| 18 أغسطس 2022 م

المحدثون المفترى عليهم

أ.د/ محمد محمود بكار رئيس قسم الحديث كلية أصول الدين – أسيوط

  • | الثلاثاء, 24 يناير, 2017
المحدثون المفترى عليهم

السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع -بعد القرآن الكريم- وهي الجبل الشامخ الذي تحطمت على جنباته سهام أعداء الإسلام فقد توجهت سهامهم نحوها بالطعن فيها وتلفيق الأحاديث ونسبتها إلى النبي ﷺ زورًا هاجمها آخرون، وكذلك باتهام رواتها الثقات بالتقصير وعدم الفهم لما يروون وينقلون حتى وصفهم النظَّام وغيره من المعتزلة بأنهم رواحل أسفار أي مجرد رواحل يحملون الحديث ويروونه دون أن يفقهوا معناه.

والناظر بعين الإنصاف إلى المحدثين في كل عصر وزمان من لدن الصحابة إلى يومنا هذا- يجدهم قد اعتنوا عناية فائقة بنقد الأحاديث إسنادًا ومتنًا بحيث لم يدعوا زيادة لمستزيد، فاهتموا بنقد الرجال واعتنوا بفقه الأحاديث وفهم متونها.

نعم، لم يبالغوا في نقد المتن مبالغتهم في نقد السند؛ لأنه جاء تابعًا لنقد السند، فإن التوثق من صدق الخبر طريقة النظر في حال رواته ونقلته وأمانتهم وصدقهم؛ لأن صدقهم دليل على صدق ما أخبروا به.

وممن طَعن في المحدثين من هذا الجانب -وهو جانب التقصير في نقد المتن وعدم الفهم لنصوص الحديث- من المستشرقين جولد تسيهر في كتاب (العقيدة والشريعة في الإسلام)، وغاستون وايت في مقاله عن الحديث في التاريخ العام للديانات، وجوين بول كاتب مادة الحديث في دائرة المعارف الإسلامية.

ومن المؤسف أنه قد حذا حذو هؤلاء بعض المسلمين مثل أحمد أمين في كتبه الثلاثة: (فجر الإسلام)،(ضحى الإسلام)، و(ظهر الإسلام)، وكذلك محمود أبو رية في كتابه: ( أضواء على السنة المحمدية)، والسيد صالح أبو بكر في كتابه: (الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها.

ولستُ بصدد الرد على هؤلاء وأولئك، فقد سبقني كثيرون في الرد عليهم -جزاهم الله خيرًا- ومنهم الشيخ عبد الرازق حمزة، والشيخ عبد الرحمن المعلمي، والشيخ د. محمد أبو شهبة، د. مصطفى السباعي، د. محمد عجاج الخطيب، ود. سيد أحمد المسير، وغيرهم، وإنما الذي يعنيني في هذا المقام  -حسب ما يسمح المجال ـ  هو بيان اعتناء المحدثين بفقه متون الأحاديث وفهمها.

وليس أدل على اهتمامهم بهذا الجانب من جعلهم أن من أمارات الحديث الموضوع مخالفته للعقل أو المشاهدة أو الحس مع عدم إمكان تأويله تأويلًا محتملً،ا وأنهم كثيرًا ما يردون الحديث لمخالفته للقرآن الكريم أو السنة الصحيحة المشهورة أو التاريخ المعروف مع تعذر التوفيق.

كما جعلوا من أماراته: ركاكة اللفظ والمعنى واشتمال الحديث على مجازفات ومغالطات لا تصدر عن عاقل سليم، حتى قال الربيع بن خثيم: إن للحديث ضوءًا كضوء النهار تعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكره.

وقال ابن الجوزي: ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يخالف العقول، ويناقض الأصول، ويباين المعقول، فاعلم أنه موضوع، وقال أيضًا: الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب للعلم وينفر منه قلبه في الغالب.

وعند أحمد والبزار عن أبي حميد وأبي أسيد أن النبي  ﷺ قال: "إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه" قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.

وما العناية بفقه الأحاديث وفهمها إلا جزء من نقد متونها، فلم يكونوا زوامل أسفار، بل كانوا أهل فقه ودراية بالمتون فجمعوا الأحاديث وغربلوها ونخلوها وصفوها من الشوائب والغرائب ومن كل دخيل عليها حتى قال الإمام أحمد: الذي يعرف الحديث ومعه فقهٌ أحبُّ إليَّ ممن يحفظ الحديث ولا يكون معه فقه.

وقال سفيان بن عيينة: يا أصحاب الحديث، تعلَّموا معاني الحديث فإني تعلمت معاني الحديث ثلاثين سنة، ولعلنا نلمس أثر الفقه والفهم للأحاديث من صحيح الإمام البخاري في تبويبه الأبواب، وطريقته في التراجم، وتكراره أو تقطيعه للحديث الواحد في مواضع بحسب مناسباته الفقهية، وكثيرًا ما يدلي برأيه في مسائل تكون موضع الخلاف وقد يترك المسألة من غير قطع إذا لم يترجح عنده شيء حتى لقد قيل: فقه البخاري في تراجمه. وكذلك طريقة مسلم في ترتيب كتابه، وطريقة أصحاب السنن ولا سيما الترمذي فقد عرض في سننه لكثير من الآراء الفقهية عرض رجل واعٍ فاهم عارف وأما أبو داود ففقهه في قوة التبويب والترتيب. وأما النسائي فقد توافرت له أكثر هذه المزايا.

أقول كما بدأت أولًا: نعم، إنهم لم يبالغوا في نقد المتون مبالغتهم في نقد الأسانيد لأمور أذكر منها:

1ـ إن اهتمامهم بدراسة الإسناد وعدالة الراوي وصلاحه وتقواه وضبطه وحفظه وأمانته كل ذلك كان طريقًا إلى صحة الحديث، فلم يبق بعد ذلك حاجة ماسة إلى نقد المتن.

2ـ إن الخوض في مفهوم عبارة الحديث قد يكون صعبًا، خاصةً فيما هو متشابه يحتاج إلى تأويل كأحاديث الصفات، أو ما يحتاج إلى مجاز لتعذر صرفه إلى الحقيقة مثل سجود الشمس تحت العرش فإن المراد خضوعها وسيرها تحت إرادته سبحانه.

3ـ قد يكون متن الحديث من قبيل الغيبيات كأحوال القيامة واليوم الآخر والجنة والنار وما فيهما، فإن هذه الأمور لا نستطيع تحكيم العقل فيها.

4ـ إن نصوص الشريعة صالحة لكل زمان فقد يكون متن الحديث عن أمر لم يكشف العلم عنه بعد كحديث ولوغ الكلب والذبابة والعجوة فإنه خاضع لإثباته بالتجارب والعلم الحديث، وقد يصل العلماء إلى حكمة ذلك في عصر دون عصر، ففي مثل هذه الحالات لو تسرع العلماء في الحكم ببطلان حديث نظرًا لخفاء الحكمة منه ماذا يفعلون لو ظهرت الحكمة بعد ذلك.

ومما يدل أيضًا على أن المحدثين لم يغفلوا جانب النظر في متن الحديث ما يلي:

1ـ ما علَّق به ابن الجوزي على حديث شكوت إلى جبريل رمد عيني، فقال لي: انظر إلى المصحف. قال: وأين كان في العهد النبوي مصحف حتى ينظر فيه؟

2ـ ما علَّق به ابن حجر على حديث: «أتاني جبريل بسفرجلة فأكلتها ليلة أُسرِي بي فعلقتْ خديجةُ بفاطمة» قال: الوضعُ عليه ظاهر؛ فإن فاطمة وُلدت قبل الإسراء بالإجماع.

3ـ ما علَّق به ابن القيم على حديث «إذا عطس الرجل عند الحديث فهو صدق» قال: وإن صحح بعض الناس سنده فالحس يشهد بوضعه؛ لأننا نشاهد العطاس والكذب يجتمعان ولو عطس ألف رجل عند ذكر حديث يُروى كذبًا عن النبي ﷺ لم يحكم بصحته، ولو عطسوا عند شهادة زور لم تصدق.

4ـ وما علَّق به أيضًا على حديث «وضع الجزية عن أهل خيبر» حيث قال: إنه كذب من عدة وجوه: وذكر منها أن فيه شهادة سعد بن معاذ وسعد توفي قبل ذلك في غزوة الخندق. وفيها أن الجزية لم تكن نزلت بعد ولا يعرفها الصحابة ولا العرب وإنما نزلت بعد عام تبوك حين وضعها على نصارى نجران ويهود اليمن.

5ـ ومنها ما علق به على حديث "الباذنجان لما أكل له" حيث" الباذنجان شفاء من كل داء" قال: قبح الله واضعهما ولو أكل الباذنجان للحمَّى والسوداء الغالبة وكثير من الأمراض لم يزدها إلا شدة، ولو أكله فقير ليستغني به لم يفده الغنى، أو جاهل ليتعلم لم يفده العلم.

وبعد، فهذه كلُّها أدلة دامغة تشهد بالحس المرهف لدى المحدثين الذين كانوا لا يقبلون الحديث إلا إذا صح سنده ومتنه، وإلا لما قالوا: إن صحة الإسناد لا تستلزم صحة المتن وإنما قالوا: صحة الإسناد شرط في صحة الحديث. وفرق بين الأمرين فقد يصح الحديث إسنادًا ولا يصح متنًا، وقد يصح متنًا ولا يصح إسنادًا، ولشدة تحريهم في دراسة الحديث متنًا وإسنادًا فإنهم إذا كانت الدراسة منصبة على الإسناد فقط لقالوا: إسناده صحيح، أو ما أشبه ذلك، ولا يقولون حديث صحيح إلا إذا ثبتت صحته إسنادًا ومتنًا.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
3.0

الأكثر اطلاعا خلال شهر

التشكيك في مصادر الأحكام جريمة مكتملة الأركان

التشكيك في مصادر الأحكام جريمة مكتملة الأركان

 أ.د/ عباس شومان وكيل الأزهر الشريف سابقًا

أثر فقه المقاصد في ضبط الخطاب الدعوي المعاصر وحمايته من الانحراف

أثر فقه المقاصد في ضبط الخطاب الدعوي المعاصر وحمايته من الانحراف

 أ.د/ محمد عباس عبد الرحمن المغني

الحج وبناء النموذج الأخلاقي

الحج وبناء النموذج الأخلاقي

 أ.د. محمد عبد الرحمن الضويني - وكيل...

تفسير سورة (آل عمران)

تفسير سورة (آل عمران)

 الإمام/ محمد عبده

الإعجاز القرآني في حذف حروف المعاني و المباني

الإعجاز القرآني في حذف حروف المعاني و المباني

 أ.د/ عبد الله سرحان- عميد كلية الدراسات...

الإعجاز في معترك الأقران للسيوطي

الإعجاز في معترك الأقران للسيوطي

 أ.د/ محمد محمد أبو موسى عضو هيئة كبار العلماء

المسابقة الرمضانية لمجلة الأزهر

المسابقة الرمضانية لمجلة الأزهر

 إعداد طارق الأشهب

دعوة لتيسير الزواج

دعوة لتيسير الزواج

 أ.د/ عباس شومان وكيل الأزهر الشريف سابقًا

خطبة الوداع من أعظم الوثائق الإنسانية

خطبة الوداع من أعظم الوثائق الإنسانية

 د. سليمان جادو شعيب

علوم الحضارة الإسلامية

علوم الحضارة الإسلامية

 أ.د/ أحمد فؤاد باشا عميد كلية العلوم...

من وسائل توثيق الدين

من وسائل توثيق الدين

 أ.د/ عبد الفتاح العواري عميد كلية أصول...

أنباء الأزهر

أنباء الأزهر

 إعداد: قمر الدعبوسي

1234

بحث حسب التاريخ

العدد الحالي

فهرس العدد

من أغلفة المجلة

حقوق الملكية 2022 مجلة الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg