أحوال الإسلام والمسلمين

 

22 نوفمبر, 2022

ثقافة الحوار وأثرها على التعايش السلمي

في ضوء ما تعاني المجتمعات المعاصرة من تداعيات ظواهر التطرف والإرهاب وتمدد التنظيمات الإرهابية، أصبحت البشرية في حاجة ماسة وضرورية لتعزيز ثقافة الحوار وروح التسامح وقبول الآخر، والاعتراف بحقيقة أن الاختلاف سنة كونية تستدعي التعارف والتقارب. وقد أكد القرآن الكريم هذه الحقيقة بقوله تعالى: {ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعالَمِينَ} (الروم،٢٢).
وانطلاقًا من المسؤولية الدينية سعى الأزهر الشريف إلى مد جسور الحوار مع أتباع المذاهب والديانات والثقافات المختلفة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية؛ رغبة في ترسيخ أسس السلام. وفي هذا المقال نسلط الضوء على أهمية الحوار في الإسلام، ودور الأزهر في تعزيز أسس التعايش السلمي من خلال النقاش البناء والحوار بين الثقافات باعتباره أحد أدوات إرساء السلام والقضاء على الكراهية والعنف، وتحقيق الاستقرار في ربوع العالم.
أهمية الحوار في الإسلام
أرسى الإسلام دعائم الحوار لتبادل الآراء وتعزيز التفاهم بين البشر، وقد تضمن القرآن الكريم الكثير من نماذج الحوار، تجمع الخالق سبحانه وتعالى مع ملائكته، وسيدنا موسى مع الخضر، وسيدنا إبراهيم مع الرجل الذي أتاه الله الملك، وغيرها الكثير من الأمثلة التي تدعو إلى الحوار المبني على احترام الآخر وتبادل الآراء والأفكار.
كذلك شجع النبي (ﷺ) أصحابه على تبادل الحوار بأدب واحترام، إذ حفلت السيرة النبوية بالكثير من النماذج الخالدة، كحواره (ﷺ) إلى السيدة "خولة بنت ثعلبة" وفيه قال الحق تبارك وتعالى: { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}. (المجادلة، ١). كما كانوا يحاورنه (ﷺ) في مختلف القضايا، كالرجل الذي كاد أن يتهم زوجته، بعد أن ولدت له غلامًا أسودَ، فشكى إلى رسول الله (ﷺ) فأجابه: «هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أَوْرَقَ؟ قال: نعم، قال: فأنى كان ذلك؟ قال: أراه عرق نزعه، قال: «فلعل ابنك هذا نَزَعَهُ عِرْقٌ» (مسند أحمد، رقم الحديث/ 7265).
حوار الأديان والمذاهب لترسيخ المحبة والتفاعل بين الناس
تميزت الحضارة الإسلامية بالانسجام مع الطوائف والأديان كافة، واعترفت بالتعددية الدينية ووجود الاختلاف الحضاري والثقافي، وضرورة الحوار مع أتباع الديانات والمذاهب ومجادلتهم بالحسنى لتحقيق التواصل الإنساني، فقد حاور النبي (ﷺ) نصارى نجران، وانتهى الحوار ببقائهم على معتقدهم، وحفظت لنا كتب السيرة الحوار الإسلامي- المسيحي بين النجاشي ملك الحبشة، وجعفر بن أبي طالب رضي الله عنه.
وقد أصبح حوار الأديان ضرورة ملحة، في ظل جهود التنظيمات الإرهابية الرامية إلى إضفاء صبغة دينية على جرائم العنف والكراهية، وما ترتب على ذلك من توجيه اتهامات عبثية للأديان باعتبارها سبب معاناة الإنسان المعاصر. ولذلك لا بد من التأكيد على حاجة البشرية للإيمان وأن اختلاف العقيدة لا يمثل سببًا للصراع انطلاقًا من قوله تعالى: {لِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة} (المائدة، ٤٨).
ومن هذا المنطلق أطلق فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور/ أحمد الطيب شيخ الأزهر، العديد من المبادرات المحلية التي تهدف إلى ترسيخ ثقافة الحوار بين أتباع الديانات والمذاهب المختلفة، كفكرة إنشاء بيت العائلة المصرية بمشاركة ممثلين عن الطوائف المسيحية وعلماء الأزهر بهدف نشر القيم الإنسانية والدفاع عن حقوق الإنسان. ودوليًّا قام فضيلة الإمام بجولة في عدد من البلدان الأوربية، ونظّم العديد من المؤتمرات الدولية دعا خلالها للحوار ونبذ العنف والكراهية.
حوار الشرق والغرب لتحقيق التواصل الإنساني
شاءت إرادة الله أن يجعل الناس أممًا وشعوبًا وقبائل مختلفة في اللون والجنس واللغة، وجعل اختلافهم هذا فرصة للتعارف والتعاون وبناء الحضارة الإنسانية، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات، ١٣). والشرق والغرب في حاجة إلى حوار دائم بينهم لترسيخ ثقافة التعايش السلمي.
وقد أكد فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر في ملتقى البحرين للحوار، على ضرورة وجود حوار دائم بين الشرق والغرب، فكلاهما يحتاج إلى الآخر، والحوار بينهما سيقود البشرية إلى التفاهم واحترام المثل، فإذا كان الشرق في حاجة إلى التقدم الفني للغرب، فإن الغرب يحتاج إلى حكمة الشرق وأديانه، وأسواقه وسواعد أبنائه كما ذكر فضيلته.
كما أن المسلمين لهم أيادٍ بيضاء على الحضارة الغربية، وساهم علماؤهم بدور كبير في هذا التقدم، كما يقول جوستاف لوبون: "لم يقتصر فضل العرب والمسلمين في ميدان الحضارة على أنفسهم فقد كان لهم الأثر البالغ في الشرق والغرب فهما مدينان لهم في تمدنهم" (جوستاف لوبون، حضارة العرب، ترجمة: عادل زعيتر، ص٢٣، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، مصر).
ختامًا، يؤكد مرصد الأزهر على أن الاختلاف ضرورة حياتية، وأن الاختلاف قائم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن الحوار بين المذاهب والأديان والحضارات والثقافات المختلفة يمثل طوق نجاة في هذا الوقت الذي تنتشر فيه الأفكار الداعية للعنف والإقصاء.

وحدة رصد اللغة الفارسية


الأبواب: قضايا أخرى

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.