| 18 أغسطس 2022 م

إسبانيــا والأندلـــس

  • | الأربعاء, 31 ديسمبر, 2014
إسبانيــا والأندلـــس

إسبانيــا والأندلـــس
بانتهاء عام 1992م انتهت احتفالات إسبانيا بأمرين مهمين فى تاريخها هما: سقوط دولة الإسلام فى الأندلس واكتشاف أمريكا.
وحول الأمرين أريق مداد كثير، ومع ذلك فالحقيقة فيما يتصل بهما يلفها ضباب كثيف، أطفأ بهجة الاحتفالات، وأحالها إلى شىء فيه من الخجل بقدر ما فيه من الزهو، يسعد به صاحبه ــ ربما ــ خفية وبعيدًا عن الآخرين، ويحتال على الأمر عند إعلانه فيطلق عليه مسميات خادعة، أو يرفع عنه إشعارات موهمة، لكى يشغل الآخرين عن الجوانب السلبية فيه.
ومن بين الأمرين يهمنا سقوط دولة الإسلام فى الأندلس مباشرة وبخاصة.
فى صباح، يناير 1492م تقدم أبو عبد الله الصغير  سلطان مملكة غرناطة وسلم إيزابيل ملكة قشتالة وفرناندو ملك أرغون مفاتيح قلعة الحمراء وقصورها إيذانا بانتهاء دولته، ثم سلك طريقه إلى الجنوب حيث أُقطع أراضى شاسعة،  وقبض مبلغًا كبيرًا من الذهب، تبين فيما بعد أن معظمه مغشوش، وانتهى الحال بأحفاده بعد سنين فقراء يسألون الناس إلحافًا على أبواب المساجد فى مدينة فاس، على نحو ما يذكر المقرى التلمسانى فى كتابه نفح الطيب.
ولم يكن عامة الناس راضين بهذا الموقف، رغم أن المعاهدة التى وقعت بين الطرفين حفظت لهم شرفهم وكرامتهم وأموالهم وحرية عقيدتهم، وأبدوا استعدادًا  طيبا لمواصلة القتال، وتحمل أعباء الحرب، ولكن العدو حاصر الجماهير بشراء ذمم الوزراء ومستشارى السلطان فكانوا انهزاميين حتى النخاع،  يثبطون المتحمس، ويحبطون الآمل، وضاعت ثورة الجماهير وحماستهم بددا، ولم تؤد إلى شىء..
وظل الإسبان فى غرناطة بالذات يحتفلون بهذا اليوم كل عام حتى يومنا هذا، ففى كل عام، فى اليوم نفسه، تخرج من الكنيسة الجامعة، حيث يدفن الملك فرناندو، إلى دار البلدية، حيث عمدة المدينة، ثُلة محدودة من الجند، تصحبها فرقة موسيقية متواضعة، ويتقدمها صغار رجال الدين والإدارة، ويلتف حولها عدد من الفضوليين، وترفع ألوانا مختلفة من الأعلام والبيارق، وشهدت بنفسى الحفل أكثر من مرة، وسألت العامة عن المناسبة، فلم أجد عند أحد ردًّا، ولا معرفة بأسباب الاحتفال.
تنكَّر المنتصرون لكل بنود المعاهدة بعد عامين فحسب من توقيعها، وأدى هذا إلى رد فعل قوى بين المهزومين، وتوالت ثوراتهم، وأترك للمستشرق الألمانى فون شاك (1815- 1894) يصف لنا آخر ثوراتهم، وما ترتب عليها، أترجمه حرفيا عن كتابة «شعر العرب وفنهم فى إسبانيا وصقلية»:
«اشتعلت الثورة حية متوهجة، وغطى الموريسكيون المسلمون كل منطقة البشرات، وارتفع صوت المؤذن عاليا فوق المنارات: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، ولكن نهاية هذه المحاولة اليائسة التى استهدفت إعادة الدولة الإسلامية كانت سابقة لأوانها، وبدل أن نذكر كيف أخمدت هذه الثورة فى طوفان من الدموع والدماء نؤثر أن نرخى الستار على هذه المأساة. ولقد استولى خوان دى أوستريا، وكان ابنا غير شرعى للإمبراطور كارلوس الخامس، على مدينة جليرة وأعدم كل سكانها ذبحا دون تمييز بين رجل وامرأة، أو بين عجوز وطفل».
«وبعد أن سقطت بقية القلاع القوية فى سلسلة جبال البشرات فى يد الإسبان، وجلها سقط بسبب الخيانة، وزعوا كل الموريسكيين الذين استسلموا فى مقاطعة غرناطة على بقية المقاطعات، أما الذين اختفوا فقد اصطادوهم كما لو كانوا وحوشا، وقدموا إلى المقصلة لذبحهم، وكثيرون استطاعوا أن ينجوا بأنفسهم عبر البحر، ولكن حب الوطن ردهم إلى الأندلس من جديد، حيث سقطوا بين مخالب محاكم التفتيش، وقدموا مشاهد تدعو إلى العظة والاعتبار، فى محاكمات الإحراق بالنار علنا، وقام بها المخلصون جدا للكاثوليكية.
ورغم كل هذا يعترفون بأن هذه الوسائل جميعا لم تبعد  بالموريسكيين  كثيرا عن عاداتهم القديمة، ولم تستطع إرغامهم على أن يتحولوا عن دينهم مخلصين، وإذا حملوا موريسكيا إلى السجن لم يكن يقاوم، وعادة يقبل التصالح معهم أملا فى الحرية، ولكن إذا بلغ النهاية، وجاءت لحظة الاحتضار، وكان على أبواب الآخرة، يرفض الكاثوليكية فى صوت حاسم واضح، ويموت على الإسلام، ويلقى الله وهو يردد بين شفتيه: لا اله إلا الله محمد رسول الله».
«ومن ثم بدا للحكومة الإسبانية واضحًا أن الدين الذى جاء به محمد لا يمكن استئصاله من شبه الجزيرة الإيبرية إلا مع آخر نفس يخرج من آخر  موريسكي، وحينئذ توجه تقى من كبار رجال الدين الكاثوليك (!!) بمذكرة إلى الملك يؤكد له فيها أنه على قناعة كاملة بأن قتل كل الموريسكيين مناسب ومفيد ومباح، ولكن أسقف بلنسية، ولم يكن بأقل تقوى ولا تدينا من مواطنه ذاك، كتب أيضًا، تقريرا آخر أوضح فيه أن الواجب المقدس يفرض القضاء على جميع الكافرين، أى المسلمين، وأكد على أن كل المصائب التى انصبت على رأس إسبانيا خلال نصف القرن الماضى كانت عقابا عادلا من السماء على التسامح الزنديق الذى اتبعته الحكومة مع الموريسكيين، ويمضى مستنتجًا: إذا كان غير عملى أن يقتل الملك مئات الألوف منهم، فمن الواجب عليه أن ينفيهم جميعا، وإذا بدا له فمن الأفضل أن يحكم عليهم بالسجن المؤبد، أو بالأشغال الشاقة فى مناجم أمريكا اللاتينية، ومثل هذا الحل يعد تساهلا معهم إلى حد كبير، لأننا إذا نظرنا إلى الأمر فى جدية فإنهم يستحقون الموت جميعا».
«وتلا هذا التقرير طرد جميع الذين ينحدرون من أصول إسلامية فى حكم الملك فيليب الثالث (عام 1609)، وعندما فقدت إسبانيا أنشط فلاحيها وأمهرهم تحولت إلى صحراء قاحلة لا تصلح إلا موطنا للكاثوليك المحافظين».
(ص127، 128 من الترجمة العربية، الجز الثالث، بعنوان: الفن العربى فى إسبانيا وصقلية، ط2، دار المعارف).
كان المنتصرون والمنهزمون من جنس واحد فى جملتهم، وإن فرق بينهم الدين، ولم تكن إسبانيا الدولة والأمة قد وجدت بعد، فقد اختفى اسم إسبانيا مع الفتح الإسلامى من كل المدونات اللاتينية والعربية، ولم يرد فى أى مصدر تحت أى مدلول، إلا مرة واحدة فى القرن الثالث عشر فى ملحمة السيد وهو نص أدبى ترجمناه إلى العربى منذ سنوات، وربما كانت من عمل الناسخ، وبعد هذا القرن ربما تردد الاسم فى نصوص أخرى قليلة للغاية، أما إسبانيا الدولة فهى من عمل القرن السادس عشر، بعد سقوط دولة الإسلام هناك، وقبله كان فى شبه جزيرة إيبريا ممالك كثيرة: البرتغال وأرغون وقشتالة ونبرة وغرناطة، والأخيرة وحدها تتحدث العربية وتدين بالإسلام، على حين تدين البقية بالكاثوليكية، وتتحدث لغات مشتقة من اللاتينية، أو ليس لها صلة بهذه على الإطلاق كما هو الحال فى لغة الباسك.
وجملة السكان فى هذه المماليك كلها، من اتخذ الإسلام دينا أو اعتقد فى الكاثوليكية، ينحدرون من أصول واحدة: لاتينية وقوطية وسلتية وفينيقية وأفريقية، وحتى عربية وبربرية، ظلوا فى المناطق المسيحية، واحتفظوا بدينهم وعرفوا باسم المدجنين، ويقابلهم مواطنون احتفظوا بمسيحيتهم وظلوا فى الدولة الإسلامية وعرفوا باسم المستعريين.
وإذن لم تكن الحرب التى استمرت  طوال قرنين ونيف من الزمان بين مملكة غرناطة وبقية المماليك فى شبه جزيرة إيبريا حربا بين مستعمرين غزاة وآخرين يحررون أوطانهم، وإنما كانت بين السكان المسلمين. فى الجنوب الشرقي. وبين السكان المسيحيين فى بقية الممالك فى الشمال والغرب، ولم تنتصر فيها إسبانيا على العرب، وإنما انتصر المسيحيون على المسلمين، وكلهم ينتمون إلى العناصر نفسها، ويعيشون على أرض واحدة، وإن توزعتهم ممالك صغيرة مستقلة  وكانت المملكة الإسلامية  أكثر تحضرًا وثقافة وتمدنا، وأقرب إلى حياة العصر الحديث ونظمه من بقية الدول المجاورة لها.
كان مع الممالك المسيحية فى اقتتالها ضد المملكة الإسلامية  آخرون جاءوا من وراء الحدود: إنجليز وفرنسيون وألمان وإيطاليون، ومن وراء هؤلاء الفاتيكان، الذى كان ولا يزال قوة اقتصادية وسياسية رهيبة، يلهب الحماسة فى النفوس، ويبارك الذاهبين إلى القتال، يمحو ذنوبهم، ويمنحهم البركات، ويقطعهم القصور والجنان فى الآخرة، على حين وقف المسلمون وحدهم، أحيانا تأتيهم معونة محدودة  من بنى مرين فى المغرب، ويركنون أحيانا أخرى إلى هدنة أو معاهدة مع إحدى ممالك الشمال المسيحية، تُوقف الحرب، وتمنحهم هدنة يلتقطون فيها أنفاسهم، ويعيدون ترتيب صفوفهم وأوراقهم، أو يلعبون على الخلاف الذى كان قائمًا بين الممالك المسيحية نفسها، فينصرون فريقا على آخر، ولكنهم لم يتلقوا أى عون من المسلمين فى المشرق.
فى ذلك الوقت كان فى المشرق ثلاث قوى رئيسية: المغول ومصر وتركيا، وقد وقف المغول فى نظرتهم السياسية  فى ما يستطيعون احتلاله من البلاد الإسلامية، ودورهم السلبى تخريبا وتدميرا أوضح من أية إضافات فى مجالات الفكر أو السياسة. وحاولت قوة الترك الصاعدة ــ وزامنت سقوط دولة الإسلام فى الأندلس ــ أن تفيد من الأندلسيين المغلوبين فى معرفتهم بالمسيحيين، فوجهتهم إلى نزع الأمان من الأساطيل الأوربية التى تمخر عباب البحر الأبيض المتوسط، وقاموا برسالتهم كاملة فى حدود طاقتهم، وكان إنجازهم باهرًا، ودون أن يقدم لهم الأتراك شيئا يعينهم على الصمود فى وطنهم ولم تجد رسائل الاستغاثة التى توجهوا بها إلى الخليفة فى القسطنطينية أذنا واعية، واتسم موقف الأتراك فى هذه القضية بقصر نظر سياسى فادح، دفعوا ثمنه غاليا فيما بعد، ومع اقتراب نهاية القرن السادس عشر حققت أوروبا مجتمعة نصرًا حاسمًا على الأتراك فى موقعة لبانتى البحرية عام 1571، وبعدها أخذت قوة العثمانيين فى الانحدار.
وعاصرت أحداث سقوط الأندلس فترة الضعف فى تاريخ مصر الوسيط، فقد انهكت قواها الحروب الصليبية المتوالية، وصد غازات التتار والمغول، وانهيار اقتصادها بسبب الحروب السابقة من جانب، واكتشاف طريق رأس رجاء الصالح من جانب آخر، فقد أدى هذا إلى هبوط كبير فى دخل مصر من الضرائب التى تجنيها من التجارة المتجهة من أوروبا إل المشرق أو العكس، فقنعت على غير عادتها برسائل التشجيع إلى الغرناطيين، وتهديد الملوك المسيحيين، دون أن يتجاوز رد الفعل دائرة الكلام. لقد خسر الإسلام سياسيًّا مصر القوية (كما يخسرها الآن) تتحمل أعباءه، وتصد عنه عادية الزمان، وأثبتت الظروف ألا أحد على الإطلاق يمكن أن يقوم بدورها حتى لو كان أوسع ثروة وأكثر عددًا وأقوى جيوشًا.
يمثل سقوط مملكة غرناطة، دون أدنى شك، نقطة تحول حاسمة فى حياة المسلمين والمسيحيين على السواء، فقد أنهى الغرب  المسيحى معركته الحاسمة فيمن يتصورهم دخلاء على أوروبا، مع أن المسيحية نفسها نبْتٌ شرقى، إن لم نقل ساميًا، وحرم المسلمون من علاقات متواصلة مع أوروبا الناهضة يفيدون منها فى تطوير حياتهم وتجديد أساليب عيشهم، وتطعيم علومهم وثقافتهم بكل جديد، وكانت الأسوار التى ارتفعت بين الحضارة الأوروبية الصاعدة والحضارة الإسلامية المتردية عالية وقوية، حتى أن المسلمين ظلوا لقرون عديدة لا يعرفون عن المستحدثات التى تجرى فى الجانب الآخر من البحر الأبيض شيئًا، وكان الغزو الفرنسى القارعة التى أيقظتهم، وعبقرية محمد على هى التى أتت على هذه الجدران الفاصلة، بإرسال البعثات واستقدام الخبراء، وترجمة المؤلفات، واستيراد المعدات.
مرت نظرة أوروبا والإسبان إلى دولة الإسلام فى الأندلس بمراحل مختلفة:
فى البدء، وكانت الكلمة العليا للكنيسة، رأوها استعمارًا إسلاميًا  جاء من الخارج، رغم أن دولة الإسلام كانت مستقلة فى معظم تاريخها، وأن الأسرة القوطية المالكة التى انهزمت أمام المسلين جاءت من شمال أوروبا، وكانت وثنية فى أيامها الأولى، ولم تكن بأكثر إسبانية من الأمراء الأمويين أو سلاطين مملكة غرناطة الذين جاءوا من المشرق.
وحين حلَّت القومية مكان الرابطة الدينية حلت كلمة الاستعمار العربى محل الاستعمار الإسلامى، إلى أن أرسل الكاتب الفرنسى الكسندر ديما مقولته: «إن أوروبا تنتهى عند جبال البرانس» يُعرِّض فيها بتأخر إسبانيا وتخلفها، فانبرى المفكرون الإسبان للرد عليه، ولم يجدوا فى تاريخ وطنهم ما يفاخرون به أوروبا غير فترته الإسلامية، وكان تقدمها العلمى والفكرى وراء نهضة أوروبا فى جميع المجالات، وهى فكرة سبق بها قبل ذلك بقرن من الزمان الراهب خوان أندريس، فى كتابه الجيد: «أصول الأدب بعامة وتطوراته وحالته الراهنة»، وألفه بالإيطالية، وجاء فى سبعة أجزاء كبار، ونشره فى بارما بين عامى 1782و 1798، حين كان منفيا فى إيطاليا، وأكد فيه تفصيلا ومستفيضًا أن حضارة الأندلس كانت وراء يقظة أوروبا فى جوانبها المختلفة، ولكن الإسبان وأوروبا أهملوا الكتاب ومؤلفه كلية، فلم يطبع ثانية على أهميته، لا فى الإيطالية ولا فى الاسبانية التى ترجم إليها، ولا يعرف احد عن الكتاب وصاحبه شيئا باستثناء قلة من المتخصصين.
حمل هذه الدعوة خوليان ريبيرا (1858- 1934)، مستشرق من بلنسية أصلا حيث تعمقت الحضارة الإسلامية وتركت بصماتها فى أسماء القرى وحياة الناس حتى يومنا، ورفع شعار «قومية الثقافة الأندلسية»، وإنها إسبانية بقدر ما هى عربية أو إسلامية، فقد أسهم فيها بالجهد الأكبر أناس ينحدرون من أصول إسبانية، وتغذت من التربة الإسبانية، وإن كان أهلها يتكلمون ويكتبون بالعربية ويدينون بالإسلام، فالإسلام دينًا ليس ملكًا لقوم دون آخرين، ولا وقفًا على جماعة دون غيرها، ويمكن أن ينتمى إليه من يشاء مهما كانت القومية أو الأصول العرقية التى ينحدر منها.
بهذا الفهم الجديد حاول أن يكون عادلا فى تناول القضايا المتصلة بالأندلس، وأن ينصف مرحلة من تاريخ أمته تبلغ اكثر من ثمانية قرون، وأسس مدرسة تبنت هذا الاتجاه، وجاءت أبحاثه نفسها مهتدية بهذا الروح، وكان كمن يسير على الشوك، أو يجتاز «الصراط»، لأن الكنيسة كانت بذكائها وقوتها ومنظماتها تسيطر على الحياة الفكرية والثقافية والسياسية ولا تترك لمثل هذا الاتجاه فى البحث إلا هامشًا محدودًا ومتواريًا فى الحياة، وكان على منصفى الحضارة الإسلامية أن يقرروا ما يريدون على استحياء وفى حذر شديد.
وعرفت إسبانيا فى فترة الحكم الجمهورى الثانية (1932-1936) «كيف ترد إلى إسلام الأندلس مكانته فى مراتب الشرف، وادعت علنًا مرفوعة الرأس، أن تراث الأندلس زهرة يانعة الجمال فى تراثها التاريخى والفكري، ولم تجد حرجا فى الاحتفال مزهوة بمرور ألف عام على تأسيس الخلافة الإسلامية فى قرطبة».
وحين انتصرت الفاشية عام 1939 عاد كل شىء إلى ما كان عليه من قبل، وكان على الجنرال فرانكو أن يوازن بين أمرين: متطلباته السياسية فى تحسين علاقته مع العالم العربى ليواجه العداء الأوروبى القاسي، وأن يرضى الكنيسة فى تحقيق غاياتها من طمس معالم الإشراق والازدهار فى حضارة إسبانيا الإسلامية، وتقديمها للجمهور على أنها فترة استعمارية أحسنت إسبانيا التخلص منها، وكانت الكنيسة تسيطر على المؤسسات الثقافية، والصحافة والجامعة والمكتبات ومراكز البحوث، والمجالس العلمية وكان على المفكرين أن يسايروا هذا التيار أو يهاجروا أو يموتوا جوعًا، بينما تظاهرت الحكومة رسميًا باعتزازها بهذا التراث، وبخاصة فى المناسبات الرسمية، وعلى استحياء دائما.
مع موت فرانكو وسقوط الفاشية وانتصار الديمقراطية تغيرت أشياء كثيرة: تقررت حرية العقيدة، ورفعت وصاية الكنيسة على مؤسسات كثيرة، وتقرر الحكم الذاتى لمناطق متعددة، على تفاوت فى جرعته، وأصبحت المحافظات الجنوبية التى تعرف باسم أندلثيا، واستقر فيها الإسلام أطول زمن، وتضم محافظات: قرطبة وغرناطة وإشبيلية ومالقة والمرية وقادس وولبة وشريش، مستقلة ذاتيا، وبدأ تلاميذ المدارس الابتدائية والثانوية يدرسون فترة الحكم الإسلامى على أنها فترة من تاريخ بلادهم، فلا استعمار ولا دخلاء.
منذ سنوات خلت بدأت إسبانيا تعد نفسها للاحتفال بمناسبتين كبيرتين فى تاريخها: انتصار الإسبان على العرب أو المسلمين كما تراه الكنيسة والإسبان المحافظون والمتأوربون، أو انتصار الإسبان المسيحيين على الإسبان المسلمين كما هو فى واقع الحال، واكتشاف أمريكا على يد كولومبس (أوكولون كما ينطقه الإسبان)، وكلا الأمرين تم عام 1492، الأول فى بداية العام والثانى فى نهايته، وأخذت لذلك كامل أهبتها لتحقق لها مزيدًا من المكانة الدولية وسط المجموعة الأوروبية، بعد أن ازدهرت اقتصاديًا، فكان تخطيطها الرائع لمعرض دولى ضخم أقيم فى إشبيلية، حيث بدأت رحلة كولومبس، واعتبار مدريد عاصمة ثقافية لأوروبا عام 1992، إلى جانب مهرجانات أخرى تقام فى إسبانيا نفسها، كالألعاب الأوليمبية وغيرها، وخارجها فى أمريكا اللاتينية والعالم أجمع، وتلقت وزارة  التعليم فى مصر رسالة من مستشارنا الثقافى فى مدريد منذ أعوام يدعو الوزارة للتخطيط للاحتفال بالمناسبتين فى مصر، وأذكر أن الوزارة أحالت عليَّ الدعوة تسألنى فيما يمكن أن يكون عليه الاحتفال، وكان رأيى واضحًا: إذا دعينا فلنذهب، أما نحن فغير معقول أن نعترف بهزيمة دولة إسلامية، ولا معقول أيضا أن نحتفل باكتشاف إسبانيا للعالم الجديد، فلسنا من أولئك ولا هؤلاء، واستجابت الوزارة، ونامت الفكرة، وإن ذهب بعضهم على حساب مصر ليشاركوا الإسبان فى هذه الاحتفالات!.
كانت إسبانيا تود اعتصار المناسبة لصالحها حتى آخر قطرة، وحرصت فى الوقت نفسه على ألا يجيء الاحتفال بالماضى على حساب الحاضر، وكان دون الاحتفال بالانتصار على المسلمين فى غرناطة أهوال سياسية: تذكير العالم المتحضر بالمذابح المروعة التى لقيها المسلمون على يد مواطنيهم المسيحيين (وهى صورة طبق الأصل من مذابح البوسنة والهرسك وكوسوفا) والملاحقات اللاإنسانية، بالإعدام حرقا والقتل تعذيبًا، وإحراق الكتب بالآلاف، وطرد المسلمين من وطنهم بالملايين، وتنصيرهم قسرًا، وكلها أمور لا تشرف أحدًا فى أيامنا، وضد كل المواثيق والمعاهدات، فضلا عما تثيره لدى المسلمين من حزازات وحساسية وتذكير بفترة مأسوية وقاسية، ومن هنا اختارت للمناسبة عنوانًا جديدًا متحضرًا، ووسيلة ثقافية مجدية. أما العنوان فكان: اكتشاف الأندلس من جديد، وأما الوسيلة فنشر كثير من المخطوطات الأندلسية بعد تحقيقها وترجمتها إلى الإسبانية، وقدم معهد التعاون مع العالم العربى جهدًا رائعًا فى هذا الجانب، وجاء إسهامه راقيا ومحتضرًا، وجعل من المناسبة وسيلة للتلاقى والمحبة والتفاهم، فلا منتصر ولا مهزوم، وإنما هناك حضارة ازدهرت على أرض الأندلس عرف العالم جانبا منها، ولا تزال بقية جوانبها الأخرى لما تُعرف ومن صالح الجميع أن تقدم إليهم كاملة، وأن يمكَّن الدارسون منها، ومن الوصول إلى كل وثائقها.
هذا إلى جانب عشرات الدراسات والأبحاث التى قام بها الكتاب والمفكرون، درست الحدث نفسه وما ترتب عليه من آثار، من انهيار إسبانيا اقتصاديًا،  وما لحق بسمعتها بين أوساط المفكرين فى العالم أجمع، وأوضحوا المظالم التى لحقت بمواطنيهم قبل خمسة قرون خلت، وهى أبحاث تتسم فى جلها بالموضوعية، ترفع من قدر مؤلفيها، وتشرف البلد الذى نشرت فيه، ويلفت النظر أن الرسالة التى توجه بها ملك إسبانيا بمناسبة العام الجديد وعدد فيها إنجازات إسبانيا فى العام الذى انقضى أتى على الكثير، ومن بينه مرور خمسة قرون على اكتشاف أمريكا، ولكنه لم يشر من قريب أو بعيد إلى إخراج المسلمين، أو سقوط دولة الإسلام.
وكانت المناسبة الثانية اكتشاف أمريكا، وهو عمل قامت به إسبانيا وحدها، وقد استعدت للمناسبة، وأمَّلت من ورائها كثيرًا: تأكيد صلاتها بالعالم الجديد، وأعطته لغتها ودينها، وربطته بها روحيًا وفكريًا، وإليها ينتسب رجال الطبقة الحاكمة فى معظم دوله، غير أنها تجاهلت أمرين هامين:
نمو الطبقة الوسطى فى هذه الدول، وهى مهجَّنة فى معظمها، من آباء إسبانيين وآمهات هنديات أو زنجيات، وثمرة علاقات غير شرعية فى الأعم، وارتقاء وعى الطبقة الدنيا، وإحساس أولئك وهؤلاء بأن الغزو الأوروبى لبلادهم، وطليعته الإسبان، دمر هويتهم وحضارتهم، واجتث لغاتهم الوطنية، وأتى على معابدهم، وأذل رموزهم، وأكرههم على اعتناق الكاثوليكية، ومحا كل آدابهم، وجعلهم كأنهم ولدوا فى القرن السادس عشر فحسب، ولم يكونوا قبله أممًا ولا بشرًا.
لدينا شاهد صدق على ما حدث لاشك فيه، الراهب الإسبانى بارتولوميه دى لاس كاسس، فقد شهد ما وقع منذ أعوام الفتح الأولى، وهالته المذابح والقسوة التى عومل بها الهنود، وسجل بعض ما رأى فى رسالة توجه بها للملك فى مدريد، وصلتنا كاملة ونشرت فى المكسيك، ثم لقى الملك شخصيًا فيما بعد، واتهم الحكام والموظفين والجنود ورجال الدين بأنهم كانوا فى معاملتهم مع الهنود بلا أخلاق، وحوشًا وظالمين، وهى صيحات ضاعت فى الهواء، ولم تحدث أى أثر بين المتعطيشين للثراء والذهب والهنديات!.
ومن هنا رفضت كل أمريكا فى الجنوب والشمال أن تحتفل بهذه المناسبة، وفى بعض العواصم قامت المظاهرات تهتف بسقوط كولومبس، وتضغط على حكوماتهم ليعتذروا عن قبول الدعوات التى ستقام فى إسبانيا نفسها بهذه المناسبة. وهم فيما يرى الكاتب الإسبانى الشهير أنتونيوجالا يتهمون «المسيحية بأنها جاءت بالحزن، وكان وصولها بدء تعاستهم، وبداية آلامهم، علمتهم الخوف، وأذبلت زهورهم كى تتفتح زهورها». وأوجز مثل جواتيمالى حالة الهنود: «قالوا لنا: أغمضوا أعينكم حين تصلُّون، وأغمضناها، وعندما فتحناها وجدنا بين أيدينا الإنجيل وبين أيديهم أرضنا».
فى 12 أكتوبر 1993 عقد رجال الدين فى أمريكا اللاتينية مؤتمرًا فى سانتو دومينجو عاصمة الدومينكان، رأسه أسقف مدريد، رئيس الكنيسة الإسبانية، وافتتحه البابا، وفيه التمس المجتمعون علانية من الله أن يغفر للكنيسة ورجالها الذنوب التى ارتكبوها أثناء حملة التنصير التى رافقت غزو القارة، من إراقة الدماء البريئة، والاسترقاق الشامل، وحالة الفقر التى تعيشها الملايين، واستغلال السلطة، والملاحقات العامة والفردية والتعذيب والاحتقار الذى تعرَّض له المواطنون الأصليون، والأنانية والغرور والعنف السائد بين الأفراد فى علاقاتهم، أو بينهم وبين الدولة، ونهب الثروات الطبيعية، واحتقار ثقافة تلك الشعوب وحضارتها.
واعترف المجتمعون بأن الكنيسة التزمت الصمت إزاء المظالم التى ارتكبت فى حق المواطنين، وكان من الضرورى مواجهتها وطالب أسقفا البرازيل وجواتيمالا بأن تتوجه الكنيسة إلى الجماهير نفسها تطلب عفوها عما ارتكبت فى حقها وحق أسلافها، وأن تؤكد لهم أنها لن تعمد منذ الآن إلى استعمارهم ثقافيًا، أو تحاول محو تراثهم وتاريخهم.
وقبل نهاية المؤتمر قدم أسقف البرازيل طلبًا موقعًا عليه من 33 من رجال الدين، بينهم 12 أسقفًا، يطلبون عقد قداس خاص يرجون فيه من الله ان يعفو عن المظالم التى ارتكبوها فى حق الهنود، والمنحدرين من أصول أفريقية، وعن الاستغلال الذى تعرضوا له عبر 500 عام مضت. ولكن طائفة أخرى اعترضت عليه، لأن مثل هذا القداس سوف يستغل ضد الكنيسة نفسها، فها هى تجرم عملها، وأسلافها، مما يكسف بريق الجهود التى تقوم بها الآن فى مجال التنصير.
ولم تكن الكنيسة وحدها!.
فهناك جانب كبير من المفكرين يرى فيما حدث شيئًا يستحق الإنكار والتنديد به، واعتذروا فعلا بوسيلة أو بأخرى. كما اعتذروا جميعًا من قبل، حكومة وكنيسة ومفكرين، عن طرد اليهود من إسبانيا ، اعتذروا للرأى العام اليهودي، وللحكومة الإسرائيلية، وبدأوا يعيدون كتابة هذا الجانب من تاريخ إسبانيا من جديد، وأزالوا كل التعريفات السياحية فى مدينة طليطلة التى ارتبطت بسجن اليهود أو محاكمتهم.
الطائفة الوحيدة التى لم يعتذر لها أحد، لا الحكومة ولا الكنيسة ولا رجال الفكر، هم المسلمون المنفيون، والذين ماتوا تعذيبًا أو حرقًا، ولو أن إندلثيا المستقلة ذاتيا، والمنصفين من الكتاب بدأوا يأخذون لهم بحقهم، أما غيرهم فلا، ربما لأن المسلمين فى واقعهم المعاصر أشتاتًا، شيعًا وأحزابًا/ لم يعودوا يمثلون ثقلا حقيقيا فى حركة الحياة!.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
5.0

الأكثر اطلاعا خلال شهر

التشكيك في مصادر الأحكام جريمة مكتملة الأركان

التشكيك في مصادر الأحكام جريمة مكتملة الأركان

 أ.د/ عباس شومان وكيل الأزهر الشريف سابقًا

أثر فقه المقاصد في ضبط الخطاب الدعوي المعاصر وحمايته من الانحراف

أثر فقه المقاصد في ضبط الخطاب الدعوي المعاصر وحمايته من الانحراف

 أ.د/ محمد عباس عبد الرحمن المغني

الحج وبناء النموذج الأخلاقي

الحج وبناء النموذج الأخلاقي

 أ.د. محمد عبد الرحمن الضويني - وكيل...

تفسير سورة (آل عمران)

تفسير سورة (آل عمران)

 الإمام/ محمد عبده

الإعجاز القرآني في حذف حروف المعاني و المباني

الإعجاز القرآني في حذف حروف المعاني و المباني

 أ.د/ عبد الله سرحان- عميد كلية الدراسات...

الإعجاز في معترك الأقران للسيوطي

الإعجاز في معترك الأقران للسيوطي

 أ.د/ محمد محمد أبو موسى عضو هيئة كبار العلماء

المسابقة الرمضانية لمجلة الأزهر

المسابقة الرمضانية لمجلة الأزهر

 إعداد طارق الأشهب

دعوة لتيسير الزواج

دعوة لتيسير الزواج

 أ.د/ عباس شومان وكيل الأزهر الشريف سابقًا

خطبة الوداع من أعظم الوثائق الإنسانية

خطبة الوداع من أعظم الوثائق الإنسانية

 د. سليمان جادو شعيب

علوم الحضارة الإسلامية

علوم الحضارة الإسلامية

 أ.د/ أحمد فؤاد باشا عميد كلية العلوم...

من وسائل توثيق الدين

من وسائل توثيق الدين

 أ.د/ عبد الفتاح العواري عميد كلية أصول...

أنباء الأزهر

أنباء الأزهر

 إعداد: قمر الدعبوسي

1234

بحث حسب التاريخ

العدد الحالي

فهرس العدد

من أغلفة المجلة

حقوق الملكية 2022 مجلة الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg