| 30 يونيو 2022 م

تيسير معاني القرآن الكريم في أجزائه الثلاثين (سورة الكهف)

أ.د/ محمد المختار المهدي

  • | الأربعاء, 22 فبراير, 2017
تيسير معاني القرآن الكريم في أجزائه الثلاثين (سورة الكهف)

قصة أهل الكهف :

تبدأ بحمد الله -عز وجل- على أن أنزل الكتاب قيما بلا عوج مبشرًا ومنذرًا، مبينًا أن ما على الأرض من زينة قد جعله الله لامتحان البشر: "أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" (الكهف: 7)، ثم إن هذه الزينة لابد أن تزول، إما أن تزول عن الإنسان وهو حي، وإما أن يزول هو عنها فيموت.

فلابد أن تزول، وهذان هما المحوران الأساسيان اللذان تقوم عليهما سورة الكهف، وتأتي السورة في سبيل تحقيق هذين المحورين بكثير من القصص التي تثبت ذلك، ومن أبرزها قصة أهل الكهف، أولئك الذين لم تغرَّهم المناصب، ولم ترهبهم المذابح، وفضلوا الإيمان بالله -عز وجل-، وتركوا كل تلك الزينة، فحماهم الله -عز وجل- وجعلهم للناس آية، هؤلاء تولاهم الله -عز وجل-، وأنامهم ومنع الشمس أن تحرق أجسادهم، وقلّبهم، وألقى عليهم الرعب بحيث لا يعتدي عليهم أحد، ومكثوا" وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا" الكهف: 25 حتى بعثهم الله -عز وجل- آية للعالمين، وأهلك مَن أراد بهم الشّرّ.

صاحب الجنتين:

صاحب الجنتين الذي اغتر بهما وأنكر البعث "يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا" الكهف: 42، فأهل الكهف لم تغرهم الزينة، ولكن صاحب الجنتين أغرته تلك الزينة فأزالها الله -عز وجل- عنه، وتستهدف القصتان بيان حقيقة الحياة الدنيا، فإن "مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ" الكهف: 45، هكذا بسرعة أصبح "هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا" (الكهف :45)، ولا تدوم  إلا الباقيات الصالحات "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا" (الكهف: 46)، والإيمان هو الذي يحمي الإنسان من الاعتراض على القدر، فما يجري في الدنيا شيء إلا لحكمة.

موسى والخضر:

وهذا موسى قد جعله الله -عز وجل- سببًا في توضيح هذه الحِكَم التي يدور عليها الكون ويغفل الإنسان عن إدراكها، فأعلمه الله بأن هناك عبدًا صالحًا عنده علم ليس عند موسى، وبالرغم من أن موسى كليم الله ومن أولي العزم من الرسل، أقسم بأنه سيذهب إليه مهما كلفه ذلك من مشقة ليتلقى منه العلم، وذهب والتقى بالعبد الصالح، وقدم له نفسه على أنه تابع له حتى يأخذ منه بعض ما وهبه الله إياه، فإذا بالعبد الصالح يقول له: إنك متعجل، "إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا" (الكهف: 67)، فيقدم له سيدنا موسى شروط التعلم الصحيح: "قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا" (الكهف: 69)، وبهذا يضع سيدنا موسى لمن يريد أن يتلقى العلم ثلاثة شروط:

أولًا: الإصرار على الوصول إلى العلم النافع مهما كلفه من مشقة.

ثانيا: الصبر على تلك المشقات.

ثالثًا: طاعة المعلم ولو كان المعلم أقل درجة من المتعلم. دخل سيدنا موسى مع العبد الصالح إلى السفينة وكانت "لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ" (الكهف : 79) فخرقها العبد الصالح، فاعترض سيدنا موسى، فذكره بالشرط، ووجد "غُلَامًا فَقَتَلَهُ" (الكهف: 74) فاعترض أيضًا سيدنا موسـى، فأعاد تذكيره، ووجــد العبــد الصــالح "جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ" (الكهف: 77) فاعترض سيدنا موسى، فأنهى المعلم الدرس وجاء البيان لحكمة الله في كل هذه التصرفات، فإن الله -عز وجل- يبعث من شاء لإصلاح الكون ونحن غافلون عن حكمة الله -عز وجل-.

الجزء السادس عشر

من سورة الكهف

يبدأ هذا الجزء بتفسير العبد الصالح للأحداث الغريبة التي اعترض عليها سيدنا موسى، فخرق السفينة كان لمصلحة المســـاكين، فقـــد كان "وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا" (الكهف: 79) فأراد العبد الصالح أن يعيب هذه السفينة حتى لا يأخذها الملك الظالم، وهكذا ينبغي علينا أن نحمي العاملين الصادقين من أخطار هؤلاء الظلمة، ثم هذا الولد الذي قتله العبد الصالح كان سيتسبب في انحراف أبويه عن جادة الطريق لشدة حبهما إياه، فأراد الله -عز وجل- أن يعوضهما بغلام آخر، ثم هذا الجدار الذي أقامه العبد الصالح "فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا" (الكهف: 82)، وقد بلغا أشدّهما، فأراد الله أن يُخرج هذا الكنز لهما لصلاح أبيهما.

ذو القرنين:

ثم تأتي قصة ذي القرنين وهو رجل مكنه الله في الأرض، مكنه من المشرق والمغرب، وأباح له أن يتخذ كل الوسائل في شعبه، فاختار أن يُحقق العدل بجناحيه: عقوبة الظالم، والإحسان إلى المحسن "أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا" (الكهف: 87)، وحين حقق هذا العدل في المغرب انتقل إلى المشرق فحققه أيضًا على سكان المشرق، ثم لم يجلس على مكتبه، ولكن ذهب بنفسه ليتحسس آلام شعبه وليقضي على متاعبهم فيما بين السدين.

يأجوج ومأجوج:

وحين وجد أن" يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ" (الكهف: 94)، وحين طلب مَنْ بين السدين أن يصنع لهم سدًا مانعًا من دخول يأجوج ومأجوج واستعدوا لدفع الضرائب له، رفض وطلب معونة هؤلاء ليتحقق التعاون بين الحاكم والمحكوم، وكلفهم أن يجمعوا له قطع الحديد من الجبال وهو بفنه وهندسته يرصها رصًا سليمًا بين الجبلين، ثم طلب منهم أن يوقدوا النار تحت هذا الحديد وأن ينفخوا فيه، حتى إذا جعله نارًا طلب منهم أيضًا أن يأتوه بقطع النحاس المذاب، أو القطران حتى يصبه على الحديد فإذا بالسد يقام صلبًا لا يستطيع أحد أن ينقبه، أملس لا يستطيع أحد أن يتسلقه، كما قال ربنا: "فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا" (الكهف: 97)، وبعد أن أتم هذا السد لم يقل: أنا الذي أقمت السد، ولكن قال: "قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي ۖ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا" (الكهف: 98)، مستشعرًا ما بدأت به السورة: "إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا(7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا" (الكهف: 7، 8)، وتأتي السورة في خاتمتها بالجزاء لمن أحسن العمل "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا" (الكهف: 107).

سورة مريم

تكريم الله لعيسى وإنعامه على زكريا -عليهما السلام-:

تبدأ بقصة سيدنا زكريا الذي كان وصيًا عليها، سيدنا زكريا كان قد بلغت سنه الكبر وامرأته عاقر، ولكنه خشي من أقاربه أن يفرّطوا في الدعوة بعده، فطلب من ربه ذرية طيبة يربيها لتقوم بهذه الدعوة خير قيام، فاستجاب الله دعاءه، وبشره "بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ" أي بابن خالة سيدنا عيسى ابن مريم "وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ" (آل عمران: 39)، وجعل الله لسيدنا زكريّا علامة لحدوث هذا، إذ سيُغلق عليه الكلام ولا يتكلم إلا بذكر الله، وتأتي بعد ذلك قصة مريم التي سُميت السورة باسمها حينما أراد الله -عز وجل- أن يجعلها آية للعالمين وأن يخلق عيسى منها بلا أب، فجاء سيدنا جبريل وبشرها بغلام فاستغربت "قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا" (مريم: 20)، فكيف يأتي لها غلام؟ "قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ" (مريم:21)، "فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا(22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا"  (مريم:23،22) وهنا استشعرت الحرج الشديد، كيف ستقول لقومها وهم يعلمون أنها بكر؟ فجعل الله آية البراءة في نفس الغلام الذي نطق وهو صبي رضيع: "قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا" (مريم:31،30)، "ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُون(34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ۖ سُبْحَانَهُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ"(مريم: 34، 35) إن عيسى هو" رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ" (النساء: 171)

إبراهيم الخليل مع أبيه:

