| 29 يونيو 2022 م

في بعض ضوابط البحث والنظر في الإسلام (القياس)

د/ رجَائى عَطيَة

  • | الأحد, 6 نوفمبر, 2016
في بعض ضوابط البحث والنظر في الإسلام (القياس)

يحتاج القياس، وهو المصدر التالي للمصادر السابقة من مصادر التشريع الإسلامي، إلى علم عريض، وفهم عميق، ونباهة وفطانة وقدرة على الموازنة والاستخلاص والمقارنة والقياس؛ لأن ممارسته تحتاج إلى كل هذه المعارف ليجد الباحث طريقًا آمنًا وسديدًا للقياس الذي ينشده.

والقياس لدى الأصوليين: هو بيان حكم أمر غير منصوص على حكمه بإلحاقه بأمر معلوم حكمه بالنص عليه في الكتاب أو السنة، ويعرفونه أيضاً بأنه إلحاق أمر غير منصوص على حكمه بأمر آخر منصوص على حكمه للاشتراك بينهما في علة الحكم. فبالقياس ترد الأحكام التي يجتهد فيها المجتهد إلى القرآن المجيد والسنة النبوية.. فهو إذن من باب الخضوع لحكم التماثل بين الأمور الذي يوجب التماثل في أحكامها، لأن التساوي في العلّة أوجد التماثل في الحكم.

 

وجمهور الفقهاء على حجية القياس، ويستندون في ذلك إلى ردّ الأمور إلى الله والرسول

"فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا" (النساء: 59).

 

يكون بالتعرف على الأمارات الدالة على ما يرمي إليه الله ورسوله مما أمرا به، وذلك بتعليل أحكامها والبناء عليها، وذلك هو القياس.

والقرآن الحكيم يومئ إلى تعليل الأحكام، ويعلل بعضها بالفعل عند ذكر  حكمها، وبيان مقاصدها، من ذلك بيان حكمة القصاص بقوله عز وجل:

"وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ"

 (البقرة: 179).

 وبيان علة توزيع الفيء بألا يكون المال دولة بين الأغنياء، أي متداولا بينهم خاصة!

وتعليل بعض الأحكام في القرآن، هو إشارة واضحة إلى وجوب القياس عند عدم وجود النص واتحاد العلة، وإلى ذلك أيضًا أشارت السنة، كتعليله عليه السلام وجوب الاستئذان قبل دخول الإنسان على غيره أو غير بيته بأنه قد جُعِل من أجل البصر، كي لا يطلع الداخل على ما لا يصح أن يطلع عليه، يقول صلى الله عليه وسلم : (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)، وهذا تعليل للنهي الذي ورد بقوله تعالى:

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ"

(النور : 27-29).

وقد انعقد إجماع الصحابة على ثبوت القياس في الأحكام، فنجد الصديق (رضي الله عنه) قد أعطى الجد حكم الأب في الميراث باعتباره أبًا لأن فيه معنى الأبوّة، وابن عباس قاس الجد على ابن الابن، ونرى أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنهم) أجمعين، قد أمر أبا موسى الأشعري فقال له: (اعرف الأشباه والنظائر، ثم قس الأمور عند ذلك)، وقاس الإمام علي ـ في رأيه لعمرـ حد الشرب على حد القذف باعتبار أن الشرب يؤدي إليه.

ويعرف العلماء للقياس أركاناً أربعة:

 الأصل : وهو المصدر الذي يبين الحكم الذي يُقاس عليه.

 والحكم: وهو ما ورد بالنص أو بالإجماع الذي يُقاس عليه، وله شروط أفاض فيها العلماء.

 والفرع: هو الواقعة التي يراد معرفة حكمها بالقياس على الأصل والتي لا نص على الحكم فيها.

 والعلّة: وهي الأصل أو الأساس الذي يقوم عليه القياس ولها تعريفات وضعها علماء الأصول، وفصلوا فيها الحديث وبيان الشروط وفي وجوب المناسبة بين الحكم والعلّة، كما أفاضوا في بيان مسالك العلة، وهي الطرق التي تعرف بها العلة تعريفاً بين ما يعتبر وما يعتبر علّة. وقد ضرب العلماء أمثلة لعمليات القياس التي اتحدت بالعّلة، كالإجماع في الميراث على تقديم ابن العم الشقيق على ابن العم لأب قياساً لاتحاد العلّة على تقديم الأخ الشقيق على الأخ لأب بسبب رجحانه بقرابة الأم.

ويرى العلماء أنه إذا لم يكن هناك نص يبين العلّة أو يومئ إليها، فإن الطريق للتعرف عليها يكون بالاجتهاد الفقهي بتعرف الأوصاف المختلفة في المحكوم فيه والتعرف على أيها يصلح وصفاً مناسباً للحكم، ويضربون لذلك مثلاً بما طالب به النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً أبطل صومه بمجامعة زوجته في نهار رمضان ـ بأن يؤدي كفارة بعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.

لا شك أن هذا النص معلّل، ولكن ما هي علّته؟ هل هي في مواقعة الزوجة في نهار رمضان، أم أن العلّة في مجرد الإفطار؟ ورأى البعض أن العلة ليست في جماع الزوجة، فهو ليس حرامًا في ذاته، وإنما العلّة في انتهاك حرمة رمضان والصيام المفروض فيه، وفي هذا يستوي مع كل المفطرات، وعلى ذلك يكون الإفطار عمدًا هو سبب هذا العقاب أو علّة الكفارة، ومن ثم تجب الكفارة على إفطاره متعمدًا.

ويسمي الفقهاء هذا (تنقيح المناط) وفرعوا من ذلك ثلاثة مصطلحات: تخريج المناط، وتنقيح المناط، وتحقيق المناط.

فقالوا: إن (تخريج المناط) ـ هو تعرف الوصف الذي يصلح علّة إذا لم تتبين العلّة من النصوص بالعبارة أو الإشارة أو الإيماء، ولم يكن من ثم إجماع على علّة وهي أساس من أسس الاجتهاد والقياس، فخرجوا من ذلك ـ مثلاً ـ أن الحكم في القتل يثبت بكل آلة استعملت في إحداثه، حتى ولو كانت غير مستعملة في عصر التنزيل.

أما (تنقيح المناط) فيكون حين تستفاد العلة من مجموع ما اشتمل عليه الحكم، فيتم اختيار الوصف الأنسب ويستبعد غير المناسب، حتى ينتهي المجتهد إلى الوصف المناسب الذي يصلح علة كما رأينا في استخراج أن علة الكفارة هي في إفساد الصوم أيًا كانت المفطرات.

أما (تحقيق المناط) ـ فهو النظر في معرفة وجوده في آحاد الصور التي ينطبق عليها وتدخل في عمومها بعد أن تكون العلة نفسها قد عرفت بطرق المعرفة المختلفة، كالعدالة مثلاً، فهي مناط الإلزام بالشهادة، أما كون الشخص عدلاً أو غير عدل فإنه يعرف بتحقيق المناط، وكالإسكار ـ مثلاً ـ فإنه علة تحريم الخمر، ولكن تحقيق وصف أو واقع كل شراب وهل يسكر أو لا يسكر، وما الذي ينطبق عليه وصف السكر، فإن ذلك هو تحقيق المناط.

لقد أفضت قليلاً في النقل عن العلماء، ليدرك القارئ أن التعرف على العلل من النصوص لمعرفة الأحكام بالقياس، عملية دقيقة بالغة الدقة وليست سهلة، ولا يتقنها سوى الفقية العالم الحاذق الذي عالج النصوص وفهمها فهمًا عميقًا وتعرف على مقاصد الشريعة في عمومها وخصوصها.

هذا وقد قسم العلماء القياس إلى أقسام تبعًا لمراتبه في الحكم، كما تحدثوا في بناء القياس على الحكمة، على تفصيلات لا يتسع لها المقام ولكنها وضعت القياس في موضعه المهم واللائق تبعًا لترتيبه ضمن المصادر التـي تستقى منها الأحكام الشرعية من واقع أدلتها التفصيلية.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

الأكثر اطلاعا خلال شهر

رثاء الأستاذ رجائي عطية ( عضو مجمع البحوث الإسلامية ونقيب المحامين )

رثاء الأستاذ رجائي عطية ( عضو مجمع البحوث الإسلامية ونقيب المحامين )

 أ.د/ أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء

من دلائل النبوة (3) شبهات وردود

من دلائل النبوة (3) شبهات وردود

 أ. د. نظير محمد عياد رئيس التحرير

الحث على توثيق الدين

الحث على توثيق الدين

 أ.د/ عبد الفتاح العواري عميد كلية أصول...

الإنسان المسلم في بوتقة الاختيار

الإنسان المسلم في بوتقة الاختيار

 أ.د/ أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء

دفع مشكل قاعدة ( الحاجة تنزل منزلة الضرورة )

دفع مشكل قاعدة ( الحاجة تنزل منزلة الضرورة )

 أ.د. حسن صلاح الصغير - أستاذ الفقه بكلية...

الآفاق الشرعية والقانونية للتحول الرقمي..الواقع والمأمول

الآفاق الشرعية والقانونية للتحول الرقمي..الواقع والمأمول

 أ.د. محمد عبد الرحمن الضويني - وكيل...

تاريخ أروقة الجامع الأزهر

تاريخ أروقة الجامع الأزهر

 ثروت عبد العظيم علي خليل

البركات في القرآن الكريم

البركات في القرآن الكريم

 أ.د. عبد المنعم عبد الله حسن

الوفاء

الوفاء

 الشيخ/ محمد الغزالي

تفسير سورة (آل عمران)

تفسير سورة (آل عمران)

 الإمام/ محمد عبده

ركن الواعظات

ركن الواعظات

 الإشراف العام أ.د. إلهام محمد شاهين

العيد في الإسلام عبادة وفرحة

العيد في الإسلام عبادة وفرحة

 د.سليمان جادو شعيب

ركن الوافدين

ركن الوافدين

 الإشراف العام أ.د. نهلة الصعيدى

إضاءات في المنهج الأزهري والشخصية الأزهرية

إضاءات في المنهج الأزهري والشخصية الأزهرية

 الأستاذ الدكتور / محمد عبد الفضيل القوصي

إلى القرآن الكريم

إلى القرآن الكريم

 فضيلة الشيخ/ محمود شلتوت ،شيخ الأزهر...

الإعجاز في معترك الأقران للسيوطي

الإعجاز في معترك الأقران للسيوطي

 أ.د/ محمد محمد أبو موسى عضو هيئة كبار العلماء

12

بحث حسب التاريخ

العدد الحالي

فهرس العدد

من أغلفة المجلة

حقوق الملكية 2022 مجلة الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg