أحوال الإسلام والمسلمين

 

10 يناير, 2023

التربية الإسلامية في المدارس الإسبانية: مؤشرات إيجابية وتطلعات مستقبلية

     كثر الحديث داخل الدوائر المعنية بالعملية التعليمية والأوساط السياسية الإسبانية عن حقوق الطفل المسلم في تلقي العلوم الدينية، الأمر الذي دفع المفوضية الإسلامية إلى مطالبة حكومة مدريد، بالسماح للطلبة المسلمين في المدراس بتلقي العلوم الدينية حصة في الأسبوع على الأقل، بعد الزيادة الواضحة في أعداد المسلمين بالبلاد؛ حيث كشفت دراسة ديموغرافية من أعداد اتحاد الجمعيات الإسلامية، عن ارتفاع أعداد المسلمين في إسبانيا إلى نحو (2.250.486) أي ما يعادل (4%) من إجمالي عدد السكان. وبلغ عدد الطلاب المسلمين في المدارس الحكومية الإسبانية حوالي (362.180) طالبًا، وعدد معلمي مادة التربية الإسلامية (106) معلمين، وخلصت الدراسة إلى أن (90٪) من الطلاب المسلمين يفتقرون إلى تلقي تعليم المادة الإسلامية في المدارس الحكومية، وأن (90٪) من معلمي تلك المادة عاطلون عن العمل.
ولم تعبأ حكومة إقليم (قطلونية) بمعارضة جماعات اليمين المتطرف، وقررت الاستجابة للمطالب والسماح للطلبة المسلمين في المدارس الحكومية بدراسة العلوم الدينية الإسلامية، حسبما أورت النسخة الإسبانية من موقع (يورو نيوز) الأوربي. ويجري حاليًا تنفيذ التجربة على عدد (6) مدارس، تمهيدًا للتعميم على المدارس العامة. ووصفت "مايت أيمريتش"، مدير عام وزارة التعليم بإقليم (قطلونية) التجربة بـ (الإيجابية للغاية) وقالت: "ساعدت التجربة في تصحيح بعض الصور النمطية المغلوطة عن الإسلام والمسلمين، وأنها سوف تتيح للطلاب المسلمين تلقي العلوم الدينية بواسطة متخصصين مؤهلين وفق المناهج الوسطية البعيدة عن التشدد والتطرف".
من جانبه اتهم "محمد الغيدوني" ممثل اتحاد الجمعيات الإسلامية في الإقليم، جهات لم يسمها بمحاولة تفتيت المجتمع القطلوني، مع تركيز الكراهية تجاه الإسلام والمسلمين، وأوضح: "رد فعل المجتمع على هذه الدعوات الخبيثة كان رائعًا لأن الهدف ليس المسلمين، بل كسر حالة التعايش والاندماج المجتمعي. والحكومة واثقة من تأثير تدريس تعليم الإسلام بالمدارس في (قطلونية) وإسبانيا بشكل عام على تعزيز التفاهم والتعايش المتبادل".
يُذكر أن حزب "فوكس" اليميني المتطرف، كان قد عارض التجربة كالعادة، بدعوى المحافظة على الهوية الثقافية والدينية والقومية للبلاد، وتقدم بطلب استجواب في البرلمان حول الموضوع، ونية الحكومة تعميم التجربة بمدارس (قطلونية)، وحجم المخصصات المالية على مشروع "أسلمة المدارس العامة" بحسب الحزب. كما طالب النائب "مانويل أكوستا" بمعرفة عدد المدارس التي ستقوم بتدريس مادة التربية الدينية الإسلامية وأماكنها، وما هي الشروط الواجب توفرها في المدرسين.
مؤشرات إيجابية
من المؤشرات الإيجابية على نجاح التجربة، عزم مجلس إقليم "كاستيا وليون" ذاتي الحكم، مد برنامج "شهادة مباشرة لضحايا الإرهاب" التوعوي ليشمل الجامعات العامة والمؤسسات الأكاديمية في ذلك الإقليم. ويركز البرنامج بحسب صحيفة "لا راثون" الإسبانية، على التعريف بمخاطر الإرهاب والتطرف، من خلال نشر قصص ضحايا الإرهاب وشهاداتهم لتوعية النشء والشباب وحمايتهم من الانجراف وراء أفكار التنظيمات المتطرفة. وحري بالمؤسسات التعليمية أن تمدد مثل هذه البرامج التوعوية إلى النشء في مرحلة متقدمة من التعليم ما قبل الجامعي، بما يشمل تعليم صحيح الدين ونهجه الوسطي.
كذلك كشف موقع "أو.إري.إمي" الإسباني، عن نية وزارة التربية والتعليم ‏الإسبانية بالتعاون مع "إيهاب فهمي" المدير التعليمي للمفوضية الإسلامية، تدريس مادة التربية الإسلامية بداية العام الدراسي الجديد في مدينة "مرسية"، وهي الخطوة التي سوف يستفيد منها أكثر من (11) ألف طالب وطالبة بجميع مدارس ومعاهد المدينة الإسبانية. وتحضيرًا لتلك الخطوة، أكد "فهمي" أن وزارة التربية والتعليم بدأت عمليًا في إعداد قوائم بالمعلمين وحصر عددهم بعد معرفة متطلبات كل مدرسة أو معهد. وكان المرصد قد نوه في تقارير سابقة عن أزمة توفير أعداد مناسبة من المعلمين لتدريس مادة التربية الإسلامية؛ لا سيما مع اشتراط حصول المعلم على الجنسية الإسبانية، وتسجيل ما لا يقل عن (10) تلاميذ كي تُخصص لهم حصة تربية دينية.
تطلعات مستقبلية
لم يكتف مرصد الأزهر بمتابعة هذه القضية من خلال وسائل الإعلام المختلفة، بل أتيح له متابعتها عن كثب من خلال زيارة ميدانية للتعرف على أحوال المسلمين في إسبانيا والتوعية ‏ضد ‏التطرف، حيث زار الدكتور "تامر عويس" عضو وحدة اللغة الإسبانية، مدرسة ‏‏"ميغيل ‏إيرنانديث" للمرحلتين الابتدائية ورياض الأطفال في مدينة "غرناطة" الإسبانية، تلبية ‏لدعوة مدير ‏المدرسة "خوسيه ماريا روبليس"؛ للتعرف على سير العملية التعليمية فيما يخص ‏تدريس مادة التربية ‏الدينية الإسلامية للطلاب المسلمين في المدرسة. وخلال الجولة، لمس ‏(عويس) حالة من الحوار البنّاء ‏بين الطلاب ‏ومعلميهم، نتيجة للأسلوب المبسط لتمكين التلاميذ من فهم المسائل العقدية والقيم ‏الإسلامية التي ‏تساعدهم على التعايش في المجتمعات الغربية، والحفاظ على الهُوية الإسلامية. وتحدث عن دور ‏مؤسسة الأزهر الشريف فيما يتعلق بالتعريف بالدين الإسلامي ونشر ‏تعاليمه السمحة حول العالم، ‏إضافة إلى دور مرصد الأزهر في مكافحة التطرف عبر إصداراته ‏وحملاته المتنوعة.
والمرصد إذ يثمن تلك الخطوة بالنظر إلى نتائجها الإيجابية على اندماج المسلمين في المجتمع، فإنه يتطلع مستقبلًا إلى مد جسور التعاون مع المؤسسات الدينية مثل الأزهر الشريف؛ للاستعانة بخبرات خريجيه في تدريس المادة بما يخدم هذا التوجه الجديد ويدفعه للاستمرارية. ويشدد باستمرار على أهمية التعليم في حماية النشء من الأفكار المتطرفة التي تشوه ‏تعاليم الدين وتُخرِّب عقول الشباب بما يجعلهم عرضة للانزلاق في براثن فكر التنظيمات ‏المتطرفة، وبما يحولهم إلى أداة تهديد وخطر على أمن المجتمع واستقراره، مؤكدًا أن تعاليم الدين ‏الإسلامي السمحة تحث على التمسك بالقيم وتحفز على قبول الآخر، كما ترسخ مفاهيم ‏المواطنة والتعايش السلمي، بما يسهم في تقدم المجتمعات واستقرارها.

وحدة رصد اللغة الإسبانية


الأبواب: قضايا أخرى

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.