04 فبراير, 2020

يسروا ولا تعسروا

يسروا ولا تعسروا


بناءً على الحملة التى أطلقها مجمع البحوث الإسلامية تحت عنوان ( يسروا ولا تعسروا ) قمت بكتابة هذا المقال والذى يدور الحديث فيه عن ( مشكلة غلاء المهور) ونظر الشريعة الإسلامية للمرأة وحقها فى المهر وأدلة الشريعة فى النهى عن المغالاة وأثر المغالاة فى ذلك : 
الشريعة الإسلامية لم تنظر إلى الزواج النظرة المالية التى هى فى عقود المعاوضات ؛ بل نظرت إليه نظرة خاصة ، وذلك لأن عقد الزواج هو العقد الذى تقوم على أساسه الأسرة ومنها يتكون المجتمع ، فإذا قامت الأسرة على أساس روحى من الود والتآلف بعيداً عن المادة وأغراضها نشأ المجتمع مترابطا متكافلا متعاونا . 
وجاء فى الموسوعة الفقهية: أن المهر هو المال الذى تستحقه الزوجة على زوجها بالعقد عليها أو بالدخول بها وهو حق واجب للمرأة على الرجل عطية من الله ابتداء أو هدية أوجبها على الرجل بقوله تعالى : " وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً  "  وذلك إظهاراً لخطر هذا العقد ومكانته، وإعزازاً للمرأة وإكراما لها. والمهر ليس شرطاً في عقد الزواج ولا ركناً عند جمهور الفقهاء، وإنما هو أثر من آثاره المترتبة عليه؛ فإذا تم العقد بدون ذكر مهر صح باتفاق الجمهور لقوله تعالى : " لا جُناحَ عَلَيكُم إِن طَلَّقتُمُ النِّساءَ ما لَم تَمَسّوهُنَّ أَو تَفرِضوا لَهُنَّ فَريضَةً " سورة البقرة 236 . 
فإباحة الطلاق قبل المسيس وقبل فرض صداق يدل على جواز عدم تسمية المهر فى العقد، ولكن يستحب ألا يعرى النكاح عن تسمية الصداق؛ لأن النبى – صلي الله عليه وسلم – كان يزوج بناته وغيرهن ويتزوج ولم يكن يخلى النكاح من صداق . 
وقال المالكية: يفسد النكاح إن نقص صداقه عن ربع دينار شرعى أو ثلاثة دراهم ، ومما استدل به الجمهور _أيضاً _ما روى أن عبدالله ابن مسعود سئل عن امرأة مات عنها زوجها ولم يكن قد فرض لها مهراً ولا دخل بها ، فقال ابن مسعود : أقول فيها برأيي: فإن كان صواباً فمن الله وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان ، أرى أن لها مثل صداق نسائها لا وكس ولا شطط ( لا نقص ولا زيادة ) وعليها العدة ولها الميراث ، فقام معقل بن سنان الأشجعى فقال : قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى بروع بنت واشق مثل ما قضيت ، فسر ابن مسعود سروراً لم يسر مثله قط بعد إسلامه؛ لموافقة قضائه قضاء الرسول –صلى الله عليه وسلم _
قال الترمذى : حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح ، وقد روى عنه من غير وجه . 
وإذا كان المهر كذلك _وهو ليس شرطاً ولا ركناً فى العقد؛ بل يصح العقد بدون ذكره وللزوجة مهر المثل _ ومع هذا لا يملك أحد الطرفين إسقاطه قبل تقرره بالعقد، لأن ذلك إسقاط لحق الشرع – ولا يملك الإنسان ذلك – أما بعد أن يتقرر المهر بالعقد ويصير حقاً للزوجة فلها أن تسقطه عن زوجها بإبرائها له ، وهى فى هذه الحالة إنما تسقط حقها . 
وإذا كانت هذه نظرة الشريعة الإسلامية للمرأة وحقها فى المهر ؛ فلماذا المغالاة فى المهر ؟!! إن المرأة الصالحة هى التى يقنعها الزوج الصالح الطائع لله ، الذى يعتز بدينه ويعمل له وبه ليلا ونهارا ، ولا يقنعها أبداً مال الزوج وثراؤه ، لدرجة أن ذلك الثراء يجعلها تتنازل عن دينه وخلقه .
ولقد أصبحت العائلات اليوم تتفاخر _ بل وتكذب أحياناً – بأنه دفع لبناتهن الآلاف من الجنيهات مهراً ؛ لدرجة أنه وصل الحال بكثير من الفتيات إلى درجة الكبت والألم النفسى والعنوسة بسبب تلك المغالاة .
ولقد كان المشرع حكيماً عندما نهى عن المغالاة فى المهور ورغب فى تيسيرها ، فعن عقبة بن عامر – رضي الله عنه– أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - قال : " خير النكاح أيسره " وعن أم المؤمنين عائشة – رضى الله عنها – أن النبى – صلي الله عليه وسلم - قال : " إن من يمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير صداقها وتيسير رحمها " وعن أبى الجعفاء السلمى قال : خطبنا عمر يوماً فقال : " ألا لا تغالوا فى صدقات النساء ، فإن ذلك لو كان مكرمة فى الدنيا ، وتقوى عند الله  كان أولاكم بها رسول الله – صلي الله عليه وسلم - ، ما أصدق رسول الله – صلي الله عليه وسلم – امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتى عشرة أوقية " وفى قول المصطفى – صلوات الله وسلامه عليه – إلى الرجل الذى قال إنه أصدق زوجته أربع أواق : ( كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل ) أبلغ عبارة وأجل إشارة إلي البعد عن المغالاة فى المهور . 
فيا أولياء الأمور :- ليس من الإسلام ما تفعلونه اليوم من المغالاة فى مهور بناتكم ، مما يؤدى إلى إرهاق الزوج أو بلوغ بناتكم سن العنوسة .
 يا أولياء الأمور : - إن المغالاة فى المهور وعدم تيسيرها أنتجت أسوأ العواقب ، فتركت البنات العذارى عوانس وأيامى فى بيوت أبائهن ، تطوى أعمارهن سنة بعد سنة، وقد تعذر النكاح على جمهور الشباب بل تعسر  فعزفوا عنه رغم رغبتهم فيه  وحاجتهم إليه ، وفى هذا تضاد مع مقاصد الشريعة التى رغبت فى النكاح والتناسل .
 وبهذا يعلم شؤم مخالفة هدي خير البرية– صلي الله عليه وسلم - فى الأولي والآخرة . 
يا أولياء الأمور : - هل تفاخر الواحد منكم بين جيرانه وأقربائه وأصدقائه بما دفع لابنته من مهر أولى عندكم من دعوة طيبة تدعوها بناتكم لكم بعد موتكم إن كنتم قد أحسنتم لهن اختيار الزوج الكفء ؟!!!
إن من ثمرات فقه أم سليم – رضى الله عنها-  وعلمها أنها لم تتخذ من مهر المرأة فرصة سانحة لكسب عرض من أعراض الدنيا كما يفعل كثير من نساء زماننا  أو أولياء أمورهن ؛ وإنما تعلمت من مدرسة النبوة أن هذا أمر مبنى على التيسير وقلة المؤونة ، فها هى تطلب من أبى طلحة مهراً لها؟ هو إسلامه ، وهى بذلك ترغبه فى الإسلام من جانب ، وتعلم أخواتها المسلمات من جانب آخر أن الزواج ليس سلعة بيد المرأة تستغلها لترهق الزوج ؛ بل هو ارتباط وثيق مبني على المودة والتفاهم قبل أن يكون مبنياً على مادة وأعراض دنيوية . 

بقلم الواعظة / وفاء أحمد حسين على 
منطقة وعظ أسيوط

عدد المشاهدة (8669)/التعليقات (0)

كلمات دالة: منطقة وعظ أسيوط