الغرب وازدواجية المعايير!

أزمة اللاعب "جاي" تكشف حريات زائفة ومعايير مزدوجة

  • | الأربعاء, 25 مايو, 2022
الغرب وازدواجية المعايير!

    

"حرية الرأي".. "حرية التعبير".. "حرية الاعتقاد".. "حرية الانتقاد".. "حقوق الإنسان".. وغيرها من المفردات والمصطلحات التي طالما تباهى الغرب بتطبيقها، ورددها على مسامعنا كثيرًا لدرجة التشدق، وطالب غيره بتطبيقها.. ليس هذا فحسب بل تجاوز الأمر - في بعض الأحيان - حد الضغط لتطبيق وتنفيذ منظومة القيم الغربية بدعوى كون العالم قد أصبح قرية صغيرة (العولمة)، وبالتالي فإن منظومة القيم المستمدة من التجربة الغربية تعد المنظومة الوحيدة المتفردة والتي تضمن للإنسانية بقاءها!
مصطلحات ومفردات رنانة أبهرت المعجبين بالتجربة الغربية باعتبارها طوق النجاة، وصدقها كثير من الباحثين عن النبل والحريات، وفي بعض الأحيان أعمى بريقها الغربي أصحاب الخبرات القليلة والذين لم يُجِيدوا قراءة ما بين سطورها، حيث إنها وبدون شك عبارات نبيلة - في مجملها - لكنها تحمل بين طياتها سمومًا تضرب بعرض الحائط كل القيم والمبادئ الدينية والإنسانية عكس ما يروجه البعض؛ لتحقيق أهداف أجندات إستراتيجية وسياسية واقتصادية وديموغرافية بعينها. شعارات يحاول بها البعض تمرير مخططات سامة للإضرار بالفطرة الإنسانية وضربها في مقتل.
ويمكن القول بأن "التناقض والازدواجية" هما العنوان الأمثل للواقع الخاص بتطبيق مبدأ الحريات خاصة في الجزء الغربي من العالم أو لدى بعض القائمين على سياساته.. فبينما يدعي بعضهم أنه ملزم بتطبيق مبدأ الحريات لدعم حقوق الإنسان والارتقاء بها دون تفريق أو تمييز، ما يلبث أن ينقض كلامه ويرتد عنه ويسقط في بئر التمييز والتفرقة والديكتاتورية عن طريق دعمه لهذه الحريات إذا كانت في صالح فئة بعينها أو شعب بعينه أو قضية بعينها دون غيرها. 
ولعل ما حدث مؤخرًا مع اللاعب السنغالي "إدريسا جاي"، لاعب فريق "باريس سان جيرمان" الفرنسي لكرة القدم، خير مثال على ما يمكن وصفه بـ"ازدواجية المعايير" لدي البعض. حيث تعرض اللاعب لهجمة شرسة للغاية، واستُدعي من قبل لجنة الأخلاق بالاتحاد الفرنسي لكرة القدم؛ لامتناعه عن المشاركة في إحدى المباريات بسبب رفضه ارتداء القميص الذي يحمل شارة لدعم الشواذ جنسيًّا. لقد عبر اللاعب عن معارضته لمثل هذا الدعم بمنتهى السلمية ومارس حقه في التعبير عن رأيه - المترجم لمعتقده الديني والثقافي- وفقًا لما ينص عليه الدستور والقانون. ورغم هذه السلمية وهذا الحق لم يسلم "جاي"، وتعرض لحملات إعلامية شرسة، ولضغوطات مباشرة وذلك حسب التقارير الإخبارية التي أفادت طلب الاتحاد له بإرسال صورته وهو يرتدي القميص المعني حتى ينفض عنه غبار الاتهام بالتمييز والعنصرية ورفض الآخر!
كما انتقدت "فاليري بيكريس"، السياسية الفرنسية والمرشحة السابقة في الانتخابات الفرنسية التي أجريت الشهر الماضي إبريل ٢٠٢٢م، موقف اللاعب واعتبرت أن رفضه المشاركة في المباراة جريمة لا يمكن أن تمر دون عقاب! كذلك طالب العديد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي بمعاقبة "جاي" بطرده من الفريق، واعتبر بعضهم أنه لا يستحق التواجد ضمن الفريق الذي يلعب له بسبب عنصريته ضد الأقلية، حسب زعمهم.
إن ما حدث مع اللاعب السنغالي من انتقادات واتهامات وشجب وإدانة على مستويات عدة يعبر عن مدى التناقض الذي يعتري بعض المتشدقين بالحريات، ومبدأ ازدواجية المعايير التي يتبناها جُلُّهم خاصة لو تعلق الأمر بالإسلام أو الثقافة الشرقية أو القضايا التي تتبعهما، أو حتى كان له علاقة بالمصلحة العليا لهؤلاء المتشدقين بالحريات والذين يمكن القول بأن شعارهم الخفي مضمونه: "لا مجال للحديث عن الحريات طالما أنها تتعارض مع المصلحة".. سواء كانت هذه المصلحة خاصة بفئة بعينها دون غيرها، أو بقضية دون غيرها، أو بسياسة دون غيرها. وخير مثال على ذلك ما حدث إبان أزمة الرسوم المسيئة لخير خلق الله محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - حيث اعتبر البعض أن للصحفي وللصحيفة التي نشرت هذه الرسوم مطلق الحرية في التعبير عن رأيهما، ولم تعتبر أن تلك الرسوم المسيئة قد تكون عنصرية وبمنزلة التمييز ضد  المجتمع المسلم الذي يوقر نبيه وتنجرح مشاعره من الإساءة له!
هذا التناقض في الموقفين السابقين ليس الوحيد، بل إن التاريخ والواقع المعاصر يذخران بالعديد من الأمثلة التي تترجم حجم هذا التناقض في المواقف والمبادئ لدى فئة ما في الغرب، وعلى المستويات كافة، منها المستوى السياسي والعسكري والفني والإعلامي وغيرها.. فالعدوان والاستيطان الذي يمارسه الكيان الصهيوني أمر مشروع لأنه - من وجهة نظرهم - حق مكتسب، وحماية للوجود، لكن الرد عليه من قبل الفلسطينيين تطرف وإرهاب ومعاداة للسامية! كذلك منع المسلمات من ارتداء الحجاب في بعض الدول حق هدفه الانتصار للقيم الإنسانية الغربية، وعدم التمييز على أساس الدين، وترسيخ لمبادئ المساواة بين أبناء الشعب الواحد، ورفض للثقافات الواردة إلى الغرب، بينما محاسبة الخارجين عن منظومة القيم الشرقية من شواذ ومتطرفين يعد هدمًا للقيم الإنسانية وانتكاسًا للديمقراطية وحرية الرأي والاعتقاد! أيضًا مساندة الجماعات الانفصالية والتنظيمات المتطرفة في بعض أرجاء المعمورة انتصارًا لحق الأفراد والجماعات في التواجد، ولكنه في أرجاء أخرى من نفس المعمورة وعلى نفس البسيطة تقسيم وتخريب للأمن والسلم العالمي! 
أمثلة ونماذج كثيرة توضح مدى التناقض البين المبني على "المصلحة" سواء السياسية أو غيرها.. وليست أي مصلحة بل مصلحة "القويّ"، الذي دائمًا ما يسعى لفرض سيطرته وهيمنته ونشر قيمه ومبادئه على الآخرين ضاربًا بعرض الحائط مدى مناسبتها لهم أو تعارضها مع قيمهم وسياقاتهم التاريخية والدينية والثقافية والسياسية والاجتماعية، الذين يحق لهم التمسك بها والدفاع عنها طالما أنها لا تخالف الأديان والأعراف الصحيحة والسليمة ولا تتعارض مع الفطرة الإنسانية.
ومن هنا فإن مرصد الأزهر يؤكد دائمًا على أن الحريات حق مكفول للجميع، لكنها ليست مطلقة، فلكل حرية سقف يحدده وينظمه الدين والدستور والقانون، بما يتماشى مع الثقافة والعادات والتقاليد "الصحيحة"، وإلا لتحول العالم لغابة ينهش فيها القوي الضعيف، وتُستغل فيها الحريات لتمرير أجندات تخريبية هدفها هدم الكون لا إعماره، وتدمير الإنسانية لا الارتقاء بها. ويؤكد المرصد كذلك أن التعسف والتشدد في فرض الحريات هو قمة "الديكتاتورية".

وحدة البحوث والدراسات

طباعة