ثم تأتي قصة إبراهيم في دعوة أبيه الذي كان من عُباد الأصنام، إذ تلطـف معـه في الدعـــوة وقــال له: "يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا" (مريم: 45)، ولكنه حين لم يستطع أن يجيب عليه، هدده، وقال له: "لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا" (مريم: 46)، وخرج سيدنا إبراهيم مهاجرا إلى ربه مطرودًا من أبيه، ومع ذلك يقول له: "سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا" (مريم: 47)، ثم يأتي القرآن الكريم بذكر سيدنا موسى وهارون وبذكر سيدنا إسماعيل الذي "كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا" (مريم: 54)، وبسيدنا إدريس الذي "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا(56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا" (مريم: 56، 57)، أولئك الذين اصطفاهم الله -عز وجل- وطلب منا أن نقتدي بهم، وحذرنا القرآن الكريم من يوم القيامة الذي سيحشر الناس فيه، وسيأتي الله بهؤلاء الجبارين الكبراء الذين يضلون الناس فيعذبهم أمام أتباعهم، وسيمر الناس جميعًا على جهنم: "وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا" (مريم: 71).

سورة طه

تُخاطب رسول الله ﷺ مواسية له على ما يلقاه من عنت، فتخبره أن القرآن لم ينزل عليه ليُشقي نفسه وليشعر بالأسى والأسف والحزن على قومه لأنهم لم يؤمنوا به، لقد جئت مذكرًا فقط: " إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ" (فاطر: 23)، "فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ(21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ" (الغاشية: 21، 22)، وما كنت بدعًا من الرسل، فقبلك أرسل الله موسى إلى فرعون ليُحرر قومه، وطلب منه اللّين في دعوته، وإن كان المَدعو طاغية جبارًا "فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ" (طه: 44).

استعانة موسى عليه السلام بربه:

ودعا سيدنا موسى ربه أن يشرح صدره، وأن ييسر أمره، وأن يجعل من لسانه لسان صدق يبلغ به رسالة ربه، ولكن فرعون كذّب وجاء بالسحرة بعد أن اتهمه بأنه ساحر، وجاءت المباراة بين السحرة وبين سيدنا موسى، فالتقمت عصاه حبالهم وعصيّهم، "فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا" (طه:70)، واغتاظ فرعون، وهدّد السّحرة بأنه سيصلبهم في جذوع النخل، ولكنهم وبعد أن دخل الإيمان قلوبهم رفضوا أن يسيروا مع فرعون ضد الحق، ونجّاهم الله -عز وجل-، ولفق لهم فرعون تُهمة المؤامرة لقلب نظام الحكم، وأسرى موسى بقومه فأتبعهم فرعون بجنوده، فأغرقهم الله، ونجّى موسى ومَن معه، ولكن قوم موسى لم يستشعروا النعمة، وطلبوا من موسى أن يعبدوا الأصنام، ثم عبدوا العجل من دون الله، وجاء موسى من ميقات ربّه وأخذ العجل وذرّاه في البحر، وعاقب السّامري الذي صنع هذا العجل، وطلب من رسولنا ﷺ أن يصبر كما صبر موسى على قومه، وكما صبر في دعوته إلى فرعون، وحذره من ألاعيب الشياطين، فإن هؤلاء الشياطين ما جاءوا إلا بعداوة لبني آدم عمومًا، حينما كان آدم سببًا في لعنة الله لإبليس، وما أكرم الله به آدم من دخوله الجنة، وضمان ضروراته الأربع: "إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ" (طه: 118، 119)، فكل من سار على هدي الله -عز وجل- أسعده الله ونجاه "فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ" (فاطر: 8).

الجزء السابع عشر

سورة الشعراء

تبدأ بتحذير البشر من قرب يوم الحساب مع غفلتهم ولهوهم عن تدبر ما جاء به الوحي على قلب الصادق الأمين الذي يرمونه أحيانًا بالسحر وأحيانًا بالشعر، ويطلبون منه الآيات التي جاءت لمَن قبله من الرسل فكفر بها قومهم فأهلكهم الله ونجّى الرسّل الذين كانوا رجالًا يأكلون الطعام كمُحمّــد ﷺ وقــد نــــزل القرآن الكريـــم عليــه "بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ" (الشعراء: 195) يمنح الفخر للعرب لو كانوا يعقلون، ومهما تكاسل العرب عن حمل الرسالة فسيــقذف الله " بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ" (الأنبياء : 18)، والحق هو توحيد الله -عز وجل- الذي فتق السماوات والأرض بعد أن "كَانَتَا رَتْقًا" (الأنبياء: 30). وجعل "فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ" (الأنبياء: 31)، وجعل "السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا" (الأنبياء:32)، وسيحاسب الجميع في يوم يأتيهم بغتة توضع فيــه "وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ" (الأنبياء: 47).

