هويتي

  • | الثلاثاء, 29 أكتوبر, 2019
هويتي

وجدت بطاقتي مكتوب بها اسمي واسم عائلتي فقلت هل بطاقتي هي هويتي أم أن أسرتي هي هويتي الحقيقية؟

فقمت بالبحث عن إجابة سؤالي فذهبت إلى حضن أمي أبحث عني بداخله فلم أجد لي مكانًا فيه هل انتزع حنان الأم من صدرك يا أمي أم أن متاعب الحياة وحياتك البائسة مع أبي أثقلتْكِ حتى أنك نسيتي ابنتك.

ثم ذهبت إلى أبي أبحث في داخله عن هويتي الحقيقية فرأيت بداخله ألمًا من وجودي، رأيته حائرًا ماذا سأصنع بها؟ أنا أريد ابنًا يقف معي ويساندني في كبري رأيته يسأل مستنكراً لماذا يا رب ابتليتني بابنتي؟

فوقفت حزينة، أأنا بلاء يا أبي؟

 إن لم تقلها فقد اسشعرتها آلمتني، أوجعتني وها أنت بسببها ستفقدني.

ثم خرجت محطمة مكسورة القلب من أسرتي، أبحث هنا وهناك عن هويتي فجذبني المعسول كلامه فقلت هو أماني واستقراري لقد أشعرني بهويتي ثم ها هو يكسر قلبي ويحطمه وهنا جلست متسائلة من المحطم الحقيقي أسرتي أم صاحب الكلام المعسول؟

هذا ما ينطق به لسان حال كثير من الفتيات في مقتبل حياتهن عندما تكون في حاجة إلى أم تصاحب وترشد تغدق الحنان عليها ولا تجدها.

في حاجة إلى أب ينصح ويوجه بعطفه وحنانه فلا تجده أيضًا

عندما تكون في حاجة إلى أسرة مستقرة قائمة على المودة والرحمة فلا تجد هذا أيضًا.

وإذا رجعنا إلى ديننا الحنيف وجدنا الله تعالى أولى الأسرة بالرعاية والاهتمام من أول لبنة فيها

قال تعالى " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"  ( الروم : ٢١) .

فالله عز وجل بيَّن أن الحياة الزوجية قائمة على المودة والرحمة بين الزوجين فكلاهما استقرار للآخر لا يمكن لأحدهما أن يستغنى عن الطرف الآخر.

كما أن الهدف من الحياة الزوجية إعمار الأرض بالنسل السوي السليم الإيجابي فقد قال تعالى " وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ " (النساء :١). فهذا النسل هو الذي يعمّر ولا يخرّب، ويُنتج ولا يُفسد فهو يشعر بدوره الفعال في المجتمع ومسؤوليته تجاه المجتمع الذي يعيش فيه

ولن ينشأ هذا النسل الصالح إلا في وسط أسرة سوية يسودها الحب والانسجام والتعاون بين أفرادها، وتقدير كل واحد من الزوجين لمسؤوليته نحو أولاده فكل واحد منهما مدرك أنه راع ومسؤول عن رعيته فالرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم.

فإذا أدرك كل منهم دوره من التوجيه والنصح والرعاية والاهتمام وزرع الأخلاق الحميدة في أولادهم عملًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم " ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يُهودانه أو يُنصرانه أو يُمجسانه " صحيح البخاري.

لكان المجتمع كله أصبح معافًى آمِنًا لأن الأسرة هي أساس استقرار المجتمع.

لكن نرى الآن انحراف بعض الأسر عن الدور الأساسي الذي خطّه الله تعالى لهم وتحريف كل واحد من الزوجين للمسؤولية الملقاة على عاتقه.

فها هو الزوج ينسى دوره الأبوي التربوي ويرى دوره منحصرًا في النفقة فقط وكيفية تحصيلها بل قد ينشغل البعض عن هذا الدور أيضًا.

وها هي الأم تنسى دورها الأساسي من العطف والحنان وغرس الحب والقيم والأخلاق في نفوس أبناءها

فالأم مدرسة إذا أعددتها     أعددت شعبًا طيب الأعراق

تتخلى عن هذا كله منشغلة بالحياة تاركة لأبنائها المجال للانحراف، فلا رعاية ولا رقابة ولا توجيه أو نصح من الأبوين، فالأبناء الذين ينشئون في مثل هذه الأسرة هم أكثر عرضة للضياع والانحلال.

بل أكثر من هذا كله حيث نجد بعض الأسر قائمة على المشاحنات والبغضاء بين الزوجين بل يصل الأمر إلى ضرب الرجل لزوجته وكل هذا يحدث أمام الأطفال، فمثل هؤلاء لا ينشئون نشأة سوية بل ينشئون على عدم احترام المرأة وتقديرها.

كما أن بعض الأسر ما زالت متمسكة بالعادات والتقاليد الفاسدة من أن إنجاب الذكور فخر وعزة لهم وأن البنات ذلة ومهانة للأسرة بأكملها، وعليه يعاملون الأنثى بأسوأ معاملة ويضيقون عليها في حياتها ويفرضون عليها آراءهم ووجهات نظرهم، سواء في التعليم أم في الزواج دون اعتبار لأدنى حق من حقوقها من حرية الرأي والاختيار مع التوجيه الحكيم من الأبوين.

وختامًا إن قوة المجتمع من قوة ترابط الأسر وانسجامها، وهوان المجتمع وفساده من ضعف الترابط بين الأسر؛ ولذلك نركز بوصفنا واعظات في الأزهر الشريف على نشر الوعي والثقافة داخل الأسرة من خلال توعية الأمهات بدورها نحو زوجها، وأبناءها، ومجتمعها.

وبيان الحقيقة لهم بأنهم هوية أبنائهم الحقيقية بما يغرسون فيهم من قيم وأخلاق تكتسب بالمعاملة الحسنة معهم وليس بالقول فقط.

كما نحرص على نشر كيفية التعامل بين الآباء وأبناءهم، وبيان أن العنف ليس من ديننا؛ فإن قوة المؤمن الحقيقية تتجلى في قدرته على التسامح والتصالح مع الآخرين، وذلك حتى يصلح المجتمع بصلاح الأسر التي تعيش فيه.

طباعة