| 30 نوفمبر 2021 م

نحو النهوض باللغة العربية

أ. د/ محمد بلاسي - عضو المجلس العالمي للغة العربية

  • | الجمعة, 10 فبراير, 2017
نحو النهوض باللغة العربية

واقع اللغة العربية في العصر الحديث:

حين قُيض لمحمد علي باشا أن يتسلم حكم مصر عام 1805م، بدأ بإنشاء دولة حديثة تقوم على العلم والمدنية؛ فأرسل البعثات الدراسية إلى أوروبا، وفتح عددًا من المدارس العسكرية والطبية والهندسية وغيرها.

ومن الأمور التي تفردت بها مصر في ذلك العصر: أن اللغة العربية صارت لغة الحكومة الرسمية، ولغة التدريس في جميع المدارس الجديدة(1).

أما في الشام، فقد عملت الإرساليات التبشيرية للدول الأجنبية في القرن التاســـع عشر على تدريس العربية، وسعت إلى نشرها؛ مدفوعة بدوافع سياسية تهدف إلى تقويض الخلافة العثمانية التي بالغت في أواخر عهدها في تتريك العرب وإجبارهم على التخلي عن لغتهم(2).

وكان من مآثــر محمد علي في مصر: تأسيسه لمدرسة الطب التي عدت أكبر مظهر من مظاهر النهضة العلمية؛ إذ شهدت تعليم العلوم الحديثة باللغة العربية طيلة سبعين عامًا برز خلالها الكثير من الأساتذة والمترجمين الذين خدموا العربية خدمات جليلة.

وقد كانت هذه المدرسة التي أسست عام 1836م، مَعْلمًا بارزًا في ابتعاث العربية الفصحى وتطويعها؛ لاستيعاب العلوم الحديثة ومصطلحاتها بعد ذلك الانقطاع الطويل بين الفصحى والعلم عصورًا متتابعة.

ولا بدّ من الإشارة إلى تلك الحماسة التي كانت تملأ النفوس، والإخلاص الذي كان يعمـر القلوب لدى أولئك النفر من العلماء الذين كانوا روّادَ نقلِ العلوم الحديثة إلى لغتنــا.

غير أنّ الإنجليز حين احتـلوا مصر عام 1883م سارعوا إلى جعل التدريس في مدرسة الطب بالإنجليزية؛ وكان ذلك انتكاسًا أصاب العربية الناهضـة آنئـذ(3).

وإنّ من يراجع الوثائق التي بدأت بها عملية الاحتـلال البريطاني لمصر؛ يكشف أنّ أول أعمال الاحتلال هو وضع خطة لتحطيم اللغـة.

يبدو ذلك واضحًا في تقـرير (لورد دوفـرين) عام 1882م، حين قال: «إنّ أمل التقدم ضعيف (في مصـر) ما دامت العامة تتعلم اللغة العربية الفصيحة».

وقد توالت هذه الحرب ليس في مصر وحدها، بل في الشام والمغرب بأقطـاره كلها في محاولات قدمها (كرومـر) و(بلنت) من ناحية، و(لويس ماسينيون) و(كولان) في المغرب من ناحية أخرى(4).

وكان التعليم في البلاد العربية المحتلة يتم كله باللغات الأجنبية: (الإنجليزية: في مصر والسودان والعراق)، و(الفرنسية: في سورية وتونس والجزائر والمغـرب)؛ فقد كانت خطة النفوذ الأجنبي ترمي إلى:

أولًا: تحويل أبجدية اللغات الإقليمية إلى اللاتينية، وكانت تكتب أساسًا بالحروف العربية.

ثانيًا: تقديم اللغات الأجنبية في الأقطار الإسلامية على اللغة العربية.

ثالثًا: تقديم اللهجات واللغات المحلية وتشجيعها والدعوة إلى كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية.

رابعًا: ابتعاث الطلاب إلى دول الغرب لدراسة لغاته، وكان ذلك إيمانًا بأن اللغة هي الوجه الثاني للفكـر، وأنّ من يجيد لغته لا بد أن يعجب بتاريخها وفكرها ويصير له انتماء من نوع ما إلى هذه الأمة(5).

هذا؛ وكانت الحملة على اللغة العربية الفصحى من خلال حجج ضعيفة واهية منها: صعوبة اللغة، ومنها التفاوت بينها وبين العامية، وكان فرض اللغات الأجنبية من مختلف أقطـار الأمة الإسلامية عاملًا هامًا في فرض ثقافاتها ووجهة نظر أهـلها، والوقوف موقف الإعجاب بالغاصب والعجز عن مواجهته، ومن يدرس تجـارب التعليم الغربي في البلاد العربية يجد الولاء الواضح للنفوذ الغربي(6)!

غير أنّ العربية الفصحى في هذا العصر استطاعت أن تقاوم -بطبيعتها القوية النامية وباستنادها إلى تراث روحي وأدبي - جملة من المشكلات والعوائق التي عملت على إزاحتها عن الحياة.

وهكذا صارت دعوات تغيير الحروف العربية والاستعاضة عنها باللاتينية، ومحاولات مسخ العربية بادعاء أنّ العاميات هي أصدق تمثيلًا للحياة من الفصحى، ونزعات التتريك والفَرْنَجة ونحوها – أثرًا بعد عين، ولم يعد لهذه الافتراءات من أنصـار باستثناء بعض العملاء الذين ارتضوا أن يكونوا أذنابًا للاستعمار ينفذون مؤامراته على الأمة العربية؛ غدرًا بحضارتها، وطعنًا بلغتها، وهدمًا لمقوماتها، وهم في كل هذا مخفقــون لا محالة(7).

وكان من حصاد هذه المرحلة الموّارة بالحماسة العربية: تأسيس المجمع العلمي العربي بدمشق عام 1919م، وإنشاء معهدي الطب والحقوق اللذين شكَّلا نواة الجامعة السورية (جامعة دمشق الآن)، وكان شرط الحكومة في تسمية الأساتذة أن يحسنوا التدريس باللغة العربية؛ لأنها اللغة الرسمية للجامعة(8).

لذلك اطرد الاهتمام الرسمي بالعربية الفصحى؛ فأنشئ مجمع اللغة العربية في مصر (مجمع الخالدين) عام 1932م، بعد محـاولات فردية سعت إلى تأليف لجان ومجامع لرعاية العربية وتطويرها، وأنشئ بعد ذلك المجمع العلمي العراقي في بغـداد عام 1947م؛ للعناية بسلامة اللغة وجعلها وافية بمطالب التعليم والحياة الحاضرة.

وتوالى بعد ذلك إنشاء الجامعات والمراكز العلمية واللغوية التي أخذت على عاتقها مهمة حماية اللغة وتطويرها، ومن أهم ذلك: إنشاء مكتب تنسيق التعريب في الرباط عام 1961م، وتأسيس مجمع اللغة العربية الأردني في عمّـان عام 1976م، ومن بعد مجامع اللغة العربية في كلٍّ من السودان وليبيا والجزائــر(9).

وعن لغة التقنية والعلوم:

على أنه ينبغي أن تتواصل الجهود لتحديث اللغة العربية اصطلاحًا وتقنية حتى تواكب هذا التسارع الهائل في العلوم المستحدثة في العالم، لا سيما علوم الحاسوب والاتصال والإعلام؛ فلا خوف الآن على لغة الأدب؛ لأنّ تراثنا الأدبي القديم ونتاجنا الجـديد يدعمانها ويعملان على ترقيتها باستمرار. أما لغة العلم فليست على حال مرضية؛ لأسباب كثيـرة أهمها(10):

1- بطء حركة التعريب، لا سيما تعريب الطب والهندسة؛ فمع أن الدساتير العربية الحديثة أقرت العربية لغة للدولة والحياة في كل مجـال، إلَّا أن معظم الجامعات العربية استمرت على تدريس الطب والعلوم والهندسة ونحوها باللغات الأجنبية، لا سيما بالإنجليزية.

2- الافتقار إلى المصطلحات المناسبة لنقل العلوم والهندسة ونحوها من الجوانب العلمية المتعددة، والاختلاف حول ما هو موجود. فمع الاتفاق الظاهري المعلن في المؤتمرات العلمية واللغوية، بقيت فوضى المصطلحات العلمية وغيرها تعصف بالكتب التعليمية والرسائل الجامعة ومن قطر إلى آخر دون أن تكون هناك رقابة حقيقية على الالتزام بالمصطلحات الموحدة والمتفق عليها.

3- قلة المراجع العلمية العربية المؤلفة والمترجمة، وتباطؤ الجهود المبذولة في هذا المجال.

لقد كانت بداية التعريب نهضة حقيقية للتأليف العلمي الحديث في اللغة العربية، ويكفي المرء أن يلم بأسماء المؤلفات التي وضعها أو ترجمها أساتذة الطب والعلوم والقانون في دمشق منذ عام 1919م؛ ليقف على مبلغ ذلك النشاط العلمي المثمر، لكن ظروفًا مادية ومعنوية جعلت المتخصصين في الجامعات العربية عامة ينصرفون عن التأليف الجاد والترجمة والمتابعة إلى الوفاء بمتطلبات التعليم الآنية.

4- تقصير الجامعات والهيئات العلمية المختصة في إحياء تراث العرب العلمي، وتدريس الصالح منه، وتقديم معلومات وافية عن تاريخ العلوم عند العرب، وجعلها مقررات دراسية تشمل كافة الفروع.

والحق أنّ معظم الجامعات العربية بدأت تسعى لتلافي ما ذكـرنا من قصور؛ حيث إنّ آفاق التعريب أضحت تتوسع باطراد؛ نظرًا لأن الإرادة القومية تبعث فيها المزيد من القوة باستمرار، ولم يعد جعل العربية وسيلة كل مختص للتعبير عن عمله شعارًا، بل واقعًا يُرجَى ترسيخه والبناء على أساسه بإخلاص(11).

(1) مدخل إلى فقه اللغة العربية: د. أحمد محمد قـدور، ص154، 155 - بتصرف يسير-، الطبعة الثالثة - دار الفكر بدمشق، سنة 1424هـ.

(2) المرجع السابق: ص 155، 156.

(3) نفس المرجع: ص155.

وينظر: المصطلحات العلمية في اللغة العربية: مصطفى الشهابي، ص43، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، سنة 1988م.

(4) مقومات العالمية في اللغة العربية وتحدياتها في عصر العولمة: د. عبد الرزاق عبد الرحمن السعدي، ص55، (بحث منشور في مجلة آفاق الثقافة والتراث، العدد الثالث والثلاثون، شوال 1429هـ، الناشر: مركز جمعة الماجـد للثقافة والتراث في دبي).

(5) مقومات العالمية في اللغة العربية وتحدياتها في عصر العولمة: ص55.

(6) المرجع السابق: ص 55، 56.

(7) مدخل إلى فقه اللغة العربية: ص159.

(8) المرجع السابق: ص157، 158

(9) نفس المرجع: ص158 – بتصرف.

(10) مدخل إلى فقه اللغة العربية: ص159 – 161، - باختصار -.

(11) المرجع السابق: ص161، 162.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

الأكثر اطلاعا خلال شهر

التربية الإسلامية وثقافة قبول الآخر

التربية الإسلامية وثقافة قبول الآخر

 د. أمان محمد قحيف

مقالات في دفع ما يورد على قاعدة (الحاجة تنزل منزلة الضرورة) من إشكالات

مقالات في دفع ما يورد على قاعدة (الحاجة تنزل منزلة الضرورة) من إشكالات

 أ.د. حسن صلاح الصغير - أستاذ الفقه بكلية...

دعوة الإسلام إلى الوقاية من الأمراض ومن مرض (الإيدز)

دعوة الإسلام إلى الوقاية من الأمراض ومن مرض (الإيدز)

 أ.د/ أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء

مِن ملامح الأدب الأصيل

مِن ملامح الأدب الأصيل

 د. عمر محمد إبراهيم

المسلمون حول العالم

المسلمون حول العالم

 إعداد الأستاذ: أحمد رضوان

دوحة الشعر..من رحيق تجارب الشعراء.. في ذكرى ميلاد خاتم الأنبياء

دوحة الشعر..من رحيق تجارب الشعراء.. في ذكرى ميلاد خاتم الأنبياء

 أ.د/ صابر عبد الدايم يونس -رئيس رابطة...

من أسرار تنوع التشبيه في القرآن الكريم مع كلمة (مثل)

من أسرار تنوع التشبيه في القرآن الكريم مع كلمة (مثل)

 أ.د. سلامة جمعة داود - رئيس قطاع المعاهد...

أنباء الأزهر

أنباء الأزهر

 الأستاذ/ محمود الفشني مدير عام التحرير

استفتاءات القراء

استفتاءات القراء

 يجيب عنها: لجنة الفتوى بالأزهر الشريف

صبر أولي العزم من الرسل الكرام

صبر أولي العزم من الرسل الكرام

 د/ رمضان رمضان متولي

وقفات مع لغة القرآن.. طلاقة القدرة الإلهية

وقفات مع لغة القرآن.. طلاقة القدرة الإلهية

 أ. د. عادل محمد إبراهيم حسن

الإعجاز القرآني في حذف حروف المباني والمعاني

الإعجاز القرآني في حذف حروف المباني والمعاني

 أ.د/ عبد الله سرحان- عميد كلية الدراسات...

بين المجلة والقارئ

بين المجلة والقارئ

 إعداد د/ أحمد صابر

صفحات من تاريخ الأقصى

صفحات من تاريخ الأقصى

 أ.د. عبد الغنى عبد الفتاح زهرة

12

بحث حسب التاريخ

العدد الحالي

فهرس العدد

من أغلفة المجلة

حقوق الملكية 2021 مجلة الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg