19 مارس, 2020

مظاهر التكريم والتأييد للنبي - صلى الله عليه وسلم - في رحلة الإسراء والمعراج

مظاهر التكريم والتأييد للنبي - صلى الله عليه وسلم - في رحلة الإسراء والمعراج

إن الله – عز وجل –  كرم وأيَّدَ نبيَّه محمدًا
 - صلى الله عليه وسلم – بكثير من المعجزات ، ومن هذه المعجزات التي ظهر فيها التكريم والتأييد للنبي _صلى الله عليه وسلم – معجزة الإسراء والمعراج . 
ونقف الآن علي بعض مظاهر هذا التكريم :
1-     ما أراه الله للنبي – صلى الله عليه وسلم – من آياته الكبرى 
ولقد وضح الله – عزوجل – هذه الحقيقة في موضعين من كتابه :
الأول: في مطلع سورة الإسراء ، حيث يقول الله فيه "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ "  الإسراء: 1 
ومعنى قوله تعالى: "  لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا "  أى: أسرينا بعبدنا محمدٍ ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، ثم عرجنا به إلى السموات العلا ؛ لنطلعه على آياتنا وعلى عجائب قدرتنا، والتي من بينها :
مشاهدة النبي– صلى الله عليه وسلم لأنبياء الله الكرام، ورؤيته لما يريد ربه أن يريه إياه من عجائب وغرائب هذا الكون. 
فالله_ سبحانه يريد أن يجعل لرسوله صلى الله عليه وسلم _ خصوصية، وأن يريه من آيات الغيب الذي لم يطلع عليه أحدا، ليرى _صلى الله عليه وسلم _ حفاوة السماء به، ويرى مكانته عند ربه الذي قال له :" وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ "  النحل: ١٢٧  ، لأنك في سعة من عطاء الله، فإن أحزنك أهل الأرض فسوف يحتفل بك أهل السماء في الملأ الأعلى، وإن كنت في ضيق من بعض  الخلق فأنت في سعة من الخالق. 
والموضع الثاني : في سورة النجم وقال الله فيه : "  لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى " النجم: 18 
ومعنى الآية :  لقد رأى محمد _صلى الله عليه وسلم _في تلك الليلة أمورا عظاما لا يحيط بها الوصف، وقد  أكرمه الله برؤيتها ليزداد يقينا على يقينه، وثباتا على ثباته، وقوة على قوته في تبليغ الرسالة وتحمل الأمانة . 
والموضعان  السابقان يوضحان أن النبي – صلى الله عليه وسلم  - أراه الله – عزوجل – من آياته الكبرى العظيمة ما أراه تكريمًا له –وتأييدًا .
2 – تكريم النبي – صلى الله عليه وسلم – بجعله إمامًا للمرسلين في هذه الرحلة المباركة، وفي ذلك يروي الصحابي الجليل أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبي– صلى الله عليه وسلم –أنه قال : " ثم انطلقنا حتى أتينا إلى بيت المقدس فصليت فيه بالنبيين والمرسلين إماما "  
وفي هذا تكريم وتشريف وتأييد للنبي – صلى الله عليه وسلم – وبيان بإمامته لسائر الأنبياء في الدنيا الآخرة .
 فليرفع المسلم رأسه حبا وشكرا لله لأنه من أمة النبي – صلى الله عليه وسلم - 
3 – تأييد النبي – صلى الله عليه وسلم – ببيان أمارات صدقه في هذه الرحلة،ويبدو ذلك جليا في إخبار النبي – صلى الله عليه وسلم – لمشركي قريش بهذه الرحلة المباركة،  وعندما كذبوه أيده الله – عزوجل – بدلائل تبين صدقه، حتى لا يطعن في صدقه إلا جاحد أو منكر أو مجادل بالباطل.
ومن الدلائل التي أيد الله – عزوجل – بها النبي – صلى الله عليه وسلم _في هذه الرحلة : 
أ‌-    عير قريش التي مَرَّ بها النبي – صلى الله عليه وسلم – في رحلته المباركة ، حيث يروي الصحابي الجليل شداد بن أوس – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم – أنه قال: " ثُمَّ انْصَرَفَ بِي – أي جبريل - فَمَرَرْنَا بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا قَدْ أَضَلُّوا بَعِيرًا لَهُمْ فَجَمَعَهُ فُلَانٌ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا صَوْتُ مُحَمَّدٍ ثُمَّ أَتَيْتُ أَصْحَابِي قَبْلَ الصُّبْحِ بِمَكَّةَ فَأَتَانِي أَبُو بَكْرٍ _رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ : أَيْنَ كُنْتَ اللَّيْلَةَ ؟ فَقَدِ الْتَمَسْتُكَ فِي مَكَانِكَ ،فَقَالَ: عَلِمْتَ أَنِّي أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ اللَّيْلَةَ؟ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ مَسِيرَةَ شَهْرٍ فَصِفْهُ لِي ،قَالَ: فَفُتِحَ لِي صِرَاطٌ كَأَنِّي أَنْظُرُ فِيهِ لَا يَسَلْنِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُ عَنْهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: انْظُرُوا إِلَى ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ يَزْعُمُ أَنَّهُ أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ اللَّيْلَةَ، قَالَ: فَقَالَ: إِنَّ مِنْ آيَةِ مَا أَقُولُ لَكُمْ أَنِّي مَرَرْتُ بِعِيرٍ لَكُمْ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا قَدْ أَضَلُّوا بَعِيرًا لَهُمْ فَجَمَعَهُ فُلَانٌ، وَإِنَّ مَسِيرَهُمْ يَنْزِلُونَ بِكَذَا ثُمَّ بِكَذَا وَيَأْتُونَكُمْ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا يَقْدُمُهُمْ جَمَلٌ آدَمُ عَلَيْهِ مِسْحٌ أَسْوَدُ وَغِرَارَتَانِ سَوْدَاوَانِ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ أَشْرَفَ النَّاسُ يَنْتَظِرُونَ حَتَّى كان قريبا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ حَتَّى أَقْبَلَتِ الْعِيرُ يَقْدُمُهُمْ ذَلِكَ الْجَمَلُ الَّذِي وَصَفَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ» 
فالله – جل وعلا – أيد النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك ليكون دليلا علي صدقه ، وقد أكدت العير صدق النبي – صلى الله عليه وسلم – عندما قدمت في الوقت الذي حدده وبالصفة التي حددها . 
ب - وصف النبي صلى الله عليه وسلم – لبيت المقدس وصفًا دقيقًا .
ففي الصحيحين عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ- رضي الله عنهما -  أَنَّ رَسُولَ اللهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _قَالَ: «لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ، قُمْتُ فِي الْحِجْرِ، فَجَلَا اللهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ» 
فهذا الحديث يبين أن الله – عزوجل – أيد نبيه – صلى الله عليه وسلم – بأن جلى له بيت المقدس أمام عينيه حتى يصفه لهم، وقد صدقوه ،وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله ابن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لما وصف لهم بيت المقدس " ...فَقَالَ الْقَوْمُ: أَمَّا النَّعْتُ فَوَاللهِ لَقَدْ أَصَابَ "  
وهذا_ بلا شك_ من تأييد الله – عزوجل – لنبيه – صلى الله عليه وسلم _  دلالة علي صدقه حين كذبته قريش في أمر الإسراء . 
4- قيض الله لنبيه صحابًيا صديقًا ، حيث صدقه في كل ما يقول ؛ بل وبَيَّنَ للجميع أمارة صدقه – صلى الله عليه وسلم - 
 فعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أنها قَالَتْ : " سَعَى رِجَالٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ_ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ_ فَقَالُوا لَهُ: هَذَا صَاحِبُكَ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ،ثُمَّ رَجَعَ مِنْ لَيْلَتِهِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ_ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ_ أَوَ قَالَ ذَاكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَأَنَا أَشْهَدُ إِنْ كَانَ قَالَ ذَاكَ لَقَدْ صَدَقَ ، قَالُوا: تُصَدِّقُهُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ الشَّامَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَرَجَعَ قِبَلَ أَنْ يُصْبِحَ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ_ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نَعَمْ ، أَنَا أُصَدِّقُهُ بِأَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ ؛ أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً" فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الصِّدِّيقَ 
وهذا الموقف من الصديق – رضي الله عنه- يبين كيف نَصَرَ الصِدِّيْقُ – رضي الله عنه – النبي _صلى الله عليه وسلم – بالحجة البالغة حيث بَيَّنَ الصديق أن أَمْرَ الوحي أبعدُ من أَمْرِ الإسراء، وكلاهما بقدرة الله ، وطالما كان الأمرُ كذلك ؛ فلا داعي للتكذيب.
 وفي كلام الصديق – رضي الله عنه _إشارة واضحة إلى حال النبي – صلى الله عليه وسلم – الذي يقرون ويعترفون به جميعا؛ وهو ملازمة النبي – صلى الله عليه وسلم – للصدق والأمانة ورجاحة العقل ، أما الكذب فإنه يصدر من الشخص إذا لم تتوافر فيه هذه الصفات ، وإذا كان الأمر كذلك؛ فلا داعي لتكذيبه، خاصة أن الجميع يقرون بصدقه وأمانته ورجاحة عقله بلسان الحال والمقال. 
وختاما :
لابد أن نعلم بأن الله – عز وجل – قد كرم نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة المباركة ، وأظهر دلائل صدقه.
 فيجب علينا أن نهتم بتعليم أبنائنا وبناتنا مظاهر هذا التكريم والتأييد، خاصة ونحن في زمن انتشرت فيه اللادينية . 
بقلم : محمود عمر عمر بدر. 
واعظ منطقة وعظ دمياط.

عدد المشاهدة (11466)/التعليقات (0)

كلمات دالة: منطقة وعظ دمياط