15 مارس, 2020

الطب الوقائى فى الإسلام والحماية من مرض الكورونا.. دراسة تطبيقية

الطب الوقائى فى الإسلام والحماية من مرض الكورونا.. دراسة تطبيقية

يصاب العالم فى هذه الآونة بحالة من التوتر إثر الإعلان عن ظهور عدوى جديدة تسمى"فيروس كورونا" حيث يحبس العالم أنفاسه خوفاً من تفاقم هذا المرض ، وذلك لما له من آثار قد تؤدى إلى الوفاة، وفى ظل هذه المعاناة التي تزيد وتعظم بسبب عدم الوصول إلى دواء أو علاج يقضى علي الفيروس حتى الآن ؛ يلجأ العالم بجميع هيئاته إلى محاصرة هذا المرض ، وذلك بعدة قرارات وقائية تعمل على تقنين انتشاره بين الأفراد ومن ثم الشعوب، ولعل هذا المقال يأتى فى تعداد المعايشة الدينية للوقاية من هذا المرض وأمثاله، حيث نتعرف في هذه السطور على النظام الصحى فى الإسلام والذى يعرف فى العصر الحديث بـ"الطب الوقائى" وهو فرع حيوي من علوم الطب الحديث، يعتني بمنع الأمراض قبل حدوثها، وإذا حدثت الأمراض يكون هذا الفرع من الطب معنيا بمنع انتشار العدوى إلى الآخرين.
وللإسلام فى تعاليمه سبق فريد فى هذا الباب؛ فهو الذى دعا إلى النظافة الشخصية وربط بينها وبين العبادات الدينية، فجعل شرط الصلاة_ التى هى أعظم عبادة إسلامية_ الطهارة من الحدث والنجس ومن كل مستقذر؛ ليصون النفس البشرية من براثن الأمراض والأوبئة ، قال تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا.. " (المائدة: 6) وعن ابن عمر- رضي الله عنه- عن النبي_ صلى الله عليه وسلم_ قال : " لاَ تُقْبَلُ صَلاَةٌ بِغَيْرِ طهور" (صحيح مسلم)
 كما دعا الإسلام ورغب فى السواك الذى لاشك أنه يحمى أسنان الإنسان من التسوس وما شابه ذلك مما يؤدي إلى ألم الأسنان أو فقدها، ومن ثم لا يستطيع الإنسان مضغ الطعام جيداً، فيكون التأثير سلبياً على الجهاز الهضمي وما يتبع ذلك مما هو معلوم طبياً من آثار سلبية.
يقول الدكتور/عبد الحميد القضاه :"الفم مدخل رئيس للجسم ، منه تعبر أرتال من الجراثيم الضارة ، وفيه تستقر أعداد هائلة من الجراثيم البكتيرية والفيروسية والطفيلية.." (كتاب تفوق الطب الوقائى فى الإسلام:ص10) 
فإذا رجعنا إلي الإسلام وجدناه قد دمج هذه المعلومات الوقائية فى طى العبادات ، بل جعلها من الوسائل التى ينال العبد بها مرضاة الرب جل وعلا فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قَالَ ‏ "‏ تَسَوَّكُوا فَإِنَّ السِّوَاكَ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِّ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ ، وَمَا جَاءَنِي جِبْرِيلُ إِلاَّ أَوْصَانِي بِالسِّوَاكِ حَتَّى لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يُفْرَضَ عَلَىَّ وَعَلَى أُمَّتِي، وَلَوْلاَ أَنِّي أَخَافُ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَفَرَضْتُهُ لَهُمْ.."(سنن ابن ماجة) 
ومع أهمية هذه التوصية فإن الخير فيها لمن يتعظ ويعتبر ويطبق.
ومن الطب الوقائي _ أيضاً_ النهى عن الإسراف فى الطعام والشراب؛ إذ أن المعدة بيت الداء والوقاية خير من العلاج ، ولذا وضع الإسلام نظماً غذائية صحية كماً وكيفاً فقال _ تعالي_ في محكم التنزيل "وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ" (الأعراف -31) والأطباء مجمعون على أن الإكثار من الطعام والشراب شرٌّ مستطير ، لأنه يصيب المعدة بالإرهاق وعسر الهضم وتخمر الطعام وعفنه مما يؤدى إلى القرحة وارتجاع المرىء والاثني عشر.
بل زاد الإسلام علي ذلك فنهى عن الأكل دون حاجة؛ إذ يقول –صلى الله عليه وسلم- "نَحْنُ قَوْمٌ لا نَأْكُلُ حتَّى نَجُوع وإذا أَكَلْنَا لا نَشْبَعُ " كما كره الإسلام السمنة والبدانة والتخمة وكِبَر البطن؛ فعن جعدة الجشمى  قَالَ : رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلا سَمِينًا فَأَهْوَى النَّبِي إِلَى بَطْنِهِ فَقَالَ:" لَوْ كَانَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ" (مسند الإمام أحمد) 
وحثنا النبى –صلى الله عليه وسلم – على عدم تناول الطعام قبل النوم مباشرة لما يترتب عليه من أضرار ؛ فمما رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "أَذِيبُوا طَعَامَكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةِ، وَلَا تَنَامُوا عَلَيْهِ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ"(الأذكار للنووى) 
ولا يخفي علي أحد أيضاً أن الإسلام أمرنا بتغطية آنية الطعام والشراب حتى لا تتعرض للذباب والميكروبات وتنتشر على أثرها الأوبئة، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "غَطُّوا الإِنَاءَ وَأَوْكِئُوا السِّقَاءَ فَإِنَّهُ يَنْزِلُ لَيْلَةً مِنَ السَّنَةِ وَبَاءٌ لا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَمْ يُغَطَّ وَلا بِسِقَاءٍ لَمْ يُوكَأْ إِلَّا وَقَعَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ"( رواه مسلم) وذلك لأن تركها مكشوفة يساعد على انتشار النزلات المعوية التى منها التيفود والدوسنتاريا وغيرهما ، بسبب ما يعترى الطعام والشراب من تلوث وجراثيم.
 ولقد هاجر النبى –صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة يثرب وكانت موطناً للأوبئة، وبفضل دعاء النبى –صلى الله عليه وسلم- وتوجيهاته الحكيمة استطاع أن يقضى على الأمراض المنتشرة بها ، والتى منها "البلهارسيا" كما ذكر الدكتور/أحمد شوقى الفنجرى في بحثه_ الذى حصل به على الجائزة الأولى في إحدى الجامعات الأمريكية ، وكان عنوانه: "الطب الوقائى في الإسلام –تعاليم الإسلام الطبية في ضوء العلم الحديث"_ أن"البلهارسيا"  كانت موجودة قبل الإسلام ، وقد وجدت بويضاتها في بعض موميات الفراعنة، وأن يثرب واحدة من المدن التى انتشرت فيها لكثرة آبارها ومستنقعاتها، ودورة حياة البلهارسيا تبدأ في الماء ، وعندما يتبول أى مريض بها في الماء  ينزل البيض ويفقس؛ فتخرج منه السركاريا التي تصيب جميع من يستعملون هذا الماء، ولذا نهى النبى –صلى الله عليه وسلم _عن التبول أو التغوط في الموارد ؛ بل جعله من الملاعن.
وهكذا نجد في تعاليم الإسلام عِلْمَ مكافحة الأوبئة والأمراض المعدية التى منها "فيروس كورونا" وتتمحور هذه التعليمات خلف هذه النقاط :-
1- مبدأ الفصل والفرار في ظل الأوضاع الدولية الراهنة – تأخذ كل دولة رعاياها تجنباً للمرض- وذلك إذا كان المرض فى مرحلته الأولى، وقد وَجَّهَ النبى –صلى الله عليه وسلم- إلي الفرار منه طالما أنه لم ينتشر بعد كما فى صحيح البخارى وغيره "وفِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنْ الْأَسَدِ"
 وكما أخرج أبو نعيم في الطب من حديث الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: "اتَّقوا المجذوم كَمَا يُتَّقَي الْأسد".
2- الحجر الصحى على البيئة التى انتشر فيها المرض؛ حتى لا تنتقل العدوى إلى الأصحاء، فمما روى عن أبى هريرة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ_ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _قَالَ: "لَا يُورِدُ مُمْرَضٌ عَلَى مُصِحٍّ "(مسند الإمام أحمد)
 وعن عبد الرحمن بن عوف_ رضي الله عنه_  قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ_ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ يَقُولُ : "إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ [يعني : الطاعون] بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْه". (البخارى ومسلم) وبه عمل سيدنا عمر ابن الخطاب فى خلافته حين انتشر الطاعون فى بلاد الشام فرجع ولم يدخلها.
3- العزل الصحى: وهو عزل المريض المصاب بالعدوى فى البيت أو المشفى وعدم اختلاطه بغيره من الأصحاء حتى لا تنتقل العدوى إليهم، ولذا ورد " أَن قَوْمًا شكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ–صلى الله عليه وسلم- وَباء أَرضهم فَقَالَ–صلى الله عليه وسلم-: تَحوَّلوا فإن مِنَ القَرَف التَّلَفَ" .(أخرجه أبوداود) قَالَ ابْنُ الأَثير: القَرَف: مُلَابَسَةُ الدَّاءِ وَمُدَانَاةُ الْمَرَضِ، والتَّلَف: الْهَلَاكُ ، بل رخص الإسلام للناس في عدم السلام علي صاحب العدوي؛ ففى الحديث: "اجْعَل بيْنك وبين المجْذوم قدْر رُمْح أو رُمْحين" ويَحكِي الشَّرِيدُ بنُ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيُّ أنَّه «كان في وَفْدِ ثَقِيفٍ وهي قَبِيلَةٌ مشهورةٌ رَجُلٌ مَجذُوم مُصابٌ بِمَرَضِ الجُذَامِ وهو مَرَضٌ مُعْدٍ وأراد هذا المجذومُ أن يأتِيَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم _لِيُبايِعَه على الإسلام والجِهاد فأرسَلَ إليه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: إنَّا قد بَايَعْناك _ أي: بالقولِ من غيرِ أخْذِ اليَدِ في العَهْدِ فارْجِع".(صحيح مسلم).
4- النظافة المستمرة ولا سيما عند ملامسة الأشياء ؛ فإن من السنة: الوضوء عند زيارة المريض، وقبل الطعام وبعده ، ووضع اليد أو قطعة من القماش- منديل- عند العطس ، ودفن البزاق ، وتغطية الإناء والسقاء ، وغير ذلك مما ورد فى السنة النبوية المطهرة ؛ لأن الأمراض المعدية تنتقل عن طريق الرزاز والبزاق والمخاط وغير ذلك من هذه الأمور.
5- بذل الجهد فى البحث عن دواء لهذا الداء، فإن كان الداء من قدر الله –عز وجل- فإن الدواء _أيضاً _من قدر الله–عز وجل-
 وكما جاء فى الحديث عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم- "لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أَصَابَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ" (صحيح مسلم".
6- عدم التهويل وإثارة الذعر بين الناس، لا سيما إذا كان انتشار المرض يهدر مقوما من المقومات الاقتصادية للدولة مثل انفلونزا الطيور أو الحيونات ، وما يترتب على ذلك من شائعات وإتلافات تذهب بمقدرات الدولة هباءً منثورا ، مما يؤثر سلباً على نفسية المرضى من جانب وعلى اقتصاد الدولة من جانب آخر، وذلك واضح فى قوله –صلى الله عليه وسلم- "هى بقدر من الله –عز وجل-"
7- تنفيذ التعليمات الصادرة من الجهات المختصة والتى تعد بمثابة ولى الأمر حفاظاً على الأنفس، قال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ.."(النساء: 59).
ومما سبق يتبين أن تعاليم الإسلام لم تترك باباً واحداً من أبواب الطب الوقائى إلا ووضعت له قواعد صريحة وواضحة ومحددة، لتحمى بها المجتمع من شرور الأوبئة ، وتصونه من افتراسها، وعلى الإنسان أن يستنير بمشكاة هذا الدين الذى جاء فىه : " وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِب الْمُحْسِنِينَ" (سورة البقرة:195). 
هذا والله أعلم 
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
د.إبراهيم نصار ... منطقة وعظ القليوبية .

عدد المشاهدة (5809)/التعليقات (0)