06 نوفمبر, 2019

قــــدوتــــنـــــــــــــــا

كثيرٌ من يقلدون من هم ليسوا منا، ولا من مجتمعنا، ولا ثقافتهم مثل ثقافتنا "تقليدًا أعمى"، فالنفس البشرية بها طاقة الاقتداء والاتباع، وكل منا يحتاج إلى شخصية يعجب بها ويقتدي بأفعالها وسلوكها، والناس في ذلك بين مقتدٍ بخير ومقتدٍ بشر، ومنهم من خلط عملا صالحا وأخر سيئا، وآخرون يقتدون بقدوات طيبة وأخرى سيئة.

فمن قـــدوتـــنــــــــــا؟

ومن مثلنا الأعلى والأحق بالاقتداء؟

لا شَكَّ أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو أعظم إنسان في تاريخ البشرية، وأنه تام الخَلْق والخُلُق؛ وكيف لا وقد قال فيه ربه عز وجل: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}

ولقد شهد لرسول الله -صلى الله عليه وسلم -الجميع -مسلمون وغير مسلمين- قديمًا وحديثًا بهذه الشهادة، وهي أنه -صلى الله عليه وسلم- أفضل البشر، وأَثْنَوْا على صفاته وأخلاقه -صلى الله عليه وسلم.

وما من إنسان يُمكن أن يُوضع في مقارنة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم؛ فهو السابق في كل الأمور في التقوى والشجاعة، والجود والرحمة، والحلم والتسامح.. وكافة صنوف الأخلاق الحميدة.

 ومن أجل هذا فإن الله عز وجل جعله أسوة وقدوة للناس: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]

ولأنه -صلى الله عليه وسلم- هو أسوتنا وقدوتنا في كل أمر؛ فإنه لم يترك أمرًا من أمور الحياة كبُر أم صغُر إلَّا وأوضح لنا أصول التعامل الصحيح معه؛ لكي تستقيم خطواتنا على سبيل الشرع الإسلامي، ولا تحيد عنه فتزلّ ونهلك؛ ولِتَحَقُّق الفائدة من الأسوة والقدوة فقد أمرنا الله عز وجل أن نأخذ ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأن نترك ما تركه.

 وقد عاش الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد نزول الوحي ثلاثًا وعشرين سنة، حدثت فيها جميع أجناس الأعمال التي يمكن أن تقع للإنسان والمجتمع والدولة؛ منها ثلاث عشرة في مكة حيث الكفر مسيطر على الأوضاع، والرسول -صلى الله عليه وسلم- يدعو الناس سرًّا وجهرًا، والصحابة يستخفون بإيمانهم، والرسول -صلى الله عليه وسلم- يُقابل أصنافًا متنوِّعين من البشر؛ منهم مَنْ يرقُّ قلبه لكلام الله، ومنهم مَنْ قلبه كالحجارة، ومنهم المتردِّدُ والخائف والمنتفع الباحث عن السلطة.

دعا الرسول -صلى الله عليه وسلم- الرجال والنساء والأطفال، وواجه ردود أفعال قريش من التكذيب إلى السخرية والاستهزاء إلى التشويش على دعوته، ثم العداء السافر بالاضطهاد والإيذاء له -صلى الله عليه وسلم- والتعذيب لأصحابه -رضي الله عنهم.

وفي المدينة قام الرسول -صلى الله عليه وسلم- ببناء دولة مختلفة الأعراق والأجناس؛ انطلاقًا من مجتمع حافل بالصراعات والمنافقين.

صاغ الرسول -صلى الله عليه وسلم- دستورًا للدولة، وتعامل مع الدول والقبائل، وراسل الملوك، وخاض الحروب بتوكُّل على الله -عز وجل، وتخطيط مُحْكَم وإعداد شامل للقوَّة.

ولم يكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- في حياته يحبُّ الحروب أو يشتهيها، وإنما كان يجعلها آخر الدواء؛ ومن ثمَّ حفلت حياته -صلى الله عليه وسلم- بكل ما يمكن أن يمنع الحرب أو يُخَفِّف وتيرتها، وكان من هذه الأمور المعاهدات والاتفاقيات.

لقد عاهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- في فترة رسالته كلَّ الطوائف التي يُمكن للمسلمين أن يُعاهدوها مستقبلاً؛ فقد عاهد اليهود والنصارى والمشركين؛ حتى يُعَلِّمَنَا كيف تكون المعاهدات، وما أصولها؛ مثل: كيف نصوغ المعاهدات للحفاظ على مصالح الإسلام والمسلمين، وما التنازلات التي يُمكن تقديمها لإتمام المعاهدة، وما الذي لا يُمكن التنازل عنه، ووجوب الوفاء بالمعاهدات، ومتى يمكن اعتبار المعاهدة ملغاة. كلُّ هذا علَّمه لنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- في سيرته العطرة.

 

نعم، الرسول قدوتنا قولاً وفعلاً وتطبيقًا، وهكذا نسعى جاهدين إلى أن نكون به مقتدين.

 إن وجود القدوة الحسنة في حياة الأمم والشعوب والدعوات ضرورة حتمية، ليُقتدَى بها وتُكتسب منها المعالم الإيجابية في الحياة، سواءٌ مع الله تعالى في أداء العبادات والفرائض، أو مع النفس وتزكيتها وتربيتها على الأخلاق الفاضلة، أو مع الأهل والأبناء داخل الأسرة من أجل بناء أسرة متماسكة، أو مع المجتمع في أمور الدين والدنيا.

كان رسولنا قدوة في بيته في جميع مناحي حياته الأسرية مع زوجاته وبناته؛ حيث كان يحدِّثهم بأطيب الكلمات وأحسن الأحاديث وكان يلاعبهم ويلاطفهم، ويُدخل السرور على قلوبهم، ويعدل بينهم ولقد وصفت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- خُلق النبي -صلى الله عليه وسلم- حين قالت: "كان خلقه القرآن".

وكان قدوة في مجتمعه حينما آخى بين المهاجرين والأنصار وأسس دولة قوية ووثق المعاهدات مع اليهود والنصارى والمشركين، أما مع المسلمين فلا يتكبَّر عليهم ولا يظلمهم ولا يغشهم ولا يصعِّب أمورهم، ويتواصى بالحق ويتواصى بالصبر ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حتى يطمئن الناس إلى بعضهم البعض، وتزداد ثقتهم ببعض، فيزول من المجتمع البغض والكراهية، ويحل الوئام والمودة.

وكان قدوة لنا كحاكم وقائد حينما قال لنا "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته؛ الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته" متفق عليه.

أفنيت عمرك كله تعلمنا وترشدنا وتخرجنا بفضل الله ورسالته من الظلمات إلى النور، أي من الرسل فعل ما فعلته أنت؟؟ أنقذتنا من جهالة الجهلاء والضلالة العمياء في الدنيا وتنالنا شفاعتك في الآخرة. فبأبي أنت وأمي يا رسول الله.

فواجب على كل فرد من الأمة الإسلامية أن يكون نسخة طبق الأصل من رسولنا الكريم بيانا وجهادا وحكمة وحنكة ودراية وعبادة وزهدا وإقداما وثباتا ووفاء وكرما ولطفا ورحمة وحزما وحقه علينا أن نقتدي به في جل حياتنا ونكثر من الصلاة عليه ونحيي سنته ما حيينا.

 

بقلم

وفاء حسام الدين حسن أحمد

واعظة بمنطقة بني سويف

عدد المشاهدة (2598)/التعليقات (0)