15 يوليه, 2021

بالحب والصدق والإخلاص تم اجتياز الطريق الصعب !!

بالحب والصدق والإخلاص تم اجتياز الطريق الصعب !!

بقلم أ.د/ حسن الصغير

عبر تاريخها الطويل شهدت البشرية فصولًا من التعايش والتآلف والتعاون والسلام والحب والبناء، كما شهدت فصولًا أخرى من الاختلاف والتنازع والتباغض والحروب والدمار، ولقد كانت الرسالات السماوية المتعاقبة خلال تلكم الرحلة الطويلة هي طوق النجاة الذي أنقذ البشرية بين الفينة والفينة من براثن النزاعات والأحقاد، ومن متاهات الصراعات ومن أهوال الحروب، التي تغيت في معظمها الاستحواذ على الثروات والمقدرات المادية، للاستئثار أو الاستبداد بها، وفي ظل نزغات من شهوات التوسع والاستقواء وحب السيطرة، كانت تزكيها نزعات عنصرية وعرقية في الغالب.
وبمرور الزمان تعقدت الأمور واسودت الصورة، فاتخذت الديانات والشرائع السماوية التي كانت من قبل أطواق النجاة للبشرية من أهوال النزاعات والمصادمات والحروب، اتخذت مرتكزًا لكل ذلك، فسجل التاريخ صفحات دموية أليمة لصراعات بشرية عاتية، تحت مزاعم دينية، وتوارثت البشرية آثارها المريرة، فاستقرت في النفوس ورسخت في الوجدان، على نحو صار معه مجرد الاختلاف بين بني الإنسان في الدين أو في العقيدة منطلقًا للكراهية ومرتكزًا للعداوة، وهو الأمر الذي يتناقض مع أبسط المبادئ الإنسانية والروحية السامية المتفق عليها بين الديانات السماوية، التي قوامها الدعوة إلى المحبة والتعايش السلمي والتكاتف في سبيل إعمار الكون وتحقيق معنى الاستخلاف في الأرض.
وفي ظل ذلكم الموروث الأليم وبعد قرون عدة من الصراعات الحضارية الرهيبة، باتت المؤسسات الدينية والإصلاحية في العالم عاجزة إلى حد بعيد عن الرجوع بالبشرية إلى الحال التي من أجلها كانت الشرائع السماوية المتعاقبة؛ إنها مهمة صعبة، كانت تفتقر بالضرورة إلى وسائل ناجعة؛ لإقناع الناس بالحق وصرفهم عن الباطل، ولإثنائهم عما هم ماضون فيه من التدابر والتقاطع والتنابز، حتى صارت البشرية في حال هي أحوج ما تكون فيه إلى تدشين جسور متينة للحوار الخلاق، وإلى تأسيس قواعد راسخة لصروح من الثقة وصدق النوايا بين المتدينين حول العالم، ولا سيما بين أصحاب الديانات الكبرى، كالمسلمين وإخوتهم من المسيحيين.
ولعله ظهر مما سبق مدى الصعوبة البالغة التي كانت تكتنف تحقيق تلكم الأمنية الضرورية، على نحو صورها أو تصورها الكثيرون بأنها شبه مستحيلة، بيد أنه بالحب والإخلاص والتجرد وصدق النوايا يكون التفاني، وبالتفاني وصلابة الإرادة يكون التيسير والتوفيق الإلهي في تحقيق ما كان صعبًا أو شبه مستحيل.
ومع فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب لهذا العام 2021م أتحفني المستشار القاضي المصري الأصيل والأزهري النابه محمد عبدالسلام، الأمين العام للجنة الأخوة الإنسانية، بنسخة أنيقة من كتابه الماتع الرائع " الإمام والبابا والطريق الصعب .." فألفيته كتابًا رائقًا فريدًا في بابه، يوثق لحلقات من حوارات ولقاءات تاريخية جرت بين الأزهر الشريف والفاتيكان، توجت في النهاية بصدور وثيقة الأخوة الإنسانية، التي لا نبالغ إن قلنا بأنها أنبل وثيقة إنسانية في العصر الحديث، أرست لمبادئ إنسانية سامية للتعايش السلمي، ليس بين المسلمين والمسيحيين في العالم فحسب، بل بين سائر البشر على اختلاف عقائدهم وتنوع أعراقهم وأعرافهم ولغاتهم.
ولقد وفق المستشار الأمين أيما توفيق في أن ينسج فيه نسجًا نوعيًّا على منوال متفرد، فقد أبدع في صياغة فكره وفكرته، فمزج بين بعض الملامح الوجدانية الخاصة للشخصيات الرئيسة التي أسهمت في إبداع وصياغة الملحمة الإنسانية، وبين التوثيق الدقيق الأمين لجولات وصولات من الحوارات والتفاهمات العبقرية الإنسانية الرائعة، وكأنه يلمح ويلمع إلى مكامن السر في اجتياز الطريق الصعب، بترسيخ أواصر الثقة بين قطبي المؤسستين الدينيتين الكبيرتين، بصدق النوايا، والشفافية، والحب، والتضافر في إعلاء قيم الديانات السماوية السمحة، التي هي قواسم مشتركة فيما بينها، وفي نبذ ترسبات وإحن عقود بل وقرون مضت، رانت على علاقات الناس بالاضطراب والانفصام، وأخنت على صدور أهل الخير والصلاح بالضيق والاكتئاب.
وبالتوكل والإصرار والتفاني والتكاتف في تحقيق الغاية كان النجاح المظفر؛ مؤذنا بميلاد وثيقة أخوة تعايش إنساني، فحق ليوم مولدها أن يعتمد يومًا عالميًّا للأخوة الإنسانية، وحق لها أن تكون دستورًا عالميا ملهمًا لكل المصلحين حول العالم؛ لاستلهام تشريعات سامية، لعهد جديد من العلاقات الإنسانية الراقية المستقرة، غراسها الأخوة والمحبة، وحصادها الحضارة والرقي والتقدم بإذن الله.
لقد جمع الكاتب والكتاب بين عناصر الروعة الموضوعية والشكلية، في نسج منوال فريد قلما يتوفر في غيره؛ لكنه النجاح المظفر في اجتياز الطريق الصعب، بالحب والإخلاص والتجرد والتفاني، فهنيئًا للكاتب والكتاب، وهنيئًا للبشرية وثيقة الأخوة الإنسانية، في عهد جديد، يحدونا الأمل في أن يسود فيه الأمن والإيمان والسلام والخير والوئام.

عدد المشاهدة (795)/التعليقات (0)

كلمات دالة: معرض الكتاب 2021