سيحاسبون على عبادتهم: أكانت لله الخالق المبدع أم لتلك الأصنام التي لا تملك لهم نفعًا ولا ضرًّا.

منهج الأنبياء مع قومهم:

لقد تحدى إبراهيم الخليل قومه وقام حين كسر هذه الأصنام وقال لقومه:

"قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ"  (الأنبياء : 63)

فبـهتــــوا ولكنّـهـــم "ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ" (الأنبياء: 65) وأوقدوا له النار فجعلها الله عليه بردًا وسلامًا ونجّاه ولوطًا إلى الأرض التي بارك فيها ووهب له إسحاق ويعقوب وجعلهم أئمة يهدون بأمر الله -عز وجل-. وسار الأنبياء على هذا المنهح السوي ونجّاهم الله أيضّا من كيد الكافرين .. نجّى لوطًا "وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ ۗ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ" (الأنبياء :74)، ونجّى نوحًا "وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ" (الأنبياء: 76)، وأغرق قومه أجمعين، ووهب لداود وسليمان "فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ" (الأنبياء: 79). وسخر الرياح والشياطين لسليمان، وكشف الضّرّ عن أيوب، وأدخل إسماعيل وإدريس وذا الكفل في رحمته، إذ كانوا من الصابرين الصالحين، ونجّى يونس من بطن الحوت، ووهب زكريا ابنه يحيى بعد أن أصبح له زوجه "فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ" (الأنبيــاء: 90).

"فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ" (الأنبياء: 88). فالأُمة واحدة والرب واحد وسنّة الله تجري "فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ" (الأنبياء: 94). ولن يسمع حسيس جهنم ولا زفيرها، ولن يخزيه الله أبـدًا ولن يحزنه "لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ" (الأنبياء : 103)، وسيمكنه الله في الأرض لينشر الرحمة بين الخلق، فما جــاء محمــد "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ"  (الأنبياء : 107)

 

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

الأكثر اطلاعا خلال شهر

رثاء الأستاذ رجائي عطية ( عضو مجمع البحوث الإسلامية ونقيب المحامين )

رثاء الأستاذ رجائي عطية ( عضو مجمع البحوث الإسلامية ونقيب المحامين )

 أ.د/ أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء

من دلائل النبوة (3) شبهات وردود

من دلائل النبوة (3) شبهات وردود

 أ. د. نظير محمد عياد رئيس التحرير

الحث على توثيق الدين

الحث على توثيق الدين

 أ.د/ عبد الفتاح العواري عميد كلية أصول...

الإنسان المسلم في بوتقة الاختيار

الإنسان المسلم في بوتقة الاختيار

 أ.د/ أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء

دفع مشكل قاعدة ( الحاجة تنزل منزلة الضرورة )

دفع مشكل قاعدة ( الحاجة تنزل منزلة الضرورة )

 أ.د. حسن صلاح الصغير - أستاذ الفقه بكلية...

الآفاق الشرعية والقانونية للتحول الرقمي..الواقع والمأمول

الآفاق الشرعية والقانونية للتحول الرقمي..الواقع والمأمول

 أ.د. محمد عبد الرحمن الضويني - وكيل...

تاريخ أروقة الجامع الأزهر

تاريخ أروقة الجامع الأزهر

 ثروت عبد العظيم علي خليل

البركات في القرآن الكريم

البركات في القرآن الكريم

 أ.د. عبد المنعم عبد الله حسن

الوفاء

الوفاء

 الشيخ/ محمد الغزالي

تفسير سورة (آل عمران)

تفسير سورة (آل عمران)

 الإمام/ محمد عبده

ركن الواعظات

ركن الواعظات

 الإشراف العام أ.د. إلهام محمد شاهين

العيد في الإسلام عبادة وفرحة

العيد في الإسلام عبادة وفرحة

 د.سليمان جادو شعيب

ركن الوافدين

ركن الوافدين

 الإشراف العام أ.د. نهلة الصعيدى

إضاءات في المنهج الأزهري والشخصية الأزهرية

إضاءات في المنهج الأزهري والشخصية الأزهرية

 الأستاذ الدكتور / محمد عبد الفضيل القوصي

إلى القرآن الكريم

إلى القرآن الكريم

 فضيلة الشيخ/ محمود شلتوت ،شيخ الأزهر...

الإعجاز في معترك الأقران للسيوطي

الإعجاز في معترك الأقران للسيوطي

 أ.د/ محمد محمد أبو موسى عضو هيئة كبار العلماء

12

بحث حسب التاريخ

العدد الحالي

فهرس العدد

من أغلفة المجلة

حقوق الملكية 2022 مجلة الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg