01 مارس, 2017

نص كلمة فضيلة الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية في مؤتمر المواطنة والحرية..التنوع والتكامل‎

نص كلمة فضيلة الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية في مؤتمر المواطنة والحرية..التنوع والتكامل‎

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)

رفع الإسلام الانسان مكاناً علياً، حيث كلفه القيام بخلافة الله في الأرض.

وان الإسلام بتشريعاته القانونية ووصاياه الأخلاقية، يرعى فطرة الانسان وكرامته وحرماته وحريته وحقوقه، وكما أن الإسلام يرعى فطرة الإنسان فلا يصادرها ولايصادمها فإنه يرعى كرامته، فلا يسمح بإهانته لاحيا ولاميتا، ولايجيز اذلال الانسان لأخيه الانسان، فالناس كلهم مخلوقون لله.

إن الإسلام يرعى حرمة الانسان: حرمة دمه وماله وعرضه، فالنفس الإنسانية لايجوز قتلها بغير حق وقد قرر القرآن الكريم ذلك قال تعالى﴿ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ﴾ (المائدة: 32 (

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم " (سنن النسائي، كتاب تحريم الدم)

ويقول  "  : من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين خريفا "   رواه البخاري .

إن الإسلام يكرم الانسان من حيث هو انسان ، بغض النظر عن لون بشرته ، أو العرق الذي ينتمي إليه أو لغته أو إقليمه ،أو الفئة التي ينتمي إليها.

روى البخاري في صحيحه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم مروا عليه بجنازة ميت، فقام بهل واقفا، فقالوا يا رسول الله، اناه جنازة يهودي، فقال: أليست نفساً.

إن الإسلام ينظر إلى الجنس البشري كله بوصفه أسرة واحدة، تنتمي إلى الله بالعبودية وإلى آدم بالنبوة، فربها واحد وأبوها واحد.

وهذا ما أعلنه النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال: أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب.

وهذا ما قرره القرآن في نص صريح حين قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ (الحجرات:13)

ومعنى "لتعارفوا" أي ليعرف بعضكم بعضا ،ويتفاهم بعضكم مع بعض ، وهذا أساس التعاون بين الجميع ، فإن أكثر مايضر بالعلاقات الإنسانية أن يجهل بعضهم بعضا ، ويبتعد بعضهم عن بعض.

إن الوحدة والتعددية أو التنوع قائمان في صميم العلاقات البشرية، إنهما وجهان لعملة واحدة إذا صح التعبير، والوحدة في وجوهها لا تنفي التنوع، كما أنه بدوره لا ينفي الوحدة، إنهما يتداخلان ويتوازيان، ويؤثر أحدهما في الآخر.

قد تحث حالات تقاطع، تقود أحيانا إلى التعارض، لكن الخط الأكثر عمقاً وامتداداً هو أن التجربة البشرية منذ لحظات تشكلها الأولى، وحتى قيام الساعة، إنما هي تجربة تتعدد فيها الانتماءات، وتتغير فيها العلاقات وتتنوع فيها القناعات.

وإن هذا التغاير في حدوده المعقولة، ومن خلال تعامله مع الثوابت، هو الذي يمنح التاريخ البشري ليس فقط تفرده وخصوصيته، وإنما قدرته على الفعل والصيرورة.

إن الإرادة الحرة والاختيار المفتوح الذين منحا الإنسان حرية الانتماء إلى هذا المذهب أو ذاك، يقودان بالضرورة إلى عدم توحد البشرية وتحولها إلى معسكر واحد. إن قيمة الحياة الدنيا وصيرورتها المبدعة تكمن في هذا التغاير.

والقرآن الكريم يحدثنا عن هذا التغاير في أكثر من سورة، ووفق أشد الصيغ واقعية ووضوحًا (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات) {المائدة:480}.

وقوله تعالى (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) {هود:119}.

وكثيرا ما يكون اختلاف الألسنة والألوان الذي يعقبه تغاير الثقافات وتعدد الأعراق أحد العوامل الأساسية التي تكمن وراء التنوع الذي هو بحد ذاته صيغة من صيغ الإبداع الإلهي.

لقد شهد العالم الإسلامي أنشطة معرفية متمايزة، وثقافات شتى على مستوى الأعراق التي صاغتها، عربية وتركية وفارسية وصينية ومغولية وبربرية وإسبانية وكردية وغير ذلك، كما وجدت أنماط ثقافية على مستوى البيئات والأقاليم: عراقية وشامية ومصرية وسودانية وغربية واسبانية، وبحر متوسطية، وافريقية، وأوروبية شرقية وإيرانية وتركية وتركستانية وهندية إلى آخره...

كانت كل جماعة ثقافية تمارس نشاطها بحرية وتعبر من خلاله عن خصائصها.

ولكن في اطار الاسس والثوابت الاسلامية، بدءاً من قضية اللغة والأدب ، وانتهاءً بالعادات والتقاليد، ولم يقل أحدُ إن  في هذا خروجاً عن مطالب الاسلام، كما أن أحداً لم يسع الى مصادرة تلك الحرية، وفي المقابل فإن أياً من هذه المتغيرات لم يتحول الا في حالات شاذة- الى أداة مضادة لهدم التوجهات الأساسية لهذا الدين(التنوع)

ان من خصائص حضارتنا الاسلامية، انها لا تحكم بالإعدام على الثقافات الأخرى، وإنما تعتمد على الحوار، لقد كان الحوار قائماً بين المذاهب جميعا في المنهج وأدوات العمل، وفي المفردات والآليات والنتائج، وكان الأخذ والعطاء يضع الأساتذة وطلبتهم على صعيد تعددية رفضت العنف والانغلاق، وبلغت أقصى درجات السماحة والنبل في التعامل مع الرأي أو الموقف الآخر، كما أن عصر الرسالة قدم نموذجاً حضارياً للتعامل مع أهل الكتاب ومع غيرهم تأسست من خلاله قواعد العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين

وعندما مضت حركة التاريخ صوب العصور التالية، مضت معها هذه القواعد والصيغ تعمل عملها في مجرى العلاقات الاجتماعية، وما حدث بين الحين والآخر من خروج عليها لم يعدو أن يكون شذوذاً عن تلك القواعد

ماالذي أراد رسوله الله صلى الله عليه وسلم أن يقوله ويعامل به غير المسلمين من أهل الكتاب بمقدور القارئ أن يرجع الى مصادر السيرة للعثور على الجواب.

ويكفي أن نشير اشارة الى العهد الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم في اعقاب غزوة تبوك (في العام التاسع) لنصارى نجران، ذلك العهد الذى يقدم نموذجا للعدل والسماحة والحرية الدينية والاجتماعية وقد جاء فيه" ولنجران وحاشيتهم جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وبيعهم وصلواتهم، لايغيروا أسقفاً عن أسقفيته، ولا واقفاً عن وقفايته وكل ما تحت ايديهم من قليل أو كثير.....

وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم لبعض المجتمعات اليهودية في شمال الجزيرة بعد غزوة خيبر(7ه) والسنين التي تلتها وكان مما ورد في هذا الكتاب " فإذا جاءكم كتابي هذا فإنكم أمنون لكم ذمة الله وذمة رسوله ...... الان أن اليهود نقضوا العهود والمواثيق

إن المنهج القرآني أسس للمشتركات الإنسانية من خلال المبادئ والقيم الخلقية المشتركة بين الناس على اختلاف انتماءاتهم الحضارية والمذهبية والثقافية والدينية من أجل بناء أسس للتواصل بين مختلف الحضارات والثقافات الإنسانية، ولقد بنى الإسلام ذلك التعاون والتعايش والحوار على جملة من الأسس لعل من أبرزها ما يلي:-

1- وحدة الأصل الإنساني :- قال تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (النساء: ١).

2- وحدة العبودية لله تعالى : الكل عبيد لله .

3- وحدة الوظيفة الكونية : فقد استخلف الله الإنسان وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً(البقرة: ٣٠) .

4- وحدة القدرة على الإدراك المعرفي فالناس جميعا متساوون في تلك المؤهلات وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (النحل: ٧٨).

5- وحدة الكرامة الإنسانية : فقد كرم الله تعالى الناس جميعاً : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا(الإسراء: ٧٠) .

6- الضروريات الخمس وحفظ المشترك الإنساني : لقد حددت الشريعة على وجه القطع قوام حياة الإنسان الكريمة في كليات خمس عبر عنها أبو حامد الغزالي بقوله "ومقصود الشرع من الخلق خمسة وهي أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم" فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة .

ومن الأسس العملية للمشترك الإنساني :-

وجوب حماية المخالف ، وهذه الحماية شاملة لجميع حقوقه ، وقد قال النبي ﷺ : من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وأن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً " البخاري ، وقوله ﷺ : "إيما رجل أمن رجلاً على ذمته ثم قتله فأنا من القاتل بريء وإن كان المقتول كافراً" المسند

- حماية الحرية الدينية.

- الاندماج الاجتماعي بما يحقق وحدة اجتماعية على أساس التنوع الديني.

الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ(المائدة: ٥)

وانطلاقاً من وحدة الأصل الإنساني

فإن الأزهر الشريف بدأ خطوات عملية لتحقيق السلام بين علماء الدين وذلك من خلال زيارات فضيلة الإمام الأكبر لكنيسة كانتربيري، وزيارة البابا فرانسيس (بابا الفاتيكان) ومجلس الكنائس العالمي وجولات الحوار بين حكماء الشرق والغرب التي شهدت التعاون بين الأزهر الشريف وجلس حكماء المسلمين.

وذلك لاتخاذ خطوة جديدة على طريق بناء عالم متكامل للعمل من أجل تخفيف ما يعانيه الناس اليوم من رعب وألم ودماء وحروب، لأن البشرية تتطلع إلى العودة لجوهر الأديان الإلهية، وتعاليمها الإنسانية والخلقية.

وإذا كان الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر الأسبق قد أسهم ببحث في المؤتمر العالمي للأديان الذي عقد في لندن عام 1936م وقد جاء بحثه موسوما بالإخاء الإنساني والزمالة العالمية حيث دعا فيه إلى الإخاء والزمالة العالمية فإن الإمام الأكبر شيخ الأزهر أ. د / أحمد الطيب أخذ زمام المبادرة في الدعوة إلى السلام العالمي الذي تبدأ خطواته الأولى بين علماء الدين ورجاله، وتحقيق الأخوة بينهم أولا، يقول اللاهوتي الكبير هانزكينج: لا سلام للعالم بدون سلام ديني.

ولذا جاءت المبادرة الإسلامية من خلال الأزهر الشريف بقيادة شيخه أ. د / أحمد الطيب بزيارة رسمية لكنيسة كانتربري واستضافة رئيس أساقفة كانتربري لوفد الأزهر في يونيو 2015، والخطوة الثانية للأزهر الشريف بتوجيه الإمام الأكبر إلى حاضرة الفاتيكان وزيارة البابا فرنسيس (بابا الفاتيكان) في مايو 2016 وزيارة شيخ الأزهر لمجلس الكنائس العالمي بجنيف في 30 سبتمبر إلى 2 أكتوبر 2016، واللقاء الرابع في دولة الإمارات العربية الشقيقة في مدينة أبو ظبي التي شهدت الجولة الرابعة من الحوار بين حكماء الشرق والغرب.

لقد أكد الإمام الأكبر في تلك الجولات الحوارية على أن قضية السلام في الرسالات الإلهية قضية مركزية مهمة للغاية، وأن كلمة السلام ترددت في الكتاب المقدس بعهديه: القديم والجديد وفي القرآن الكريم في عشرات المواضع.

وأن الرسالات السماوية تؤكد على إقرار مبدأ السلام بين الناس إلا إن قضية السلام العالمي – اليوم – ترتبط وجودًا وعدمًا بالسياسات الدولية ومصالحها الجشعة؛ بعيدًا عن ضوابط الأخلاق والقيم الروحية التي نادت بها الأديان السماوية.

وقد دعا الأزهر الشريف لمؤتمر دولي للسلام يحضره البابا فرنسيس (بابا الفاتيكان) ورجال الدين المسيحي ومجلس الكنائس العالمي.

ومن المبادرات التي قام بها الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين إرسال قوافل السلام إلى مختلف دول العالم، حيث قامت تلك القوافل بتصحيح المفاهيم المغلوطة وتبنيّ شعارًا موحدًا " كل شعوب العالم نظراء في الإنسانية، ومن حق الجميع أن يعيش في أمان وسلام ".

وقام الأزهر بعمل مصالحة في جمهورية أفريقية الوسطى بين الأطراف المتصارعة.

ومن المبادرات: دعوة الإمام الأكبر إلى الانتقال من فقه الأقليات إلى فقه الاندماج والتعايش الإيجابي مع الآخرين؛ لأن عالمية الإسلام تنظر إلى العالم كله على أنه مجتمع واحد تتوزع فيه مسؤولية الأمن والسلام على الجميع، وأن المواطنة الكاملة لا تتناقض أبدًا مع الاندماج الذي يحافظ على الهُوية الدينية، وقد كانت وثيقة المدينة نموذجًا للتعايش السلمي والمواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات مما يلي علينا جميعًا أن نعمل على طرح المبادرات العملية القابلة للتطبيق على أرض الواقع.

لقد دعا الإمام الأكبر إلى الحوار الإنساني بين الأطراف المتصارعة لمواطني ميانمار للبوذيين والهندوس والمسيحيين والمسلمين.

شكر الله لكم جميعًا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عدد المشاهدة (2825)/التعليقات (0)

كلمات دالة: