أحوال الإسلام والمسلمين

 

26 ديسمبر, 2022

المثلية وفرض الحرية المتوهمة

     لا شك أن واحدًا من أبرز الأحداث التي تابعها العالم مؤخرًا هو "كأس العالم لكرة القدم"؛ ذلك الحدث الرياضي الذي ينتظره متابعو كرة القدم حول العالم كل أربع سنوات، ومع أن هذا الحدث رياضي بامتياز، فإن هذه النسخة طرحت علينا تساؤلًا أو بالأحرى استهجانًا حول مدى الدعم الذي تتلقاه قضية المثلية، حيث كان من المخطط أن ترتدي بعض المنتخبات شارة دعم لهذه القضية، لولا إصرار اللجنة المنظمة على منع أي مظهر دعم لهذا الانحراف؛ انطلاقًا من قيمنا الإسلامية بل وقيمنا البشرية الفطرية التي يراد لها أن تتغير عنوة، وفي الواقع يعجب المرء من المحاولات الحثيثة لفرض هذه الثقافة بشكل يتجاوز مجرد فكرة الحرية ودعم الفرد في العيش كما يشاء، بل إن الأمر يشبه أن يكون دعمًا توجهه جهة مجهولة تسعى بكل قوة لفرض هذا الأمر، لا سيما عندما نعلم أن اتحادات كرة القدم في كل من إنجلترا وويلز وبلجيكا والدنمارك وألمانيا وهولندا وسويسرا كانت قد أرسلت إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" في سبتمبر٢٠٢٢م لإبلاغه بارتداء شارة دعم المثلية، وفي الحقيقة تطرق قضية المثلية الأبواب أمام تساؤلات عديدة حول الفلسفات المعاصرة والتوجهات السياسية وقضايا المجتمع الدولي، وفي ضوء كل هذا منظومة حقوق الإنسان المعاصرة التي يراد فرضها.
أي حقوق للإنسان؟
تتولى منظمات حقوق الإنسان الدولية مهمة الدفاع عن المثليين من منطلق دعم الحريات، غير أننا هنا نلحظ ازدواجية عجيبة، وغير مفهومة في الحقيقة؛ فالعالم لم يولِ عُشر هذا الاهتمام لقضية إنسانية بحتة لا ترتبط بدين أو عرق وهي "قضية الروهينجا" هذا العرق البشري الذي يموت كل يوم، وكأن حياتهم لا تستحق أن يوليها المجتمع الإنساني الدولي اهتمامًا لإنقاذهم من القتل والجوع والتشريد، بل كل مآسي الحياة، في حين نرى هذه المنظمات تقيم الدنيا ولا تقعدها لأجل قضية هي في رأي غالبية البشر من كل الخلفيات الثقافية والدينية قضية انحراف، وحتى لو تجاوزنا وصف الانحراف هذا، فهي لا تعدو أن تكون مجرد ميل شخصي.
غير أن الإلحاح المستمر الذي نشهده بشكل متزايد يومًا بعد يوم يدفع أذهاننا لمحاولة فهم الأمر الذي يكاد جميع معارضيه يجزمون أنهم لا يفهمون سر هذا الإلحاح الغريب، ومن العجيب أن يكون هذا الإلحاح الغريب هو الوسيلة المستخدمة لدعم فعل غريب على الفطرة الإنسانية ليتوافق الفعل وأداته، بل ثمة ملمح آخر عجيب حول هذا الفعل يخبرنا به القرآن الكريم، فعندما تحدث القرآن عن شيوع هذا الفعل في قوم سيدنا لوط ودعوة سيدنا لوط لقومه بالانتهاء عن هذا الفعل، كان جواب قومه غريبًا من نوعه، إذ كان جوابهم عليه: (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) [النمل: 56]، فجريمة سيدنا لوط في نظرهم أنهم "يتطهرون" وبالتالي، فمقصود كلامنا هنا هو أن هذه المثلية الفعلية لا بد أن يرتبط بها تطرف فكري في المقام الأول.
نعود لقضيتنا ونقول: إنه لا يمكن نزع قضية المثلية من المفهوم الأوسع الذي يتم تسويغها من خلاله وهو قضية الحرية، فبدافع الحرية يتم تسويغ أي فعل بغض النظر عن أية اعتبارات أخرى، لقد حولت الثقافة الغربية المعاصرة وجهة البشر من الله إلى الإنسان، لتجعل الإنسان محور هذا الكون ومركزه بشكل مطلق، وبالتالي تجاهل الإنسان مفهوم الإله الذي لا بد أن يطاع، ولا بد أن تكون أوامره حاضرة في حياة الإنسان، هذا التصور لا شك أنه غرور من الإنسان حيث جعله يظن أنه حر في أن يتصرف في هذا الكون كيفما يشاء، بلا قيود سوى قيد يضعه هو لنفسه، بالرغم من قصور منظوره وإحاطة علم الخالق الذي هو "بكل شيء محيط"، نعم يعلمنا الإسلام أن الإنسان هو الكائن المكرم في هذا الكون (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الإسراء: 70) بل إن الله يبين لنا أنه سخر للإنسان ما في هذا الكون، حيث قال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الجاثية: 13).
فلا شك في عظم المكانة التي وهبها الله للإنسان في هذا الكون، غير أن هذه المكانة هي مكانة مسؤولية بالأساس، وهو ما علمنا إياه القرآن في قوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة: 30)، هذه المفاهيم لا بد أن تكون حاضرة في أذهان البشر، حتى لا يظن الإنسان أن مركزيته في الكون مركزية مطلقة، لا تحدها حدود أو تقيدها قيود.
هذه معانٍ لا بد من فهمها؛ لأنها تضع الإنسان في مكانه الصحيح في علاقته بالخالق، فلا ينبغي لهذا المخلوق مهما كانت مكانته أن يتجاوز حدوده أو أن يغفل ما أراده له خالقه، وكما أن الله تعالى خالق هذا الكون قد أرسل رسله بالبينات ليبينوا للناس مراده منهم، فقد وضع كذلك في نفوس البشر فطرة تهديهم لما أراده منهم؛ ولذا نجد أن قضية مثل قضة المثلية تجد رفضًا من أطياف البشر المختلفة، فهي ليست مختصة بدين دون دين، بل نجد الناس من كل خلفية تميل بطبيعتها إلى رفض هذا السلوك وتستهجنه.
إن قضية المثلية ليست قضية يسيرة يمكن التهاون فيها، بل هي مشكلة خطيرة تهدد الوجود البشري على الجملة، فالقرآن الكريم يبين لنا أن هذا الأمر حدث في فترة ما في تاريخنا البشري، فأرسل الله لهؤلاء القوم نبيه لوطًا عليه السلام، لكن لما رفض قومه الاستجابة له، كان العقاب الإلهي شديدًا، يقول تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ) [هود: 82]، ويقول تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ.) [الحجر: 73-75].
لهذا نجد الأزهر الشريف يقف موقفًا واضحًا وصارمًا أمام المحاولات الخفية التي تُحاول تمرير مثل هذه الثقافة إلى مجتمعاتنا من خلال أية وسيلة فنية كانت أو ترفيهية، حتى يؤكد على مبادئ ديننا الحنيف ومبادئ الفطرة النقية، وهذا هو الموقف الذي ينبغي لجميع المؤسسات الدينية في العالم أن تتخذه، لا سيما تلك الأديان التي تنص شرائعها على تحريم هذه المثلية.


الأبواب: قضايا أخرى

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.