07 مارس, 2020

بين التيه والرشاد

بين التيه والرشاد

التيه والرشاد من الأمور المتقابلة، والفارق بينهما شعرة دقيقة، وللأسف قد يظن الإنسان أنه واقف على حراسة حدود الإصلاح وأنه المنقذ للبشرية بأجمعها، لكنه واقع في غيابات التيه منذ أمد بعيد، وإذا أردنا أن نضع سببا رئيسا لهذا نجد أنه ناتج عن ضعف في التصورات أدى بدوره إلى خلل في النتائج، وليت الأمر يقف عند اكتفاء المبتلى بالتيه ؛ بل إنه يرمي غيره بالترهل والضياع والغياب في جب بعيد في سابع أرض، وما كان هذا الصنيع إلا هروبا من مصالحة النفس والوقوف أمامها والاعتراف بخطئها.
وكان مما ابتلينا به في هذه الآونة دندنة عدد غير قليل حول ما أسموه إشكالية في واقع التعليم الأزهري، وأقاموها على مسلمة عندهم  سببها في زعمهمهو: «ازدواجية التعليم الأزهري»، وأن هذه الازدواجية هي التي جعلت دور الأزهر يتراجع، مما أدى إلى خلل في الخطاب الديني، وأن الحل أمام هذه الإشكالية  حسب مرادهم أيضاهو :«إلغاء الازدواجية».
وهذا الكلام نابع كما قلنا من تصورات خاطئة، وهذه التصورات ناتجة مما يلي:
1- أن أصحاب هذه الأطروحة وقعوا في  مفارقة حول معنى العلم ورأوا أن العلم ينقسم إلى قسمين: ديني وغير ديني، ومن المعلوم أن العلم الذي أمر الشرع المسلمين  بتعليمه هو كل ما فيه صلاح البشرية ورقيها، وهذا هو واقع المسلمين على مر الأزمان منذ  العصور الأولى إلى عصرنا الحالي حيث يسير الأزهر الشريف فيه علي النهج .
وقد كانت السيدة عائشة من العلماء بالطب والفقه والشعر ...، وكذلك كان كثير من الصحابة والتابعين، ولكن الفارق هو أن بعضهم تفرغ لفن بعينه مع عدم إهماله لبقية العلوم الطبعية الأخري، مما دعا جوستاف لوبون أن يتمنى استيلاء المسلمين  على فرنسا لتصبح باريس مثل الأندلس، وهذه البراعة العلمية التي برع فيها أبو بكر الرازي وابن سينا والحسن ابن الهيثم وغيرهم إنما نبعت  من التأثر بالوحي والمنهج النبوي. 
والأزهر الشريف  على طول عهده _لم تحدث عنده المفارقة بين ما يسمى بالعلم التجريبي أو العلم الديني، فالحسن بن الهيثم وابن يونس المصري الفلكي المشهور الذي سبق جاليليو في اختراع بندول الساعة وغيرهم ، كانت لهم حلقات علمية في الأزهر، وقد عاصر ابن يونس نهاية عصر" العزيز "وطرفا من عصر" الحاكم" وابن الهيثم قدم مصر في عصر" الحاكم"،  ولم يكن الجبرتي الذي تعلم منه علماء الحملة الفرنسية علم الرياضيات  من الأزهر ببعيد، ولا تخفي علي أحد كتابات علماء الأزهر في الطب والتشريح والفلك ...، وها هو الشيخ/  أحمد الدمنهوري _ شيخ الأزهر الأسبق يعد  من أول من كتبوا في علم التشريح ، أما شيخ الإسلام زكريا الأنصاري فقد كان له  باع في علم الميقات والهيئة، وأضف إلى هذا البراعة الفلسفية والإحاطة بقضايا المنهج العلمي الذي اختص به علماء الأزهر .
 والتقرير الرسمي الذي صدر عن مشيخة الأزهر سنة 1864هـ بين أن علوم الحساب والجبر والهيئة والهندسة والموسيقى كانت تدرس في الأزهر الشريف ، كما أن المراجع التاريخية التي درست حركة التعليم في الأزهر أكبر من أن يحاط بها.
2- أنهم لم يتصوروا أن الإنسان المسلم ينطلق من نموذج معرفي يحدد  العلاقة بين الإنسان والكون، ويضع له طريقا واضحا يمشي عليه، ويؤكد علي أن الإنسان كائن ثنائي مركب من مادة وروح، وأن وظيفته في هذا الكون هي إعماره لا تدميره، وأن الذي حدث في الغرب من الانفصالية هو ما يعاني منه العالم المعاصر الآن، حيث تحول العلم _ بصورة ملحوظة_ إلى وسيلة لاستعباد الشعوب وتدمير الأرض، وإذا خالطت المعارف الوحيية قلب الإنسان حدث تناغم بين جسده وروحه ، وصار عقله عقلا مسددا مؤيدا ، أما أصحاب هذه الدعاوى المخالفة للمنهج والعقل والواقع فإن المفارقة بين المادة والروح ظاهرة في كلامهم وإن لم يعلنوا بها ؛ لأنهم يرددون ما يسمعون من غير وعي ولا تفكير، ودون ربط بين الواقع والمستقبل ولا مزج بين التراث والمعاصرة .
وإن ما قام به الأزهر الشريف من إنشاء الكليات العلمية ما هو إلا تنظيم للمعرفة العلمية حتي يتخرج عن طريقها من يستخدم هذه العلوم في سبيل سعادة البشرية لا هلاكها، أما أصحاب هذه الدعاوى فهم يريدون إغراق الناس في مادية تكرس كل جهودها في تدمير البشرية وإهدار القيم ، فاللهم أخرجهم من سدف النفس المظلمة.
الواعظ عبد العزيز معروف.

عدد المشاهدة (960)/التعليقات (0)

كلمات دالة: