| 03 ديسمبر 2021 م

سلطة الشعر

أ.د/ محمد عبد المطلب أستاذ البلاغة والنقد

  • | الخميس, 10 نوفمبر, 2016
سلطة الشعر

مع زمن العولمة دخل الشعر العربي دائرة الاهتمام، وتتابعت عليه مجموعة مقولات، وبدأت بالمقولة الأولى: (انحسار الشعر)، ثم تلتها المقولة الثانية (زمن الرواية)، ثم جاءت الجملة الأخيرة: (موت الشعر) التي ترددت على استحياء أولا، ثم استفاض الحديث عنها في زمن العولمة الأخير.

وتوالي هذه المقولات على الشعر العربي يستحضر على الفور المقولة التراثية: (الشعر ديوان العرب) فالشعرية العربية اختزنت ركائز الثقافة العربية وحرصت على نقلها من زمن إلى زمن، معنى هذا أن الشعر كان ممثل السلطة الثقافية في الزمن العربي، وقد حدد ابن سلام في (طبقات فحول الشعراء) طبيعة هذه الثقافة بقوله: «وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم، كسائر أصناف العلم والصناعات: منها ما تثقفه العين، ومنها ما تثقفه الأذن، ومنها ما تثقفه اليد، ومنها ما يثقفه اللسان».

لكل هذا تحولت المدونة الشعرية إلى (وثيقة) ثقافية، تضم الأعراف والتقاليد والخبرات، كما تضم الوقائع والأحداث، ومن ثم تحولت الوثيقة إلى أفق من الهيمنة التي لا تحتاج إلى مستندات شرعية كغيرها من المؤسسات السلطوية، فأفق السلطة الشعرية مفتوح للجميع يدخلونه اختيارا، بوعي أو بدون وعي، سواء أكانوا من مبدعي الشعر أم من متلقيه.

ونشير إلى أن سيطرة السلطة الشعرية كانت تتناوب عليها –أحيانًا- لحظات تمرد فردي أو جماعي، ويكون ذلك إشارة على أن الشعرية العربية على أبواب مرحلة إبداعية طارئة، تمهد لسلطة إبداعية جديدة، قد تكون موافقة للسلطة السابقة عليها، وقد تغايرها في بعض الركائز أو الهوامش.

والتحرك من سلطة شعرية إلى أخرى لا يحتكم إلى جماعية أو فردية، فقد يكون لعنصر فردي من القوة ما يتيح له قدرا كبيرا من التأثير أولًا، ثم السيطرة ثانيًا، وهو ما سجلته المسيرة الشعرية مع شعراء بعينهم أمثال: امرئ القيس وزهير بن أبي سلمى في الجاهلية، وأبي نواس وأبي تمام والمتنبي وأبي العلاء بعد الإسلام، أما في العصر الحديث فقد ترددت أعلام ريادية مؤثرة أمثال: البارودي وشوقي ومطران وجبران، ثم نازك الملائكة والسياب وأدونيس وصلاح عبد الصبور وحجازي وسواهم من جيل الريادة.

وقد زادت سلطة الشعر رسوخا لكونه حامل الأداة التعبيرية التي اخترقت الزمان والمكان، ونعني بذلك (اللغة العربية) التي لازمت الشعر في مسيرته الطويلة المتجذرة في العمق العربي، حيث كانت العربية أداة الشعر وغايته على صعيد واحد.

إن هذا التمهيد يضعنا أمام ركيزتين أساسيتين فاعلتين في تشكيل الهوية العربية: اللغة والشعر، وكلاهما فاعل في لحظة الحاضر المعتمة التي تسود الواقع العربي بعد أن تهرأت بعض سلطاته ووصلت إلى درجة بالغة الوهن، حتى إن أدواتها التنفيذية لم تعد قادرة على فرض سيطرتها بإحكام، لأن معظم مستنداتها الشرعية قد لاحقتها عوامل التعرية، ولم تعد السلطة الثقافية قادرة على ترميم هذه المستندات ورتق خروقها.

ولذا كان في مقدمة الخطاب الثقافي المرفوض (الخطاب الشعري)، وبما أن الشعر حامل اللغة، فإن الخلاص من الشعر يعني الخلاص من اللغة أيضًا، والذكاء في المواجهة طرح المقولة الأولى (انحسار الشعر)، مع تقديم مبررات ساذجة من مثل: إن المتغيرات الحضارية لم تعد مهيأة للتعامل مع هذا الفن بوظائفه المحنطة التي عفى عليها الزمن، وتناسى أصحاب المقولة أن فن الشعر ظل حاضرًا وفاعلًا منذ أقدم الحضارات، وبرغم التطورات الهائلة التي مرت بها المجتمعات البشرية من البدائية إلى الزراعية إلى الصناعية إلى التكنولوجية إلى الرقمية، فإن الشعر حافظ على أن يكون في مقدمة الفنون القولية مع تعديل بعض وظائفه التحريضية والتأثيرية والجمالية واللغوية. بل إن عظمة هذا الفن القولي في أنه حافظ على جوهره برغم دخوله في مراحل تطورية من حيث الشكل ومن حيث المضمون، حتى إن كثيرا من أجناس القول حاولت الاقتراب منه، ولا أقول جديدًا إذا زعمت: أن كل الفنون تهفو إلى الشعرية، وتستهدف بلوغ طاقتها الجمالية.

إن مقولة انحسار الشعر تتنافى تمامًا مع قانون الإحصاء الذي لا يكذب ولا يتجمل، إذ الملحوظ أن الشعراء في تزايد لا تناقص، دون نظر إلى الجانب الكيفي، فهذا ما سوف نتناوله فيما بعد، ولو أننا حصرنا رواد الحداثة الشعرية في العصر الحديث لما زادوا على أصابع اليدين، فإذا انتقلنا إلى شعراء الجيلين التاليين، فسوف نجد كثرة بالغة، مما يعني اتساع القاعدة الإبداعية، وهو ما ينافي مقولة (انحسار الشعر).

ولم يكد الشعر يتقبل الضربة الأولى ويتغلب عليها، حتى تأتيه الضربة الثانية التي تزعم أن هذا الزمن ليس زمن الشعر، وإنما هو (زمن الرواية)، ويبدو أن هذا الشعار قد وقع في التباس بين (الرواية) بوصفها إحدى فنون القول، وأجناس أخرى تعتمد (فن الصورة)، وبخاصة ما تقدمه (السينما وجهاز التليفزيون) وربما بسبب ذلك اللبس ظهر شعار جانبي مضاد لمقولة (زمن الرواية) هو: (زمن المسلسل التليفزيوني).

وبما أن الشعارين أو المقولتين السابقتين لم تحققا الهدف من إزاحة الشعر عن الصدارة الإبداعية، جاءت المقولة الثالثة (بداية موت الشعر) لأن إعلان موته يعني موت الذاكرة العربية بوصفها الجدار العازل الذي يحمي الذات العربية من الضياع في مواجهة الطوفان الوافد بما فيه من صالح وطالح.

وللوصول إلى ترسيخ هذه المقولة (موت الشعر)، كان من الضروري إتمام بعض الإجراءات التمهيدية، حيث حاول دعاة التجديد تشويه النماذج الشعرية الكبرى في التراث العربي وصولًا إلى زمن الحداثة، بدءا من امرئ القيس وصولًا إلى أحمد شوقي ثم نزار قباني، بهدف إثبات أن مقولة (الشعر ديوان العرب) مقولة فاسدة، لأن النماذج البشرية للشعراء نماذج فاسدة وخادعة، ومن ثم لابد أن تنتقل الديوانية إلى أجناس قولية أخرى على حساب الشعرية، وهي أجناس ليس لها هذا العمق التاريخي التراثي الذي اكتسبه الشعر، ومن ثم فإن تدخلها ليس له قيمة حضارية يخشى منها على مواجهة العولمة بكل ضراوتها.

ثم يأتي الإجراء التالي الممهد لموت الشعر بزعم غريب، وهو أن الواقع العربي تسيطر عليه أنظمة (السلطة المطلقة) (الدكتاتورية) وأن المجتمع العربي لا ينفر من هذه الأنظمة على النحو الذي نعرفه في الثقافة الغربية، وذلك يرجع عند أصحاب الدعوة لموت الشعر إلى أن الثقافة العربية قد كرست لتقبل مثل هذه الأنظمة عندما أعلت من شأن ( الفحل الشعري) وجعلته صاحب الأمر والنهي في الواقع القديم، وهنا يرد على الخاطر فورًا تساؤل محير: وهل كانت الديكتاتوريات المنتشرة في العالم شرقًا وغربًا وليدة الفحولة الشعرية، أم ذلك خاص بالثقافة العربية وحدها؟

ومن إنتاج الثقافة العربية للنظم الدكتاتورية، يتجه أصحاب مقولة (موت الشعر) إلى إجراء آخر يرون فيه مساعدا على الموت أيضًا، إذ يدعون أن الشعر العربي يتحمل مسئولية كبيرة في تشويه الأنثى واضطهادها ثم تهميشها، فقد صورت الشعرية الأنثى في صور جسد إغوائي مبتذل، وأن وظيفته الوحيدة إمتاع الذكر، وحتى عندما تربط بين الذكر والأنثى عاطفة ما، فإن الإعلاء يكون للذكر دائما، ويقتنص أصحاب هذا الرأي الأبيات الشعرية المفردة لكي يدللوا على صدق رأيهم.

والمغالطة هنا واضحة لأمرين نوجزهما فيما يأتي:

أولًا: احتكام أصحاب الادعاء إلى الاجتزاء، وبتر الأبيات من سياقها الكلي، والأمانة العلمية تقتضي الاستقراء لا الاجتراء، فمقابل كل نموذج من هذه النماذج المرفوضة، عشرات النماذج التي تعلى الأنثى إلى آفاق بالغة السمو والشفافية.

ثانيًا: أن أصحاب هذا الادعاء يقفزون قفزة متعمدة على مرحلة شعرية كاملة، ربما لا يكون لها نظير في تاريخ الشعرية العالمية، هي مرحلة الشعر العذري المكتنزة بكم هائل من إجلال الأنثى والارتفاع بها إلى درجة قريبة من القداسة. ويطول بنا الأمر لو رحنا نقدم النماذج الشعرية التي توثق ما ندعيه، وهو ما نعد له دراسة مستقلة.

ويكاد التشويه الشعري يصل غايته عندما يوضع على عاتق الشعر مسئولية شيوع ظواهر الكذب والخداع، والمبالغة والنفاق، ويستدل أصحاب هذه الدعوى بمقولة نقدية تراثية هي: (أعذب الشعر أكذبه)، وكأنهم يساوون بين الكذب الأخلاقي والكذب الفني، ويلغون الفارق بين الخطاب الشعري بكل تجاوزاته ومغامراته في اللفظ والمعنى، والخطاب التوصيلي العملي بكل انضباطه الصياغي والدلالي.

بقى أن نعرض لموقف أصحاب التجديد الثقافي من الشعر فيما يمكن أن يكون لهم فيه وجهة نظر ترتبط بحاضر الشعرية العربية، وذلك أنهم يرون أن الشعرية العربية دخلت مرحلة بالغة الضعف والرداءة، وبخاصة مع مرحلة الحداثة، وأن ذلك وحده يكفى لإعلان وفاتها، أو قرب وفاتها على الأقل.

وفي تصورنا أن هذا المدخل الذي يلجون منه إلى موت الشعر، هو أضعف المداخل، ذلك أن الرداءة تكاد تكون ملازمة لكل إبداع شعري أو غير شعري، بل إني قد أغلو بعض الشيء فأدعي أن الغلبة في تاريخ الشعر كانت للرديء، لكن الزمن  -كما تعودنا- يقوم بعملية تصفية، فينفي الرديء ويستبقي الجيد تتوارثه الأجيال، وكل جيل يستقبل إنتاج من سبقوه، ويضيف إليه، دون أن يلتفت إلى الرديء الذي لا يروى إلا على الندرة، أو للتفكُّه.

وقديمًا قال القاضي الجرجاني في كتابه (الوساطة): «ودونك هذه الدواوين الجاهلية والإسلامية، فانظر، هل تجد فيها قصيدة تسلم من بيت أو أكثر لا يمكن لعائب القدح فيه... ولولا أن أهل الجاهلية جدوا بالتقدم، واعتقد الناس فيهم أنهم القدوة والأعلام والحجة، لوجدت كثيرا من أشعارهم معيبة مسترذلة، ومردودة منفية».

وبرغم ذلك لم يدع القاضي الجرجاني -أو غيره- أن هذه الشعرية المسترذلة قد هددت الشعر العربي في  قليل أو كثير، فلم يصلنا أن شاعرا، أو عدة شعراء، أو حلفا شعريا قد هدد مسيرة الشعر بإبداعه الهابط، فكل مرحلة شعرية مليئة بالغث والسمين، كما هو الأمر في كل أجناس الإبداع، ولم يكن الغث يوما مدعاة لنفي السمين، ولم يكن مدعاة لظهور نبوءة موت الشعر كما نسمع اليوم.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
1.0

الأكثر اطلاعا خلال شهر

التربية الإسلامية وثقافة قبول الآخر

التربية الإسلامية وثقافة قبول الآخر

 د. أمان محمد قحيف

المسلمون حول العالم

المسلمون حول العالم

 إعداد الأستاذ: أحمد رضوان

من أسرار تنوع التشبيه في القرآن الكريم مع كلمة (مثل)

من أسرار تنوع التشبيه في القرآن الكريم مع كلمة (مثل)

 أ.د. سلامة جمعة داود - رئيس قطاع المعاهد...

أنباء الأزهر

أنباء الأزهر

 الأستاذ/ محمود الفشني مدير عام التحرير

استفتاءات القراء

استفتاءات القراء

 يجيب عنها: لجنة الفتوى بالأزهر الشريف

صبر أولي العزم من الرسل الكرام

صبر أولي العزم من الرسل الكرام

 د/ رمضان رمضان متولي

وقفات مع لغة القرآن.. طلاقة القدرة الإلهية

وقفات مع لغة القرآن.. طلاقة القدرة الإلهية

 أ. د. عادل محمد إبراهيم حسن

الإعجاز القرآني في حذف حروف المباني والمعاني

الإعجاز القرآني في حذف حروف المباني والمعاني

 أ.د/ عبد الله سرحان- عميد كلية الدراسات...

صفحات من تاريخ الأقصى

صفحات من تاريخ الأقصى

 أ.د. عبد الغنى عبد الفتاح زهرة

بين المجلة والقارئ

بين المجلة والقارئ

 إعداد د/ أحمد صابر

ركن الوافدين

ركن الوافدين

 الإشراف العام أ.د. نهلة الصعيدى

بحث حسب التاريخ

العدد الحالي

فهرس العدد

من أغلفة المجلة

حقوق الملكية 2021 مجلة الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg