أحوال الإسلام والمسلمين

 

31 أغسطس, 2022

عدوى العنف ..فيروس يهدد أمن المجتمعات

     يُعتبر العنف أحد الظواهر الموجودة في المجتمعات منذ القدم، حيث أثبتت الصراعات التاريخية والأحداث الدموية على مر العصور صدق ذلك. فالعنف ظاهرة ملازمة للإنسان منذ بَدْء الخليقة ونزولِ آدم وحواءَ إلى الأرض، وهو ليس وليدَ اليوم، بل إنه ظاهرة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، ولكن ما يَتَّسم به عصرنا الحالي هو انتشار العنف وسرعة انتقاله بين أفراد المجتمع، وبشاعة الجرائم التي تُرتكب، وما  يَنتج عن جرائم العنف من انعكاسات نفسية واجتماعية، واستفزاز مشاعر ووجدان الفرد والمجتمع، لذا سوف نستعرض في هذا المقال مفهوم يفرض نفسه على الساحة في الوقت الحالي، وهو ما يسمي بـ (عدوى العنف).
تُعرف العدوى الانفعالية بـ :" الميل نحو التقليد التلقائي للسلوك العنيف سواء كان لفظيًّا أو جسديًّا، ومزامنتها مع أشخاص آخرين وتقليدهم، مما يترتب عليه عملية تحريض واعية أو غير واعية لمجموعة من السلوكيات العنيفة، يقوم بها شخص أو مجموعة من الأشخاص بالتأثير على سلوكيات آخرين".
ومن المهم مُناقشة كيفية حدوث عدوى العنف وأسبابها؛ حيث إن عدوى العنف تنتقل وتنتشر بين الأطفال بل والبالغين بشكل ملفت للانتباه، وقد يعود ذلك إلى عوامل تتعلّق بالأسرة وسوء التربية في الأساس، كممارسة الأب والأم للعنف إضافة إلى  مشاهدة  المواد الإعلامية التي تتضمن مشاهد عنف سواء على التليفزيون، أو عبر شبكة الإنترنت، فضلًا عن الظروف البيئية المحيطة بسكن الأسرة والمدرسة، كل هذه العوامل تؤدي إلى انتشار العنف بين أفراد المجتمع بداية من الأطفال؛ حيث تظهر بوادر التأثر بعدوى العنف وانعدام الثبات الانفعالي من خلال ممارسة الطفل للعنف مع الألعاب الخاصة به وتكسيرها وتحطيمها أو ممارسة العنف على إخوته الصغار أو زملائه في المدرسة أو إتلاف  الممتلكات الخاصة أو العامة، يفسر لنا أن نشأة الطفل في أسرة تمارس العنف أو بيئة تتسم بالعنف أو مشاهدته لمحتوى عنيف كل هذه أسباب تؤدي إلى انتقال العنف للطفل وإصابته به.
وفي هذا الصدد حذرت دراسة أمريكية حديثة نقلتها وكالة أنباء رويترز والعربية وغيرها، من انتقال العنف كالعدوى بين الأفراد وخاصة من خلال شبكات التواصل الاجتماعي وانتشارها كالعدوى من شخص لآخر. وأشار أخصائي في مكافحة الأمراض المعدية -تعليقًا على الدراسة- إلى أن الأشخاص يميلون غالبًا إلى تقليد مماراسات العنف التي تصدر عن الآخرين.
وما مقتل "نيرة أشرف" منا ببعيد، حيث دفعت هذه الطالبة التي تدرس في جامعة المنصورة في مصر حياتها ثمنًا لعنف زميلها، لأنها رفضت الارتباط به، ليقرِّر الانتقام منها أمام الجميع وعلى باب جامعتهما، في مشهد يصعب تصوُّر مدى بشاعته، وبعد مقتل "نيرة أشرف" بساعات معدودة، قُتلت الطالبة الأردنية "إيمان إرشيد" نتيجة التعرض لطلق ناري في جامعة العلوم التطبيقية الخاصة، شمال العاصمة عَمَّان. وبعد أسابيع من الواقعتين يتكرَّر نفس السيناريو، بمقتل الشابة "سلمى بهجت" طعنًا بالسكين في مدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية في مصر. ومن خلال التدقيق في قرب المدة الزمنية بين حوداث القتل الثلاث، وسيناريو القتل الحادث فيها، والفئة العمرية التي تعرضت للقتل يتضح مدى انتشار العدوى بين المجتمعات، وكأن القاتلَيْن الثاني والثالث يقتديان بما فعله القاتل الأول.
لذلك من المهم أن نعرض بعض التوصيات التي يمكن من خلالها الحدُّ من ظاهرة عدوى العنف، وذلك من خلال عدة زوايا.
أولًا: على الصعيد الأسري، ضرورة اتباع الأسرة أساليب التربية الإيجابية والبعد عن العنف والعقاب الموجه للأبناء، وضرورة الإشراف والمتابعة الأسرية لأي محتوى يقدم للطفل سواء كان مقروءًا أو مسموعًا أو مرئيًّا.
ثانيًا: على الصعيد التربوي، أهمية اتباع منهج تربوي -تتبنَّاه مؤسسات التعليم- يقوم على تنمية حس الإبداع، وتعزيز ثقافة التسامح، وتنمية الفضائل الأخلاقية وتعزيزها، وانتهاج سياسة واضحة للحد من العنف والتنمُّر المدرسي، وتفعيل دور رعاية الشباب والإرشاد الأكاديمي في الجامعات، وعدم اقتصار الرحلات والمعسكرات والأنشطة الطلابية على الجانب الترفيهي فقط، بل لا بد من إدراج الجانب التوعوي أيضًا، حيث تكون هذه الرحلات والمعسكرات ترفيهية توعوية، وهذا ما قام به مرصد الأزهر لمكافحة التطرف في الآونة الأخيرة، حيث قام بتنظيم معسكر ترفيهي توعوي للطلاب الوافدين من جنسيات مختلفة شملت (28) دولة. 
ثالثًا: على الصعيد الإعلامي، ضرورة تشديد الرقابة على المحتويات الإعلامية والدرامية المقدمة للجمهور؛ حيث تخلو من أية مظاهر تحث على العنف بصوره وأشكاله كافة.
رابعًا: على الصعيد القانوني، سنُّ قوانين تجرِّم تداول المقاطع المتعلقة بجرائم العنف والقتل؛ حيث يؤدي تداول هذه المقاطع إلى انتشار عدوى العنف وانتقالها، والترويج لمثل هذه الجرائم بشكل كبير بين فئات المجتمع لا سيَّما المراهقين والشباب، حيث إن تكرار مشاهدة مثل هذه الجرائم يعزِّز ثقافة العنف.
إن موجات العنف التي تعصف بكثير من المجتمعات العربية والعالمية هي أكبر تهديد للسلام العالمي؛ إذ لا فرق بين حرب نظامية تودي بحياة الآلاف وبين جرائمَ فردية تنتشر في المجتمعات انتشار النار في الهشيم، ولعلَّ من الأهمية أن تضطلع المجتمعات بمواجهة فيروس العنف والانحرافات السلوكية، بنفس الضراوة والاهتمام الذي يسود مواجهة المجتمعات للفيروسات المرضية والأوبئة.
وبما أنَّ الشباب هم بناة المستقبل، وقاطرة المجتمعات نحو التنمية والازدهار، كان لزامًا على المؤسسات الدينية والرسمية، وأطراف المجتمع كافة، التصدي لأية ظاهرة من شأنها الإضرار بمستقبل الأمم ومصدر قوة المجتمعات، وهكذا هو ديدن الأزهر الشريف؛ المؤسسة العريقة التي طالما كان لها قصب السبق في التوعية والتوجيه بما تصلح به المجتمعات، ويستقيم به حال الأمم ويسود السلام العالم، ومن هنا أطلق الأزهر دعوات عدة للاهتمام بالشباب والتصدي لكل محاولات الإغواء ونشر الأفكار المنحرفة والسلوكيات غير السوية.
ونحن دائمًا ما نؤكد على ما نادى به الأزهر الشريف من ضرورة سد جميع الثغرات التي من خلالها تتسلل الأفكار الهدَّامة إلى عقول شبابنا، لا سيَّما في ظل حالة الاضطراب الأخلاقي التي تشهدها العديد من المجتمعات خلال الآونة الأخيرة، فإن انتشار الأفكار الضالة، وانتقالها من بيت إلى بيت من خلال المنصات الزرقاء، يتطلب إستراتيجيات تواكب العصر وتواجه الفكر بالفكر، اعتمادًا على ذات الوسائل التي من خلالها ينتشر ذلك الفكر.
وينادي المرصد جميع الأطراف ذات الصلة بحماية المجتمعات من الفكر المتطرف، والسلوكيات غير السوية، للقيام بدورها في سبيل حماية المجتمعات من هذه الأوبئة، التي استشرت في عالمنا المعاصر كالسرطان القاتل، وعلى رأسها ظاهرة العنف.

وحدة البحوث والدراسات


الأبواب: قضايا أخرى

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.