أحوال الإسلام والمسلمين

 

10 يناير, 2023

في عامه الثاني.. مسجد "أثينا" بلا هوية

ارتبطت اليونان منذ القدم بالدول العربية والإسلامية ثقافيًّا وعلميًّا وتجاريًّا، نتيجة التقارب الجغرافي، وموجات الهجرة واللجوء المتزايدة، حيث تُعد اليونان وتركيا بوابة أوروبا الشرقية. وتتراوح أعداد المسلمين في اليونان وفقًا لآخر الإحصائيات بين (150- 500) ألف مسلم أي ما يعادل (1.5- 5%) من مجموع السكان، ويتشكلون من عدة قوميات، كالتركية، والبلغارية، والألبانية، واليونانية وغيرها.

وقبل الحديث عن حجم معاناة المسلمين في اليونان، نستعرض نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، التي تتحدث عن حق البشر في حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية. قال تعالى: «وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ» (سورة الكهف: 29)، وتأكيد الرسول (ﷺ) على هذا الحق بـ «صحيفة المدينة المنورة» وفيها «هذا كتاب من محمد النبي «رسول الله» بين المؤمنين والمسلمين من قريش و«أهل يثرب» ومن تبعهم فلحق بهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس. وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم».  

كذلك تؤكد جميع المواثيق والاتفاقيات الدولية والإقليمية على حرية المعتقد باعتباره أحد الحقوق الأساسية للإنسان، ونخص بالذكر المادة (4) من الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951م، وتنص على:" التزام الدول الأطراف بأن توفر للَّاجئ داخل أراضيها نفس معاملة مواطنيها على صعيد حرية ممارسة شعائرهم الدينية وحرية توفير التربية الدينية لأولادهم". وبالنسبة للسياق اليوناني، فقد نصت المادة (13) من الدستور المعدل بموجب قرار البرلمان بتاريخ 27 مايو 2008م على أن:" الإسلام دين مُعترف به، وأنه يحق للمسلمين الصلاة في الأماكن التي يرغبون فيها، وبالتالي تلتزم الدولة بتخصيص أماكن طالما حرية المعتقد الديني مكفولة في اليونان". مع هذا فقد كانت "أثينا" حتى وقت قريب "العاصمة الأوروبية الوحيدة الخالية من المساجد.

محاولات بناء المسجد             

في غضون أيام يكمل مسجد "أثينا" عامه الثاني، وقد استغرق بناء المسجد مدة طويلة من الزمن، ويرجع ذلك لعدة أسباب نجملها فيما يلي:

تحت وطأة المحاولات والجهود المستمرة خلال القرنين الماضيين، استجابت الحكومات اليونانية للدعوات المطالبة ببناء مسجد ورشحت أماكن مختلفة لذلك، وبدأت مخططات البناء في "أثينا" لأول مرة عام 1890م، لكن سرعان ما توقف المشروع. ثم تكررت المحاولات في الأعوام 1913م، و1953م لكن كلها باءت بالفشل. ثم بدأت في العام 1983م محاولة جادة لبناء المسجد، حين تقدمت المملكة العربية السعودية بطلب إلى وزارة الخارجية اليونانية لإنشاء مؤسسة إسلامية ومسجد. من جانبها خصصت الحكومة اليونانية قطعة أرض للمشروع في منطقة "ماروسي" بالعاصمة أثينا إلا أن المشروع لم ير النور.

لكن في عام 2006م أعلنت الحكومة اليونانية تخصيص (٤٢) فدانًا مملوكة للبحرية اليونانية في منطقة "إليوناس" لإقامة مسجد للمسلمين على أن يتم تمويل المشروع بالكامل بالموارد الوطنية، وأُدرج المشروع بموجب القانون رقم (11/4014) ضمن برنامج الاستثمار العام عام 2013م.

بدائل غير مرضية

لم يكن من المستغرب أن تنتشر المصليات في عموم اليونان؛ حيث بلغت أعدادها (100) مصلى، وهي بالعادة تكون عبارة عن شقة أو جراج تحت الأرض في عمارة سكنية، تخلو من المحاريب أو المآذن وغيرها من معالم المسجد الرسمي. ولا تعترف الحكومة اليونانية إلا بـ (4) مصليات فقط، ولم تكن تواجه مشكلة مع باقي المصليات؛ لأن الأجهزة الأمنية كانت تمتلك معلومات كافية عن كل مبنى.

ثم جاء تأسيس "المركز العربي اليوناني للثقافة والحضارة" في أثينا بتاريخ 30/10/2001م، تتويجًا لجهود الجاليتين العربية والإسلامية في اليونان ليكون في المقام الأول وبصفةٍ غير رسمية مكانًا لإقامة الصلاة. وهو مؤسسة حضارية ثقافية إسلامية غير ربحية، وهيئة ذات شخصية قانونية وذمة مالية مستقلة معترف بها قانونيًّا بموجب القرار رقم (6335) لعام 2001م. ثم افتُتح الفرع الثاني للمؤسسة عام 2005م بمدينة "ثيسالونيكي" بتمويل من مؤسسة "الوقف الأوروبي".

ويشرف المركز على تنفيذ بعض الأنشطة مثل تعليم اللغات اليونانية والعربية، وإقامة الشعائر الإسلامية في المناسبات الدينية، مثل صلاة العيدين، وتنظيم إفطار جماعي طوال شهر رمضان بتمويل من المتبرعين المسلمين، وعقد القران.

 

موقف الكنيسة والأحزاب السياسية من إنشاء المسجد:

1- الكنيسة الأرثوذكسية:

ترى الكنيسة أن المجتمع السوي هو الذي يتعايش فيه الناس من ديانات مختلفة جنبًا إلى جنب، يتمتعون بجميع الحقوق ويلتزمون بكل الواجبات دون تفرقة، لهذا السبب يجب أن يكون لكل فرد الحق في العبادة في العلانية دون خوف، وعليه يُعد إنشاء مسجد للمسلمين أمرًا قانونيًّا، وأنه من الأفضل أن تتولى الحكومة مسؤولية تمويل بناء المسجد، لأن الأماكن التي يستخدمها المسلمون لإقامة شعائرهم لا تليق بالعبادة، وأن على كل مسيحي أن يتفهم صعوبة أوضاع المسلمين في اليونان.

2- الأحزاب السياسية:

يؤيد حزب اليسار فكرة "أن على الدولة حماية الحقوق الدينية المكتسبة التي لا تتأثر بكون الشخص مهاجرًا أم لا" بمعنى أن لكل مؤمن بدين معترف به الحق في ممارسة عبادته في الأماكن المخصصة لذلك، وأنه كما يذهب المسيحي الأرثوذكسي بكرامة إلى الكنيسة في منطقته التي يقطن فيها، فإن من حق المسلم أن يكون له مكان عبادة لائق. وعلى الرغم من أن موقف الأحزاب اليمينية كان سلبيًّا في هذه القضية، إلا أن القيادة السياسية في أثينا ترى أن هناك ضرورة ملحة لبناء المسجد للمسلمين باعتباره التزامًا دوليًّا.

ختامًا ..

من خلال العرض السابق، قدمنا سردًا مختصرًا لإشكالية بناء المسجد في أثينا على مدى عقود، لا سيما بعد فشل المصليات في توفير البديل المناسب، لأنها تفتقر إلى الصبغة القانونية، ولا تكفي لاستيعاب الأنشطة كافة. كذلك تظل تجربة المركز العربي اليوناني للثقافة والحضارة، منقوصة وغير مكتملة ولا تفي بالغرض.

ويوصي مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، ببذل المزيد من الجهود للحيلولة دون تسرب أفكار اليمين المتطرف بالنظر إلى خطورتها على سلامة النسيج المجمتعي اليوناني والأوربي بشكل عام،  والترويج للمبادئ الإنسانية المشتركة، والتي من أهمها إمكانية التكامل والتعايش السلمي وقبول الآخر، وهو ما نصت عليه وثيقة الأخوة الإنسانية باعتبارها نبراسًا لأتباع جميع الأديان.

وحدة رصد اللغة اليونانية

 

 

 

 


رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.