أحوال الإسلام والمسلمين

 

05 سبتمبر, 2022

خطورة تغييب القدوة الحسنة على المجتمعات

   

تعتبر القدوة الحسنة من الروافد الحياتية المهمة للمجتمعات البشرية؛ حيث تمثل الركيزة الأساسية في بناء مجتمع سليم قادر على مواجهة التحديات. وهى السبيل لإنقاذ المجتمعات من الفساد والتحول السريع إلى الإصلاح. ولنا في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الأسوة الحسنة؛ حيث تمكن من تغيير جزيرة العرب إلى الأفضل في كل النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية. قال تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}. (الأحزاب: 21).

وانطلاقًا من أهمية القدوة الصالحة وتأثيرها في بلورة مجتمع صالح، وجه الله سبحانه وتعالى سيد الأنبياء (صلى الله عليه وسلم) للاقتداء بثمانية عشر نبيًّا بقوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ}. (الأنعام: 90). وقد أرجع الشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني في كتابه (أُسس الحضارة الإسلامية) هذا التأثير بأن الفطرة الإنسانية تحمل ميلًا قويًّا للاقتداء والمحاكة، وأضاف: "المثال الحي الذي يتحلى بجملة من الفضائل السلوكية، يعطي غيره قناعة بأن بلوغها ليس من الأمور المُحالة، وأن جملة "مثل هذا القدوة" تُثير في الأنفس الاستحسان والإعجاب. وهو ما قرره علماء الاجتماع".

وبالنظر إلى حال بعض المجتمعات، وما أصابها من تردٍّ على المستويات كافة، وتفش للجرائم لاسيما القتل، والخروج على الثوابت، وانتشار ظواهر سلبية جديدة على المجتمعات كالإلحاد، أو التحول إلى التشدد والتطرف، والدعوة إلى نقد التراث الإسلامي بالكلية، أو الإرهاب المسلح، إنما يرتبط أساسًا بغياب القدوة لا سيما الدينية. على سبيل المثال يتعرض المتخصصون من المنتمين إلى المنهج الأزهري إلى نقد اختلط فيه الحق بالباطل، من أحد دعاة انتقاد التراث الذين يتهمون المشايخ بالتخلف والجهل، وصولًا إلى نفى صبغة العلم عن فنون الشريعة بدعوى أن لكل إنسان الحق في تفسير الدين بحسب مفهومه.

إلا أن هذا الشخص نفسه كان قد كتب على صفحته الشخصية (التي تحظى بمتابعة الكثيرين) سلسلة مقالات بعنوان "محاضرات علمية في الفقه وغيره من فنون الشريعة" وهو ما يثير التعجب ويدعو للتساؤل: هل الدين علم أم لا؟! ولا يتوقف الأمر على تَسْفيه الشيخ ووصفه بالسذاجة والجهل، بل يمتد إلى وصفه بالمُحتال الذي لا أخلاق له، وغير ذلك من الأمور. وأما النوع الثاني وهم الإرهابيون فيصورن الشيخ على أنه باع الدين ومَيَّعه.. إلخ

 وقد ساعد الفريقين في هذا عوامل عديدة منها، تقصير بعض الشيوخ، أو عدم تبنيهم للمنهج الأزهري بشكل كامل، أو ظهورهم بما لا يليق، وأحياًنا يتناسى الناس أن هؤلاء الشيوخ في النهاية بشر يخطئون ويصيبون. ولا يمكن إنكار دور الأعمال الدرامية في تسطيح مكانة المشايخ وتسليط الضوء على السلبيات فقط دون الإيجابيات، حتى استفهم غير واحد ممن يعمل بالدراما قائلًا: لماذا يتم تصوير المشايخ بهذه الصورة الفجة؟ لمصلحة من؟! ناهيك عن دور السوشيال ميديا، في إتاحة مجالات الكلام للجميع بغض النظر عن المؤهلات.

 هذا، وقد لخص أثر ضرب القدوة في المجتمع وعلاج أثرها السيء القاضي الأديب بهاء الدين المري، الذي حكم في قضية نيرة أشرف، طالبة جامعة المنصورة بقوله: «دنيا مقبلة بزخارفها، وإنسان متكالب على مفاتنها. مادية سيطرتْ، فاستلبتْ العقولَ وصارَ الإنسانُ آلةً، يقين غاب، وباطل بالزيف يحيا، وتفاهات بالجهرِ تتواتر، وبيت غاب لسببٍ أوْ لآخرٍ، والمؤنساتُ الغاليات صرنَ في نظرِ الموتورينَ سلعةً، والقواريرُ فواخير، ونفس تدثرتْ برداءِ حبٍّ زائفٍ مكذوبٍ. تأثرتْ بثقافةِ عصرٍ اختلطتْ فيهِ المفاهيمُ. الرغبةُ صارتْ حبًّا، والقتلُ لأجلهِ انتصارًا، والانتقامُ شجاعةً، والجرأةُ على قيمِ المجتمعِ وفحشِ القولِ والعلاقاتِ المحرمةِ، تسمى حريةً مكفولةً. منْ هذا الرحمِ ولدَ جنينًا مشوهًا، وقودُ الأمةِ صارَ حطبها. باتَ النشءُ ضحية قدوة مشوهة، وثقافاتٌ، مسموعة ومرئية ومقروءة، هذا هوَ حالها. ومنْ فرطِ شيوعهِ، واعتبارهُ منْ قبلُ كثيرينَ كشفًا لواقعٍ، زين لهمْ فرأوهُ حسنًا، فكانَ جرمُ اليومِ لهُ نتاجًا. أفتذهبُ نفسنا عليهمْ حسرات؟ إن هذا الخللِ، إنَ لمْ نأخذْ على أيدي الموتورينَ ومروجيهِ؛ استفحلَ ضررهُ، وعزَّ اتقاءُ شرهٍ، واتسعَ الرتقُ على الراتقْ..».

ولاحظ في هذا الخطاب البليغ من هذا القاضي المكلوم، الذي تستشعر منه كم الألم الذي أصاب المجتمع من فقدان القدوة أو بمعنى أصح، استبدالها بالقدوة الطالحة التافهة، التي لا تأتي على المجتمع إلا بالوبال والدمار، لذلك عبر القاضي للدلالة على هذا بقوله: «باتَ النشءُ ضحية قدوة مشوهة». لكن سيادته قدم الحلول ووجه المجتمع إلى التربية والاهتمام بالنشء قائلًا: «إلى الآباءِ والأمهاتِ نقول: لا تضيعوا منْ تعولونَ. صاحبوهمْ، ناقشوهمْ، غوصوا في تفكيرهمْ، لا تتركوهمْ لأوهامهمْ، اغرسوا فيهمْ القيم».

وفي نظرنا نجد أن العلاج يتحاج إلى تضافر جهود الأسرة والمجتمع بشتى طوائفه، إذ إن علاج ضياع القدوة أو فسادها إنما يساهم في علاج الكثير من الأوبئة الاجتماعية، فتَبدُّل المفاهيم والقيم الذي ألمح إليه القاضي اللبيب، وعلى كل فإن علاجنا يتلخص فيما يلي:

 تقنين الظهور الإعلامي:

من الأمور التي تعالج هذه الإشكالية هو تقنين الظهور الإعلامي لمن يتحدث في الأمور الدينية، فلا بد أن يتعاون الإعلام بشكل أفضل مع المؤسسة الأزهرية، بأن يتم انتقاء شخصيات ذات كفاءه وتتبنى المنهج الأزهري في معالجة القضايا.

 ترسيخ المنهج الأزهري لمعالجة المشكلات الدينية:

من الأسباب التي جلبت لنا المشكلات لا سيما الشباب بُعدنا عن المنهج الأزهري المعتدل الذي يمثل الاقتداء بالنبي (صلى الله عليه وسلم) ، الذي يقدم بلا شك الحلول لكل المشكلات التي يُثيرها المتطرفون –من نقاد للتراث وإرهابيين- عنده. وكان أحد السادة الأساتذة بالجامعة الأزهرية قد اقترح تدريس مادة باسم (تاريخ الأزهر المجيد)، مؤيدًا اقتراحه بأن هذا يرسخ عند الطالب مكانة المعهد الذي يدرس فيه، ومكانة علمائه عبر القرون، فيؤثر ذلك في تكوينه العلمي والخلقي والنفسي!

كما دعا المؤسسة الأزهرية إلى إحياء ذكرى أحد شيوخها على الأقل مرة كل عام، عن طريق عقد مؤتمر علمي حول شخصيته وجهوده، وسبل الاستفادة منها في الوقت الحاضر، ثم قال محذرًا: ولئن لم تفعل لتأتين أجيال في الأزهر مبتوتة الصلة بماضيها العريق؛ حيث يسهل تمييعها وتذويبها وطمس هويتها على من يريد!

ولا ريب أن المؤسسة لم تغفل هذا الجانب، إذ تجعل في معرض القاهرة الدول للكتاب في كل سنة شخصية العام، تبرز فيه وتوضح الشخصية الأزهرية وجهودها المختلفة، لكن ربما كان هذا لا يفي بالغرض على أكمل وجه؛ إذ إن المعرض لا يحضره كل الناس، بل في الغالب جمهوره من القراء الذين يمتلكون مناعة ضد تطرف الفريقين.

كما أن المؤسسة لكثرة رجالها النافعين، وربما كذلك لإحساسها بعدم إيفاء فكرة شخصية العام بالغرض؛ فإنها أبدعت في فكرة تُبين جهود المؤسسة ورجالها، وتنفذ أيضًا في جناحها في معرض الكتاب، وقد أطلق عليها اسم بانوراما الأزهر، وفيها يتم عرض تاريخ إنشاء الأزهر عبر العصور الإسلامية المختلفة حتى اليوم، ومواجهته للعديد من الغزاة، ودوره كذلك أمام صفوف الاحتلال الذي مر على مصر حتى أواخر القرن العشرين، وغير ذلك من الموضوعات التي تفيدك كلما حضرت هذه الفقرة في كل عام.

الأعمال الدرامية:

- صناعة أفلام كرتون، يبرز من خلالها الشخصيات الدينية، ومسلسلات درامية تحكي عن الشخصيات الدينية المؤثرة، والتي كان لها دور في معالجة بعض المشكلات، وكذلك معالجة بعض القضايا المطروحة على الساحة من خلالها، وسن قانون لتجريم الأعمال التي تفسد المجتمع وتدمره من الناحية الأخلاقية والاجتماعية والدينية، ويمكن التعاون مع الشخصيات المثقفة والمؤثرة في المجتمع من الوسط الفني.

 عقد صالونات لمناقشة القضايا المثارة من كبار المفكرين:

وهذه الصالونات تكون مدعومة من الدولة عن طريق وزارة الثقافة، تناقش فيها أبرز القضايا التي تثيرها تلك التنظيمات المتطرفة. 

وفي النهاية أقول أدركوا الشباب قبل أن تتصيدهم وتتمكن منهم التيارات المنحرفة التي لا ترعى إلًّا ولا ذمة في هذا الوطن العريق العظيم، الذي مَنَّ الله عليه بالأزهر الشريف. أدركوهم بالقراءة، أدركوهم بتمثيل الدين خير تمثيل، وتطبيقه على النحو الذي أرده الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم) ولا يكون ذلك إلا بإصلاح الظاهر والباطن.

كل هذا نقوله؛ لأن حاجة الناس إلى الدين كحاجتهم للطعام والشراب، بل أشد، وهذا الدين لا بد له من رجال يُقتدى بهم.

 

وحدة رصد اللغة العربية

 


الأبواب: قضايا أخرى

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.