| 28 يناير 2022 م

الوصايا العشر للإعلام العربي

أبو بكر أحمد عبد المعطي كبير مذيعي إذاعة القرآن الكريم

  • | الأربعاء, 1 فبراير, 2017
الوصايا العشر للإعلام العربي

في هذا المقال نبذل محاولة لتوجيه بعض الوصايا للإعلام امتثالا لقول الله تعالى:

"وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"

 آل عمران: 104

والواجب على الإعلاميين العرب أن يتجردوا من ذواتهم وحاجاتهم الخاصة ابتغاء وجه الله والدار اﻵخرة.

الوصية الأولى: مخاطبة الجميع:

مضت عقود على أمتنا ونحن نخاطب أنفسنا، فلا يتجاوز أثر الخطاب الجدران التي يُلقى داخلها. وكان خطابنا يتسم بمدح الذات وإظهار ما لدينا من حضارة ومزايا إنسانية، وفي الوقت نفسه ذم اﻵخر والتركيز على عيوبه – من وجهة نظرنا -. الغريب في الأمر أن خطابنا الإعلامي تغيَّر تغيرًا حادًا في الفترة الأخيرة، فصرنا نذم أنفسنا ولا نرى فيها ميزة واحدة. ونمدح (اﻵخر) بلا حدود!. وبين هذين الخطابين المتناقضين ضاعت حقائق كثيرة، وضاع معها حق الجمهور في المعرفة .

إن مخاطبة الجميع بخطاب متوازن يُخرج الإعلام العربي من هذا المأزق الذي وضع نفسه فيه، ولا يكون ذلك إلا بالتواصل المباشر مع الجمهور بكافة مستوياته وتوجهاته العقيدية للاطلاع على رغباتهم والتعرف على أفكارهم وصورة الإعلام العربي في عيونهم.

كما يحتاج الأمر إلى دراسة واعية لاهتمامات وعادات الشعوب، والمشكلات التي يعانون منها، وحاجاتهم الاجتماعية الملحة.

إن الإسلام في جوهره خطاب إلى الناس كافة، "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ " الأنبياء: 107.

وحين نسمع قول النبي : «كل ابن آدم خطاء ...» الحديث (مسند أحمد)، ندرك أن المجتمع

المسلم يقبل الخطائين إذا تابوا؛ لذا وجب علينا مخاطبة اخر شريطة أن يقبل بوجودنا.

الوصية الثانية: استخدام لغة مهذبة راقية:

من المؤسف أن يكون الإعلام العربي وسيلة لنشر المفردات السوقية والألفاظ الخادشة للحياء بدعوى (الحرية) سواء من خلال الدراما أم من خلال الحوار المباشر.

ورغم أن هذه المفردات ترددها وسائل الإعلام الغربية كثيرًا وتعد أمرًا مقبولاً لديهم إلا أن مرشحي الرئاسة الأمريكية: دونالد ترامب، وهيلاري كلينتون، تعرضا لانتقادات حادة لخروجهما على حدود اللياقة، واستخدامهما ألفاظا قبيحة أثناء المناظرة على الهواء (10 أكتوبر 2016).

فإذا كان الغرب يحافظ على الحد الأدنى من أخلاقيات الإعلام، فلا ينبغي لإعلامنا العربي أن ينحدر بالمجتمع إلى ما دون ذلك، بل حري بنا أن نطمح أن يصبح إعلامنا وسيلة ارتقاء أخلاقية، ورحم الله أستاذنا الإعلامي الكبير، والأديب الشاعر (فاروق شوشة) (17 فبراير 1936ــ 14 أكتوبر 2016) والذي شنف آذاننا لسنوات عبر الأثير من خلال برنامجه الشهير (لغتنا الجميلة)، إذ لن تخلو الساحة الإعلامية العربية من فرسان الكلمة الراقية، هؤلاء الذين يجب أن يتخذهم إعلاميونا قدوة في انتقاء المفردات التي يخاطبون بها الناس .

الوصية الثالثة: توثيق المعلومة:

التوثيق مرحلة من مراحل بيع وشراء العقارات والأشياء الثمينة، وهو إجراء قانوني يقوم به الموثق بعد التحقق من أهلية طرفي التعاقد لإبرام التصرف، والأهلية تعني: الرشاد، وقد وصف القرآن الكريم الراشدين في قول الله تعالى:

"وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ" (الحجرات: 7)

إننا نحن في حاجة إلى هؤلاء الراشدين والذين وصفتهم اﻵية الكريمة لنعهد إليهم بحمل أمانة الكلمة، وهم -كما وصفهم القرآن الكريم- يحبون الإيمان وقد زينه الله في قلوبهم، ويكرهون الكفر والفسوق والعصيان.

وهذا يحيلنا على صفات الإعلامي المسلم التي ينبغي أن تكون قانونا يحكم الجميع.

والمعلومة الموثقة الصحيحة هي ما وردت في كتاب الله، وفيما ثبتت صحته من سنة النبي ﷺ، ثم ما يقبله العقل السليم مما يخضع لقانون السببية.

ما عدا ذلك يجب على الإعلام أن يضرب به عرض الحائط. ولا يعتد بخبر يُذاع عشرات المرات عبر مئات القنوات الأخرى، فالعبرة ليست بالكثرة،

"قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (المائدة: 100)

الوصية الرابعة: استثمار الأحداث:

عشرات السنين مضت على أحداث (الهولوكست) (1941- 1945) والتي يدعي فيها اليهود أن ألمانيا قتلت الملايين منهم حرقا! ورغم مرور هذه المدة الطويلة فلا يزال الكيان الصهيوني يحصل حتى الآن على تعويضات مالية من الدولة الألمانية، بل ويحصل على تعاطف دولي دفع العالم لإصدار قانون يجرم إنكار محارق النازية!

ويُعد هذا العمل استثمارًا مثاليًا لحدث تاريخي لتحقيق أكبر عائد مادي ومعنوي، وهذا ما نفتقده في إعلامنا العربي والإسلامي؛ والأحداث التي تعرّض لها المسلمون لما يشبه الإبادة الجماعية فهي كثيرة، وماثلة أمام اﻷعين إلى يومنا هذا، من أشهرها: أحداث البوسنة والهرسك: (1992- 1995)، هذا البلد الصغير في قلب أوروبا ذو الأغلبية المسلمة والذي يضم ستة ملايين مسلم ونصف مليون يتبعون ديانات أخرى، فما إن أعلنت هذه الجمهورية استقلالها حتى انهالت عليها الهجمات من الصرب والكروات، ووصل إجمالي عدد القتلى 300.000 ثلاث مئة ألف مسلم، وتعرضت سبعون ألف امرأة مسلمة للاغتصاب، وقام الصرب بهدم 800 مسجد، من بينها مساجد أثرية يرجع تاريخها للقرن السادس عشر الميلادي، وأحرقوا مكتبة سراييفو التاريخية، وفي مذبحة (سربرينتسا) وحدها قتلوا في يوم واحد 1200 مسلم من الذكور، واغتصبوا النساء ثم قاموا بترحيلهن .

ولم تنته الحرب الظالمة على البوسنة والهرسك إلا بعقد اتفاقية دايتون للسلام التي فرضت مجلسًا رئاسيًا من الصرب والكروات والبوسنيين لحكم البلاد.

ومما يؤسَف له أننا لم نعثر في إعلامنا العربي والإسلامي على ذكر لهذه الحرب العنصرية، ولم نسمع استثمارًا للحدث بشأن المذابح التي تعرض لها مئات اﻵلاف من المسلمين في قلب أوروبا

وفي العراق، وبعد عشرين عامًا من القصف والحصار والدمار، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية أن العراق لم يكن يمتلك أسلحة دمار شامل، بعد كل هذا الخراب، وبعد كل هذه الدماء، يصرحون هكذا ببساطة بأنهم كانوا مخطئين في حساباتهم، وأن دمار دولة عربية مسلمة، ومقتل أكثر من مليونين من أبنائها كان على سبيل الخطأ.

إن استثمار الأحداث صناعة إعلامية تحتاج إعلاميين مهرة، يؤمنون برسالتهم.

الوصية الخامسة: العناية بالتاريخ الحديث:

نشأ خلال العقود الستة الماضية جيل - بل أجيال- منبتّة الصلة بماضيها وتاريخها، تعرف من التاريخ بعض الأسماء والأحداث، والتي لا تمثل لهذا الجيل دلالة ما، ومن ثَم نشأ جيل من الإعلاميين العرب والمسلمين يجهلون تاريخهم، وقد نتج هذا الأمر عن تراجع حاد في مستوى التعليم في بلادنا، وإذا كان هذا يمثل علامة خطر على تراجع الأمة في مجالات العلوم فإنه يمثل كارثة فيما يتعلق بتاريخ الأمة الحديث.

إن محو ذاكرة الأمة هو اقتلاع لجذورها الضاربة في عمق التاريخ، فإذا ألقينا نظرةً على أقسام التاريخ بجامعاتنا العربية، وجدنا القاسم المشترك بين كل هذه المناهج، وهو تلك الحلقة المفقودة بين القديم والحديث.

ولو أخذنا مصر نموذجا، لاحظنا هذا الانقطاع واضحًا، فهناك التاريخ الفرعوني، ثم القبطي، يليه الفتح الإسلامي لمصر، وفجأة يقفز التاريخ إلى مرحلة ما يسمونه الاستعمار الحديث، وغني عن البيان، فإن هذا الموضوع يحتاج مقالًا خاصًا.

إلا إنني أشير هنا إلى ما رسخ في أذهان الكثيرين من أبناء هذا الجيل من خلال وسائل الإعلام أن تاريخنا الحديث ما هو إلا احتلال أجنبي لبلادنا قامت ضده ثورات وحركات مقاومة انتهت بإعلان الاستقلال. وما كان هذا التصور السطحي الساذج لتاريخنا الحديث إلا لانقطاع الصلة - بإهمال شديد- أو بسوء نية، بينه وبين تاريخنا القديم.

إن التاريخ حلقات متصلة، يسلم بعضها بعضا، فإذا سقطت منها حلقة لم نستطع أن نفهم أو نفسر ما يليها من حلقات.

وللإعلام دوره المهم في هذا المجال، وإلا فليُجب أحدهم على هذه الأسئلة:

لماذا تفتت العالم الإسلامي لدول ودويلات صغيرة؟

ولماذا تقع كل الحروب ان أو معظمها داخل بلاد المسلمين؟

وكيف نستطيع أن نحل أزمات العالم الإسلامي ونحن لا نعرف أسبابها؟

وأسئلة كثيرة أخرى لا تجد إجابة شافية؛ نظرا لغياب المعلومات الصحيحة عن الجمهور، بل وحتى عن الإعلاميين أنفسهم والذين يحتاجون احتياجا ماسًا إلى هذه المعلومات التاريخية عن طبيعة الصراعات الحالية وجذورها حتى يتمكنوا من أداء رسالتهم المنوطة بهم.

إن إعلامًا بغير معلومات هو إعلام عاجز؛ ففاقد الشيء لا يعطيه، بل ينبغي أن يبحث عنه حتى يجده ويقدمه للناس كاملا غير منقوص.

(يتبع)

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

الأكثر اطلاعا خلال شهر

ظاهرة الطلاق المبكر تصاعد ينذر بالخطر

ظاهرة الطلاق المبكر تصاعد ينذر بالخطر

 د. أحمد عبد الهادي علي حسن

مقالات في دفع ما يورد على قاعدة (الحاجة تنزل منزلة الضرورة) من إشكالات

مقالات في دفع ما يورد على قاعدة (الحاجة تنزل منزلة الضرورة) من إشكالات

 أ.د. حسن صلاح الصغير - أستاذ الفقه بكلية...

وعظ وتنبيه لمن انتهى عن التعامل بالربا وتهديد ووعيد لمن عاد مستحلا له

وعظ وتنبيه لمن انتهى عن التعامل بالربا وتهديد ووعيد لمن عاد مستحلا له

 أ.د/ عبد الفتاح العواري عميد كلية أصول...

إلى القرآن

إلى القرآن

 فضيلة الشيخ/ محمود شلتوت ،شيخ الأزهر...

كلمة فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمَد الطَّيِّب شيْخُ الأزهر الشريف

كلمة فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمَد الطَّيِّب شيْخُ الأزهر الشريف

 بمُناسَبَةِ احتفال بيت العائلة...

الإعجاز القرآني في حذف بعض حروف العطف..مواقعه وأسراره

الإعجاز القرآني في حذف بعض حروف العطف..مواقعه وأسراره

 أ.د/ عبد الله سرحان- عميد كلية الدراسات...

وقفات مع لغة القرآن ( من علامات أهل الإيمان )

وقفات مع لغة القرآن ( من علامات أهل الإيمان )

 أ. د عادل محمد إبراهيم حسن

الاستحباب في القرآن الكريم

الاستحباب في القرآن الكريم

 أ.د/ عبد المنعم عبد الله حسن

الحكم الفقهى ديانة وقضاء

الحكم الفقهى ديانة وقضاء

 أ.د/ عباس شومان وكيل الأزهر الشريف سابقًا

الفضيلة لدى مفكري المسلمين

الفضيلة لدى مفكري المسلمين

 أ.د/ محمود حمدي زقزوق - عضو هيئة كبار...

علاقة علوم اللغة العربية بالعلوم الإسلامية

علاقة علوم اللغة العربية بالعلوم الإسلامية

 أ. د. نظير محمد عياد رئيس التحرير

المسلمون حول العالم

المسلمون حول العالم

 إعداد الأستاذ: أحمد رضوان

من تراث مجلة الأزهر

من تراث مجلة الأزهر

 إعداد: محمد المعصراني - وهاجر جاد الحق

أنباء الأزهر

أنباء الأزهر

 الأستاذ/ محمود الفشني مدير عام التحرير

بين المجلة والقارئ

بين المجلة والقارئ

 إعداد د/ أحمد صابر

12

بحث حسب التاريخ

العدد الحالي

فهرس العدد

من أغلفة المجلة

حقوق الملكية 2022 مجلة الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg