَرِبة التي تسعى لتشويهِ صورةِ الإسلامِ وهو منهم بَراءٌ.

فضيلة الإمام الأكبر  ا.د. أحمد الطيب

شيخ الأزهر

قراءة (2811)/تعليقات (0)

كلمات دالة: