| 21 يناير 2022 م

من مبتدعات قراء القرآن الكريم (الجمع بين القراءات في المحافل)

أ.د / رضا عبد المجيد المتولي أستاذ التفسير -كلية أصول الدين بالمنصورة

  • | الأربعاء, 15 فبراير, 2017
من مبتدعات قراء القرآن الكريم  (الجمع بين القراءات في المحافل)

نرى بعض القراء في المحافل يقرأ آية أو جملة منها بقراءة ثم يكرر ذلك بقراءة ثانية وثالثة، وهكذا حتى يستوعب جميع الروايات أو معظمها في الآية، ثم ينتقل إلى الآية الثانية فيسير فيها سيره في الأولى إن شاء وهكذا حتى يفرغ من قراءته. وهذا النهج من القراءة بدعة سيئة ما أنزل الله بها من سلطان.

قال ابن تيمية: «إن جمع القراءات في الصلاة أو في التلاوة بدعة مكروهة»(1).

وقال الإمام ابن الجزري: «وأما ما أحدثه بعض المتأخرين من أنهم يقرءون بالجمع كلمةً كلمةً، فبدعه وحشة، تخرج القرآن عن مقصودة ومعناه، ولا يحصل منها مراد السامع، والله تعالى أعلم بما على من يتعمد ذلك»(2).

وقال الإمام السخاوي: «وخَلْط بعض القراءات ببعض عندنا خطأ»(3).

والخلاصة: أن الجمع في المحافل بدعة منكرة، لا ينبغي إقرارها ولا السكوت عليها، كما قال العلامة الشيخ الحصري يرحمه الله تعالى(4).

وللأستاذ الدكتور محمد رجب البيومى كلام طيب عن هذه البدعة من القراء، وموقف شيخ القراء والأزهر سابقاً منها، فقال - يرحمه الله تعالى-:

«نحن نعرف أنَّ للقرآن عدة قراءات، وأن القارئ إذا التزم بقراءة لا ينصرف عنها في المجلس الواحد إلى قراءة أخرى إلاَّ في حلقات (التعلُّم) حين تكون التلاوة لحفظ القراءة في مجلس أئمة المقرئين، أما ما في المناسبات العامة ذات الحفل المشهور فالقراءة الواحدة واجب مفروض، وقد بلغت الصنعة من قارئ أن يقرأ قول الله تعالى:

"وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ" (يوسف: 23)

فيكرر عشر قراءات لهذا اللفظ وفي بعضها الشاذ المنحرف الذي لم تأت به قراءة سبعية والسامعون مِن مَنْ ليس لهم علم بالقراءات يتصايحون معجبين. فهل بلغ الهزء بكتاب الله إلى هذا الحد من التسفل البغيض، وقد شاعتْ صورة من هذا المنكر أوائل القرن العشرين فأصدر شيخ المقارئ المصرية إذ ذاك الشيخ محمد خلف الحسيني فتوى بمنع تعدُّد القراءة في المحفل الواحد، إلا  في مجالس التعليم عند التلقي من شيوخ القراءات، ثم أكد شيخ الأزهر فتوى شيخ المقارئ حين دعا هيئة كبار العلماء للنظر في موضوعها فعرضوا نصوص الأئمة من أمثال ابن الجزري، والصفاقسي، والسيوطي، والأشموني، والداني، وكلها تجمع على ضرورة الالتزام بالقراءة الواحدة في المجلس الواحد إلا لضرورة التعلم في مجلس التدريس، كما أجمعوا على أنه لا تجوز القراءة برواية غير مشتهرة في بلدٍ لا يقرأ هذه القراءة إلا إذا وجد في المجلس عالمٌ كبير درس القراءة المشار إليها، ليعرف مبلغ القارئ من الصواب، بمعنى أن القطر المصري مثلاً ملتزمٌ بقراءة حفص عن عاصم، فلا يجوز لقارئ أن يقرأ بقراءة ورش عن نافع إلا مع حضور عالم بهذه القراءة، وهذا الشرط قد نستغني عنه الآن، لأن شرائط التسجيل للقراءات المختلفة لا تسجل إلا بعد موافقة الدارسين من ذوي الاختصاص»(5).

آثار هذه البدعة:

ولهذه البدعة آثار سيئة منها ما يلي:

1- الإحالة دون فهم كتاب الله تعالى وتدبر معانيه.

وفي ذلك يقول الشيخ الحصري: «إن في الجمع بين القراءات تكرارًا يقطع على السامع سلسلة تتابع المعاني، ويضطره - طوعاً أو كرهًا- إلى أن يحضر ذهنه في التفكير في الروايات المختلفة التي تطرق سمعه، فيحول ذلك بينه وبين المقصود الأعظم من سماع القرآن، وهو فهمه وتدبره والانتفاع بما فيه من رشاد وهداية وعظة وعبرة»(6).

2- الاستخفاف بالقرآن الكريم ممن لا يعرفون علم القراءات.

جاء في (الفتاوى التتارخانية): «الصواب ألا يقرأ القرآن الكريم بالقراءات العجيبة والروايات الغريبة بين العوام والجهال وأهل القرى والجبال، فلعلهم يستخفون ويضحكون فيكفرون»(7).

3- الإخلال بنظم القرآن الكريم، وتضييع رونق التلاوة وجمال الأداء.

4- الوقوع في الخطأ أثناء الأداء. قال الشيخ علي خليل يرحمه الله: «ومن تعرض للجمع بين القراءات فقلما يسلم من الخطأ»(8).

5- أن الجمع بين القراءات إن قرأ القارئ به على أنه رواية فذلك ممتنع، وهو أمرٌ معيب عند المحدثين وأولى به أن يكون معيبا عند القراء إذ هو تدليسٌ في الرواية وخلط للقراءات(9).

وذلك أن كل قراءة لها سندها الخاص بها فإفراد كل قراءة على حدة أشبه برد المتن إلى سنده الخاص به، والجمع بين أكثر من قراءة أشبه بتركيب متون مختلفة على غير أسانيدها الخاصة المروية بها.

6- العجب والرياء والفخر والخيلاء، وحب الظهور، والقصد إلى التفوق على الأقران.

هذا وإنَّ في إفراد كل قراءة على حدة إبعادا للقارئ عن الخطأ، وإعانة له على السلامة في الأداء، وأشبه برد كل متنٍ إلى سنده وطريقه الخاص به كما سبق.

قال الأستاذ الشيخ علي محمود خليل: «لا يجوز للقارئ بقراءتين أو أكثر أن يجمع بين قراءتين في مقام واحد، بل عليه أنْ يفرد كلَّ قراءة عن أُختها فيلتزم قراءة واحدة حتى يفرغ من قراءته أو من جملة آيات على قراءة واحدة، ثم يرجع إذا شاء فيقرأ ما قرأه بقراءة ثانية وثالثة وهكذا، وهذه الطريقة تعرف عند القُراء بطريقة الإفراد، لأن القارئ فصل وأفرد كل قراءة على حدة، ولم يدخل على القراءة غيرها، وهذه هي الطريقة المثلى لقراءة القرآن، فهي أبعد عن الخطأ، وأسلم في الأداء، وهي أشبه برد كل حديث إلى سنده الخاص به من غير تركيب للمتن على غير سنده»(10).

وفي ذلك يقول الدكتور الشيخ محمد أبو شهبة: «ولعل في هذا زاجرا، وواعظا لبعض القراء الذين يذهبون جمال القرآن بذكر القراءات في اللفظة الواحدة من غير فصل بين قراءة وأخرى، ويريدون إظهار المهارة في القراءات، وما هو -علم الله- من المهارة في شيء، وإنما هو إغرابٌ وإشكال على السامعين، وعدم مراعاة لما يليق بالقرآن، والتأدب في قراءته»(11).

وبهذا يتبين أنه يجب على القارئ شرعا أن يلتزم في قراءته للقرآن الكريم بالقراءة المشهورة لدى أهل بلده، ولا يحيد عنها، إذ إن ذلك من باب مخاطبة القوم بما يفهمون، لكن القراءة غير المعلومة لدى أهل البلد تحدث لديهم لبساً وشكاً. والله أعلى وأعلم.

 

(1) مجموع فتاوى لابن تيمية، جمع وترتيب/ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي الحنبلي 13 / 404، ط / مكتبة النهضة الحديثة، أصول التفسير لابن تيمية صـ 79، ط / دار الفكر اللبناني.

(2) منجد المقرئين ومرشد الطالبين، للإمام/ محمد بن محمد بن الجزري صـ 83، نشر وتوزيع / مكتبة جمهورية مصر.

(3) جمالُ القراء وكمال الإقراء، للإمام السخاوي 2 / 642.

(4) مع القرآن الكريم، للشيخ / محمود الحصري صـ 81.

(5) مقال للأستاذ الدكتور / محمد رجب البيومي بعنوان (نشاز في تلاوة القرآن) جريدة صوت الأزهر صـ4، عدد الجمعة الموافق 12 محرم 1422هـ/6 إبريل 2001 م.

(6) مع القرآن الكريم، للشيخ محمود خليل الحصري صـ 81.

(7) مقال بعنوان (لحن القراء بالإذاعة وأسبابه وحكمه) للشيخ / محمد محمد جابر، جريدة صوت الأزهر صـ11، عدد الجمعة 24 صفر 1422هـ/ 18 مايو 2001م، نقلاً عن مجلة الأزهر -  المجلد السادس والعشرين 1374هـ-1954م.

(8) مذكرات في علوم القرآن للسنة الرابعة، للشيخ / على محمود خليل صـ 46، ط / دار شوشة.

(9) المرجع السابق.

(10) مذكرات في علوم القرآن للسنة الرابعة، للأستاذ الشيخ / على محمود خليل صـ 45، ط / دار شوشة للطباعة.

(11) المدخل لدراسة القرآن الكريم، للأستاذ الدكتور الشيخ / محمد أبو شهبة صـ 396.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
2.8

الأكثر اطلاعا خلال شهر

ظاهرة الطلاق المبكر تصاعد ينذر بالخطر

ظاهرة الطلاق المبكر تصاعد ينذر بالخطر

 د. أحمد عبد الهادي علي حسن

مقالات في دفع ما يورد على قاعدة (الحاجة تنزل منزلة الضرورة) من إشكالات

مقالات في دفع ما يورد على قاعدة (الحاجة تنزل منزلة الضرورة) من إشكالات

 أ.د. حسن صلاح الصغير - أستاذ الفقه بكلية...

إلى القرآن

إلى القرآن

 فضيلة الشيخ/ محمود شلتوت ،شيخ الأزهر...

وعظ وتنبيه لمن انتهى عن التعامل بالربا وتهديد ووعيد لمن عاد مستحلا له

وعظ وتنبيه لمن انتهى عن التعامل بالربا وتهديد ووعيد لمن عاد مستحلا له

 أ.د/ عبد الفتاح العواري عميد كلية أصول...

كلمة فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمَد الطَّيِّب شيْخُ الأزهر الشريف

كلمة فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمَد الطَّيِّب شيْخُ الأزهر الشريف

 بمُناسَبَةِ احتفال بيت العائلة...

الإعجاز القرآني في حذف بعض حروف العطف..مواقعه وأسراره

الإعجاز القرآني في حذف بعض حروف العطف..مواقعه وأسراره

 أ.د/ عبد الله سرحان- عميد كلية الدراسات...

الاستحباب في القرآن الكريم

الاستحباب في القرآن الكريم

 أ.د/ عبد المنعم عبد الله حسن

علاقة علوم اللغة العربية بالعلوم الإسلامية

علاقة علوم اللغة العربية بالعلوم الإسلامية

 أ. د. نظير محمد عياد رئيس التحرير

الحكم الفقهى ديانة وقضاء

الحكم الفقهى ديانة وقضاء

 أ.د/ عباس شومان وكيل الأزهر الشريف سابقًا

الفضيلة لدى مفكري المسلمين

الفضيلة لدى مفكري المسلمين

 أ.د/ محمود حمدي زقزوق - عضو هيئة كبار...

وقفات مع لغة القرآن ( من علامات أهل الإيمان )

وقفات مع لغة القرآن ( من علامات أهل الإيمان )

 أ. د عادل محمد إبراهيم حسن

المسلمون حول العالم

المسلمون حول العالم

 إعداد الأستاذ: أحمد رضوان

نحو فهم مقاصدي للسُّنَّة النبوية المطهرة

نحو فهم مقاصدي للسُّنَّة النبوية المطهرة

 د. أسامة إبراهيم محمد

من روائع الماضي: عبقرية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الإدارية

من روائع الماضي: عبقرية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الإدارية

 أ/عاطف مصطفى - مدير تحرير مجلة الهلال سابقاً

12

بحث حسب التاريخ

العدد الحالي

فهرس العدد

من أغلفة المجلة

حقوق الملكية 2022 مجلة الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg