| 30 نوفمبر 2021 م

أسرار التعبير بالفرائد في قصة موسى عليه السلام

أ.د/ عبدالله سرحان

  • | الأحد, 15 يناير, 2017
أسرار التعبير بالفرائد في قصة موسى عليه السلام

(رَهْوًا) ووردت في قولـه تعالى: (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ۖ إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ) (الدخان:24)، بعدما اجتاز موسى وبنو إسرائيـل البحر بعد أن صار كل فرق كالطود العظيم وصل فرعون إلى مشارف هذا المكان، وقد شاء -الله تعالى- أن يُهلك فرعون وجنده في اليم جزاء وفاقًا على كفرهم وعتوهم، فأمر الله -عز وجل- موسى أن يترك البحر على حالته تلك، ولا يأمره أن يعود كما كان لكـي تنفذ فيهم مشيئته تعالى، وقد كان.

وقد ذكر السمين الحلبي دلالة تلك الفريدة فقال: «قوله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾، قيل: ساكنًا، وقيل: سعة من الطريق، وصححه بعضهم، قال: ومنه الرهاء للمفازة المستوية، وكل حومة مستوية يجتمع فيها الماء رهو، ومنه قيل: لا شفعة في رهو، ونظر أعرابي إلى بعير فاتح فاه، فقال: رهو بين سنامين، ويقال: جاءت الخيل رهوًا أي: ساكنة، وقيل: متتابعة، وقيل: رهوًا من صفة موسى، أي: على هيئتك، وقيل: رهوًا طريقًا يابسًا بدليل قوله تعالى:
(فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا)    طه: 77
وقيـــل: رَهْوًا أي دمـثًا ســــهلًا ليـس برمـل ولا حزن."1"
وقد جاء كلام المفسرين عن تلك الفريدة أكثر دقة، يقول الشيخ صديق خان: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ أي: ساكنًا: يقال: افعل ذلك رهوًا أي: ساكنًا على هيئتك، وعيش راه أي: ساكن. وقال الهروي وغيره: وهو المعروف في اللغة، والمعنى: اترك البحر ساكنًا على صفته بعد أن ضربته بعصاك، ولا تأمره أن يرجع كما كان؛ ليدخله آل فرعون بعدك وبعد بني إسرائيل فينطبـق عليهم فيغرقون. وقال أبو عبيدة: رها بين رجليه يرهو رهوًا أي: فتح، قال: ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾، والمعنى: اتركه منفرجًا كما كان بعد دخولكم فيه، وبه قال مجاهد وغيره، قال ابن عرفة: وهما يرجعان إلى معنى واحد، وإن اختلف لفظاهما؛ لأن البحر إذا سكن جريه انفرج) "2".

كما ترى فإن الرهو له معان عديدة، ولكنها كلها متقاربة يرجع بعضها إلى بعض كما ذكر العلماء.
وقد أوثر التعبير بتلك الفريدة لما فيها من دلالات عديدة لا توجد في غيرها مما يقاربها منها:
-  أن حروف الفريدة فيها هدوء ووداعة وسكون تعكس سكون البحر وهدوءه: انظر إلى الراء المهموسة الخافتة، ثم الهاء التي تحمل من الهمس والرقة ما ليس في غيرها، ثم الواو المعتلة وما فيها من وداعة، فالفريدة بحروفها -لمن يُنعِم نظرَه- قد دلت على المراد دلالةً واضحةً.
-
 أنها أوجز وأخصر؛ لأنها تضم في جعبتها المعنيين اللذين ذكرهما العلماء فيها، فالرهو يحتمل أن يكون بمعنى ساكن، وبمعنى منفرج كما سبق، وكلاهما يقبله السياق، ولا يتعارض مع المعنى العام للنظم الكريم، فالفريدة بذلك أغنى دلالة، وأكثر ثراء من غيرها، علاوة على أن رهوًا جاءت مصدرًا، والتعبير بالمصـدر دون اسم الفاعل راهيًا للمبالغة في الوصف، وهذه المبـالغة أضفت على الفريدة قوةً وخلابةً، فكانت الفريدة مادة وصيغة أفصح وأوجز وأكثـر غنًى وثراءً من غيرها، وجاءت في محلها الملائم لها، والله أعلم.
-  تومئ الفريدة إلى تفرد تلك الحالة في تاريخ الأنبياء والإنسانية جمعاء؛ لأنها كانت على وجه الإعجاز لموسى –عليه السلام- دون غيره من البشر كافة، كما تشير إلى تفرد موضعها في القرآن الكريم، فلم يرد الحديث عن هذا المعنى بنصه وفصه إلا في هذا المقام.
-
 تدل الفريدة على أكثر من معجزة؛ فهي تفيد أن الماء قد تحول إلى فِرَقٍ ضخمة كالطود العظيم، وبين كل فرقٍ وآخرَ طريقٌ يسلكه بنو إسرائيل، وهذا الطريق الواسع المنفرج لم يكن طريًّا موحلًا يعــوق حــركة الســير، بل كان طريقًا يَبَســًا، كما قال تعالى
"فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا" طه: 77 
ولم يكن كذلك طريقًا وعرًا تضاريسه ملتوية بل كان طريقًا سهلًا دمثًا ليس فيه حزن، أو وعورة.
وهذان المعنيان - وإن لم تدل عليهما الفريدة بصورة مباشرة - ترمز إليهما الفريدة بوضوح، وبذلك تلتئـم المعاني التي توحي بها تلك الفريدة مع مختلف السياقات القرآنية في هذا الغرض أتم التئام.
الفريدة العشرون:
﴿سوط﴾
وجاءت في قوله تعالى
﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ الفجر :13
وقد وردت هذه الفريدة بعد الحديث عن عاد قوم هود، وثمود قوم صالح، وفرعون وقومه، وما حدث لهم من عقاب في الدنيا من جراء عتوهم واستكبارهم، وهي تشير إلى عذاب هؤلاء جميعًا بدليل قوله: ﴿فصب عليهم، فالضميـر يعود إلى تلك الطوائف السابقة المذكورة في أول السورة.
وقد أوردنا تلك الفريدة هنا؛ لأنها تتلاءم مع هذا الموطن حيث ذكرت بعـد الحديث عن فرعون فـي قوله تعالى:
﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ(11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ الفجر10 - 13
ويقول السميـن الحلبي في دلالة تلك الفريدة: قوله تعالى ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ السوط - في الأصل - مصدر ساطه يسوطه أي: خلطه، فسمي به هذه الآلة المعروفة التي يعاقب بها، وهو ما يضفَّر من الجلود؛ لأنه يخلط اللحم بالدم. فقوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ على التشبيه بما يعرفون ألمه وإيجاعه، وإلا فشتان ما بين السوطين، وما أبلغ هذه الاستعارة عند أهل الذوق، وقيل: سُمي سوطًا لاختلاط طاقاته بعضها ببعض، وقيل: إشارة إلى أنه تعالى خلط لهم أنواع العذاب بعضها ببعض كقوله:
﴿هَٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ ص: 57ـ 58
وقال الفراء: السوط: اسم للعذاب وإن لم يكن ثَمَّ ضربٌ بسوطٍ، والأول هو المعوَّل عليه ("3". 
ومن المفسرين يقول الشيخ صـديق خان: «ومعنـى ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ نصيب عذاب، أو نوع من العذاب فأهلكت عاد بالريح، وثمود بالصيحة، وفرعون بالغرق، فكلًّا أخذنا بذنبه، وذكر السوط إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم هو بالنسبة إلى ما أعده في الآخرة كالسوط إذا قيس إلـى سائر ما يعذب به، وقال الفراء: هي كلمة تقولها العرب لكل نوع من أنواع العذاب، وأصل ذلك أن السوط هو عذابهم الذي يعذبون به، فجرى لكل عذاب إذ كان فيه عندهم غاية العذاب، وقيل: معناه عذاب يخالطه اللحم والدم من قولهم ساطه يسوطه سوطًا أي خلطه، فالسوط خلط الشيء بعضه ببعض، والأولى أنه مجاز واستعارة من إيقاع العذاب بهم على أبلغ الوجوه وأكملها؛ إذ الصب يشعر بالدوام، والسوط بزيادة الإيلام، أي: عُذِّبوا عذابًا مؤلمًا دائمًا ("4".
يتضح مما سبق كثرة المعاني التي ذكرها اللغويون والمفسرون لهذه الفريدة، وإيثار التعبير بها دون غيرها مما يقاربها له أسرار شتى منها
-
الإشارة إلى أن العذاب الذي نزل بتلك الطوائف كان شديدًا موجعًا مؤلمًا نزل بهم سريعًا كسرعة السوط في إلحاق الإصابة والأذى، «فأما عاد فرأوا عارض الريح فحسبوه عارضًا ممطرًا فما لبثوا أن أطارتهم الريح كل مطير، وأما ثمود فقد أخذتهم الصيحة، وأما فرعون فحسبوا البحر منحسرًا فما راعهم إلا وقد أحاط بهم»(5)، أو الإشارة إلى أن العذاب الذي حاق بهؤلاء انصب عليهم بكثرة وتتابع كما يتتابع السوط على المضروب به، أو الإشارة إلى أن كل طائفة نزل بها نوع من العذاب على قدر طغيانها وعتوها، وقد دلت الفريدة على تلك المعاني كلها أتم دلالة وأوفاها، ولن يقدر غيرها أن يسد مسدها، عـلاوة على ما فيها من استعارة جميـلة يدركها أهـل الذوق صورت وقـوع العذاب بهم على أكمل وجه وأبلغه كما يقول الشيخ صديق خان.
 - تومئ تلك الفريدة إلى أن عذاب هؤلاء الأمم كان عذابًا فريدًا في بابه لا نظير ولا شبيه لـه؛ فقد تفردت كـل أمة بنصيبها من العذاب الذي لم يشركها فيه غيرها البتة.
-
تشير الفـريدة إلى تفرد موضعها في القرآن الكريم، فهي الموطن الوحيد الذي ذكر فيه عذاب هؤلاء الأقوام جملة واحدة في آية واحدة بتلك اللفظة الفريدة، والله أعلم.

(1) عمدة الحفاظ 2/135، ومفردات الراغب 210، ومختار الصحاح 109.
(2)
فتح البيان 8/451، وتفسير الألوسي 16/402، والتحرير والتنوير 25/300.
(3)
عمدة الحفاظ 2/268، 269، ومفردات الراغب 254، ومختار الصحاح 135.
(4)
فتح البيان 10/340، وتفسير الألوسي 18/492.
(5)
التحرير والتنوير 30/322، وانظر ما ذكرته بنت الشاطئ عن رأيها في معنى تلك الفريدة في كتابها التفسير البياني للقرآن 2/ 148.

 

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

الأكثر اطلاعا خلال شهر

التربية الإسلامية وثقافة قبول الآخر

التربية الإسلامية وثقافة قبول الآخر

 د. أمان محمد قحيف

مقالات في دفع ما يورد على قاعدة (الحاجة تنزل منزلة الضرورة) من إشكالات

مقالات في دفع ما يورد على قاعدة (الحاجة تنزل منزلة الضرورة) من إشكالات

 أ.د. حسن صلاح الصغير - أستاذ الفقه بكلية...

دعوة الإسلام إلى الوقاية من الأمراض ومن مرض (الإيدز)

دعوة الإسلام إلى الوقاية من الأمراض ومن مرض (الإيدز)

 أ.د/ أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء

مِن ملامح الأدب الأصيل

مِن ملامح الأدب الأصيل

 د. عمر محمد إبراهيم

المسلمون حول العالم

المسلمون حول العالم

 إعداد الأستاذ: أحمد رضوان

دوحة الشعر..من رحيق تجارب الشعراء.. في ذكرى ميلاد خاتم الأنبياء

دوحة الشعر..من رحيق تجارب الشعراء.. في ذكرى ميلاد خاتم الأنبياء

 أ.د/ صابر عبد الدايم يونس -رئيس رابطة...

من أسرار تنوع التشبيه في القرآن الكريم مع كلمة (مثل)

من أسرار تنوع التشبيه في القرآن الكريم مع كلمة (مثل)

 أ.د. سلامة جمعة داود - رئيس قطاع المعاهد...

أنباء الأزهر

أنباء الأزهر

 الأستاذ/ محمود الفشني مدير عام التحرير

استفتاءات القراء

استفتاءات القراء

 يجيب عنها: لجنة الفتوى بالأزهر الشريف

صبر أولي العزم من الرسل الكرام

صبر أولي العزم من الرسل الكرام

 د/ رمضان رمضان متولي

وقفات مع لغة القرآن.. طلاقة القدرة الإلهية

وقفات مع لغة القرآن.. طلاقة القدرة الإلهية

 أ. د. عادل محمد إبراهيم حسن

الإعجاز القرآني في حذف حروف المباني والمعاني

الإعجاز القرآني في حذف حروف المباني والمعاني

 أ.د/ عبد الله سرحان- عميد كلية الدراسات...

بين المجلة والقارئ

بين المجلة والقارئ

 إعداد د/ أحمد صابر

صفحات من تاريخ الأقصى

صفحات من تاريخ الأقصى

 أ.د. عبد الغنى عبد الفتاح زهرة

12

بحث حسب التاريخ

العدد الحالي

فهرس العدد

من أغلفة المجلة

حقوق الملكية 2021 مجلة الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg