| 28 أكتوبر 2021 م

من مظاهر التخفيف في الدرس اللغوي تسكين (لام) الأمر

د/أحمد إسماعيل عبد الكريم عضو رابطة الكتاب والأدباء العرب

  • | الأربعاء, 2 نوفمبر, 2016
من مظاهر التخفيف في الدرس اللغوي تسكين (لام) الأمر

من أبرز ما تتسم به اللغة العربية من الخصائص والسمات مرونتها واتساع معينها، واستجابتها لدواعي التحول نحو التخفيف وكسر الجمود والتنافر الناجم عن توالي الأمثال؛ إذ الانتقال من الحركة إلى السكون مسلك صوتي ولهجي مقصود؛ لتلافي الانتقال من الأخف إلى الأثقل، وبذلك يمنح هذا الانتقال أو العدول اللغوي الخفة ومنع توالي الأمثال.

وقد فسر اللغويون والنحاة لجوء الناطقين بالعربية إلى التسكين بأن ذلك مرجعه إلى «ميلهم إلى السرعة في النطق، الذي ينتهي إلى الاقتصاد في الجهد العضلي، حيث إنَّ حذف الحركات فيه تيسير واقتصاد، وهو ما يهدف إليه البدويّ، بعكس القبائل المتحضرة التي تهدف إلى إعطاء كل صوت حقه من الوضوح والبيان»(1)

وقد بدأت هذه الظاهرة مقتصرة على بعض القبائل العربية، كقبيلة بكر وتميم وأكثر قبائل أسد، وعامة قبائل قيس، ثم انتقلت بعد ذلك إلى القبائل الأخرى؛ لأنَّها كانت جميعًا تجنح إلى حذف الحركات القصيرة(2)؛ إذ إنَّها ظهرت في بعض اللهجات العربية التي تؤثر المقاطع الصوتية الساكنة على المقاطع المتحركة(3).

حركة لام الأمر:

هذه اللام أصل حركتها الكسر حملًا على لام الجر، وسليم تفتحها، وقيل: إن سليمًا تفتح اللام إنْ فُتِح تاليها، وليس ذلك إذا كُسِر تاليها أو ضُم، نحو: «لتكرم أخاك»(4) ، فإذا وقعت بعد الفاء أو الواو جاز إسكانها تخفيفًا؛ لأنَّ الواو والفاء لما كانا مفردين صارا كجزء من الكلمة، ففي قوله تعالى:

(وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ)

(النور: 31)

قال النحاس: ويجوز: (ولِيضربن) بكسر اللام وهو الأصل، وحُذِفت الكسرة لثقلها، ويضربن في موضع جزم بالأمر، إلا أنَّه مبني على حال واحدة إتباعًا للماضي عند سيبويه»(5) وفي هذه الآية جاءت القراءة بإسكان اللام، وليس في ذلك إنكار؛ لأنَّ (لام) الأمر وقعت بعد الواو، ويرى ابن مالك أن (لام) الأمر لها الأصالة في السكون لأمرين(6): أحدهما: مشترك فيه، وهو كون السكون مقدمًا على الحركة؛ إذ هي زيادة والأصل عدمها. والآخر: خاص، وهو أن يكون لفظها مشاكلًا لعملها، كما فعل بباء الجر، لكن منع سكونها الابتداء فكُسرت، وبقي للقصد تعلق بالسكون، فإذا دخل عليها واو أو فاء رجع -غالبًا- إلى السكون؛ ليُؤمن دوام تفويت الأصل. واختاره صاحب التصريح حيث قال: «وأصل (لام) الطلب السكون؛ لأن الأصل عدم الحركة، لكن منع منه أنها قد تكون في الابتداء، والابتداء بالساكن متعذر فكُسرت، وقد تُفتح عند سليم، فإذا دخل عليها الواو أو الفاء أو ثم رجعت إلى سكونها الأصلي غالبًا(7).

وجعل سيبويه اللام بعد الفاء والواو بمنزلة الهاء من (هو) و(هي) إذا كان قبلهما واو أو فاء أو لام، فإن الهاء من الضميرين تسكن قبل هذه الأحرف، نحو: فهْو وهْو لَهْي؛ وذلك لأن هذه الأحرف صارت كجزء من الكلمة، فجاز التخفيف بالإسكان، قال سيبويه: «وفعلوا بلام الأمر مع الفاء والواو مثل ذلك، أي مثل هو وهي، في حالة الإسكان؛ لأنها كثرت في كلامهم وصارت بمنزلة الهاء في أنها لا يُلفظ بها إلا مع ما بعدها، وذلك قولك: فلْينظر ولْيضرب»(8) باعتبارها -أي (لام) الأمر- جزءًا من الكلمة فخُفف بتسكين اللام كما خفف (هو) و(هي) بتسكين الهاء، ولذا يقول أبو علي الفارسي: «حجة مَن أسكن لام الأمر إذا كان قبلها واو أو فاء أن الواو والفاء لما كان كل واحد منهما حرفًا منفردًا، ولم يجز أن تُفصل من الكلمة التي دخلت عليها، فتُفصل منها بالوقف، أشبه الكلمة التي أحدها فيه المتصل نحو: كَتِف»(9).

وإسكان اللام بعد الفاء والواو أكثر من تحريكها(10)؛ ولذلك اتفق القراء السبعة على تسكين لام الأمر إذا كان قبلها فاء أو واو في جميع القرآن(11) ، كما في نحو قوله تعالى:

(وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ)

(النساء: ١٠٢)

وتسكن اللام بعد (ثم) كما تسكن بعد الواو والفاء، إلا أن سكونها بعد (ثم) أقل؛ لأنها مركبة من ثلاثة أحرف، بخلاف الواو والفاء فكلٌّ منهما مركب من حرف واحد؛ ولذا لا ينفصل عما بعده، وليس كذلك (ثم)؛ لأنها على أكثر من حرف فتُفصل من الكلمة ويوقف عليها فلم تجعلها بمنزلة الواو والفاء(12) ومن ثَم لم تنزل مع الكلمة بعدها منزلة الجزء من الكل، قال الرضي: «وشبه به نحو: (ثم ليفعل) وهو أقل؛ لأن (ثم) على ثلاثة أحرف، وليس كالواو والفاء، مع أن (ثم) الداخلة على لام الأمر أقل استعمالًا من الواو والفاء»(13) ، ومن شواهده قوله تعالى:

(مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ)  (الحج: ١٥)

ونحو قوله تعالى:

(ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)  (الحج: ٢٩)

قال الفارسي: «وأما وجه مَن أسكن اللام بعدها-أي ثم- كما أسكن بعد الفاء والواو فهو أنه جعل الميم من (ثم) بمنزلة الواو والفاء من قوله (فليقضوا) فجعل (فليقضوا) من (ثم ليقضوا) بمنزلة (وليقضوا) وهذا مستقيم، وإن كان دون الأول في الحسن، ومما يدلك على جوازه قول الراجز: فبات منتصْبا وما تكردسا.

وقالوا: أراك منتفْخًا، فجعل «تفخًا» من «منتفخًا» بمنزلة كَتِف فأسكن كما أسكن الكتف»(14). وفرق اللغويون والنحاة بين حركة اللام المسبوقة بـ(ثم) والمسبوقة بالواو أو الفاء، فقال النحاس في قوله تعالى:

(مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ) (الحج: ١٥)

وقرأ أهل الكوفة بإسكان اللام، وهذا بعيد في العربية؛ لأنَّ (ثم) ليست مثل الواو والفاء؛ لأنَّها يُوقف عليها وتنفرد»(15). وبيَّن المبرِّد العلة في جواز إسكان اللام بعد الواو والفاء وعدم جوازه بعد (ثم)، فقال: «وإنَّما جاز ذلك لأنَّ الواو والفاء لا ينفصلان؛ لأنَّه لا يتكلم بحرف واحد، فصارتا بمنزلة ما هو في الكلمة، فأسكنت اللام هربًا من الكسرة كقولك في عَلِمَ: عَلْمَ وفي فَخِذ: فَخْذ(16) وجعل ابن عطية تسكين اللام بعد الواو والفاء من علل التخفيف. وهو أفصح من تحريكها، وأما (ثم) فهي كلمة مستقلة فالوجه تحريك اللام بعدها(17).

ويقول الرماني في قوله تعالى:

(ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 29)

«فأمَّا مَن سكَّن اللام من القُرَّاء فالبصريون ينكرونه عليه»(18). وضعّف ابن يعيش قراءة الكسائي بتسكينه (اللام) بعد (ثم) في هذه الآية، فقال: «... لأنَّ (ثم) على ثلاثة أحرف يمكن الوقوف عليه، فلو أسكنت ما بعده من اللام، لكنت إذا وقفت عليه تبتدئ بساكن، وذلك لا يجوز»(19).

ونخلص من هذه المسألة إلى القول بجواز تسكين (لام) الأمر المسبوقة بالواو، أو الفاء، أمَّا المسبوقة بـ (ثم) فلا يجوز -عند أكثرهم- وذلك مرده إلى أن الحرف المفرد حين اتصاله باللام يصير كأنه من بنية الكلمة، وعند التحليل الصوتي قد تتوالى أكثر من ثلاثة متحركات، فيؤدي ذلك إلى الثقل؛ فلذا جاز تسكين (لام) الأمر حذر توالي الأمثال، أما (ثم) فهي غير متصلة ببنية الكلمة، وهي كلمة مستقلة بذاتها، فالأولى تحريك لام الأمر معها.

(1) اللهجات العربية في التراث، 1/ 246، ظاهرة التسكين في شعر الأخطل، للكاتب، مجلة علوم اللغة، دار غريب، القاهرة، المجلد 14، ع 4 / 2011م، ص 181.

(2) ينظر: اللهجات العربية في التراث، د. أحمد علم الدين الجندي، الدار العربية للكتاب، د.ت, 1/ 251، ظاهرة التسكين في شعر الأخطل، للكاتب، ص 180.

(3) ينظر: شرح الشافية, 1/40 ، وفي اللهجات العربية, د. إبراهيم أنيس، ص 161 ، واللهجات العربية في التراث، 235. 

(4) مغني اللبيب 1/185.

(5)  إعراب القرآن، للنحاس 3/133، آراء البصريين النحوية في (إعراب القرآن للنحاس)، رسالة دكتوراه للكاتب، مكتبة ألسن عين شمس، ص 112.

(6) شــرح الكافية الشافية م3 / 1563، 1564.

(7) التصريح 4/362.

(8) الكتـاب 4/151، 152.

(9) الحُجة في علل القراءات السبع للفارسي 2/210، 211.

(10) مغني اللبيب ص 294.

(11) السبعة في القراءات ص177، الحجة في علل القراءات السبع للفارسي 2/210.

(12) الحجة للفارسي، بتحقيق هنداوي 1/ 413.

(13) شرح الرضي على الشافية 1/44، 45، وانظر اللباب في علل البناء والإعراب 2/49.

(14) الحجة للفارسي، تحقيق هنداوي 1/ 413.

(15)  إعراب القرآن للنحاس، 3/91، آراء البصريين النحوية في كتاب إعراب القرآن للنحاس، ص 113.

(16)  المقتضب 2/131.

(17) المحرر الوجيز، 4/ 112.

(18)  معاني الحروف ، للرماني / 58.

(19)  شرح المفصل ،9/24.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

الأكثر اطلاعا خلال شهر

المسلمون حول العالم

المسلمون حول العالم

 إعداد أ. عبد الله كمال نصير

التفاؤل من روح الإسلام هل يمكن أن نتعلمه؟

التفاؤل من روح الإسلام هل يمكن أن نتعلمه؟

 د. أحمد علي سليمان

شبهة القائلين إنما البيع مثل الربا

شبهة القائلين إنما البيع مثل الربا

 أ.د/ عبد الفتاح العواري عميد كلية أصول...

أزمة العمل الدعوي المعاصر وسبل علاجها

أزمة العمل الدعوي المعاصر وسبل علاجها

 أ.د. محمد عباس عبدالرحمن المغني

قانون الكرامة الإنسانية في شريعة الإسلام

قانون الكرامة الإنسانية في شريعة الإسلام

 د.محمد فتحي رزق الله

لا تعصب في اجتهادات الأئمة

لا تعصب في اجتهادات الأئمة

 أ.د/ أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء

الإعجاز القرآني في حذف حروف المباني والمعاني

الإعجاز القرآني في حذف حروف المباني والمعاني

 أ.د/ عبد الله سرحان- عميد كلية الدراسات...

من أسرار تنوع التشبيه في القرآن الكريم مع كلمة (مَثَل)

من أسرار تنوع التشبيه في القرآن الكريم مع كلمة (مَثَل)

 أ.د. سلامة جمعة داود - رئيس قطاع المعاهد...

ركن الوافدين

ركن الوافدين

 الإشراف العام أ.د. نهلة الصعيدى

بين المجلة والقارئ

بين المجلة والقارئ

 إعداد أ/ محمد جمعة

أنباء الأزهر

أنباء الأزهر

 الأستاذ/ محمود الفشني مدير عام التحرير

أم عمارة : صحابية متفردة

أم عمارة : صحابية متفردة

 أ.د/ السيد محمد الديب أستاذ بكلية اللغة...

وقفات مع لغة القرآن (طلاقة القدرة الإلهية)

وقفات مع لغة القرآن (طلاقة القدرة الإلهية)

 أ. د عادل محمد إبراهيم حسن

أضواء على الهجرة وتاريخها

أضواء على الهجرة وتاريخها

 أ.د/ شوقي إبراهيم علي عبد الله

12

بحث حسب التاريخ

العدد الحالي

فهرس العدد

من أغلفة المجلة

حقوق الملكية 2021 مجلة الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg