أحوال الإسلام والمسلمين

 

22 يناير, 2023

انتهاج القسوة في تربية النشء وأثره في الانجراف نحو التطرف والإرهاب

     في الآونة الأخيرة، أصبح تعرض الأطفال بصورة متزايدة للتجنيد والاستغلال على أيدي التنظيمات الإرهابية أحد أهم القضايا التي تؤرق المجتمع الدولي، حيث أكدت العديد من التقارير والإحصائيات زيادة مطردة في عدد الأطفال والشباب المنضمين إلى الجماعات الإرهابية.

وسنحاول من خلال هذا المقال إلقاء الضوء على انتهاج القسوة والعنف في تربية النشء وما يترتب على هذا النمط التربوي السلبي من انحرافات فكرية وسلوكية، كونه أحد أسباب وقوع أعداد كبيرة من الأطفال والقُصَّر في براثن التنظيمات المتطرفة.

لا شك أن حرص الآباء على تربية أبنائهم ورعايتهم منذ نعومة أظفارهم من أسمى وأجل الرسائل التي يحملونها من أجل مستقبل مشرق لأبنائهم وأوطانهم. وفي هذا المقام، يمكننا طرح السؤال التالي: هل التربية السليمة وبناء شخصية نافعة لوطنها وللمجتمع شيء فطري يستطيع الآباء تحقيقه بسهولة، أم أنه يحتاج إلى التعرف على بعض العوامل والقواعد التي تُسهل المهمة على الآباء والأمهات؟

ومن المؤسف أن بعض الآباء يعتقدون أن على أطفالهم الانصياع لأوامرهم، دونَ اعتراض أو تذمر، ودون منح الطفل حرية التصرف في اتخاذ قرار بنفسه، ويؤكد التربويون أن هذا التوجه في تربية الأطفال يؤثر سلبًا عليهم من الناحية النفسية والعصبية والاجتماعية، فينمو الطفل غالبًا بشخصية ضعيفة غير مستقلة وغير قادرة على تحمل المسؤولية، وربما يصل الأمر به إلى الاعتماد على الآخرين في كل شيء.

كما يحاول بعض الآباء السيطرة على نشاط أطفالهم، والوقوف أمام رغباتهم، ومنعهم من القيام بسلوك معين لتحقيق رغباتهم، حتى ولو كانت مشروعة، وقد يُرافق ذلك في بعض الأحيان استخدام العُنف أو الضرب أو الحرمان. وقد ينتج عن اتباع هذا الأسلوب مَيل الشاب أحيانًا إلى العنف والعدوانية التي تتزايد حدتهما مع مرور الوقت، حيث إن الإسراف في القسوة والصرامة والشدة مع الأطفال وإنزال العقاب بهم بصورة مستمرة، وصدهم وزجرهم كلما أرادوا أن يعبروا عن أنفسهم - قد يؤدى بهم إلى الانطواء والانسحاب من معترك الحياة الاجتماعية، و كره السلطة الأبوية.

وقد يمتد هذا الشعور إلى معارضتهم السلطة الخارجية في المجتمع، وقد ينتهج هؤلاء الأطفال منهج الصرامة والشدة في حياتهم المستقبلية عن طريق التقليد أو التقمص لشخصية أحد الوالدين أو كلاهما. وبمرور الوقت، يعمل هذا العنف على إقحام الكثير من الشباب في طريق الإجرام العنيف، حيث يتولد لديهم الشعور بعدم المبالاة تجاه المجتمع، وهكذا تأخذ شخصيته العنيفة في التكوين ويتحول بمرور الوقت إلى مجرم أو متطرف فكريًّا وربما عنصر إرهابي يعيث في الأرض فسادًا وهو يعتقد أنه يقدم خدمة جليلة لدينة.

إضافة إلى ذلك، قد يعاني الأبناء الذين يشهدون العنف المنزلي بين الوالدين من إصابات جسدية ونفسية نتيجة مظاهر هذا العنف، وقد يتعرضون إلى بعض المشاكل السلوكية، مثل التراجع، والخروج عن السيطرة، وتقليد السلوكيات غير المنضبطة.

فالطفولة التي يتعرض فيها النشء للعنف والقسوة تؤدي دورًا حاسمًا في تجهيز الطفل للانخراط في الجريمة والانضمام لتنظيمات إرهابية في المستقبل: فحيثما يكون هناك ظلم وحرمان ويأس، فإن الأيديولوجيات المتطرفة العنيفة تطرح نفسها شكلًا من الأشكال التي يلجأ إليها الشخص هربًا من الظلم والحرمان واليأس.

ومن هذا المنطلق، تسعى التنظيمات المتطرفة إلى جذب أو استغلال هذا النوع من الأطفال والشباب الذين تربوا على القسوة والتعنيف المستمر وتولدت لديهم ميول للعنف وارتكاب الجرائم. وتلجأ الحركات الإرهابية غالبًا إلى هذه الإستراتيجية لاستقطاب مزيد من الشباب، ممن يسهل عليهم فيما بعد استغلالهم في زرع حتمية القتال وقدسيته في عقولهم، ويصيرون أداة قتل مطيعة في صفوفهم، حيث تفتح هذه التنظيمات المتطرفة ذراعيها إليهم وتقدم لهم كيانًا يمكنهم الانتماء إليه والارتباط به، وتزرع بداخلهم شعور الثقة بالذات والأهمية والتميز.

وقد أظهرت دراسات وأبحاث ذات صلة أن نسبة كبيرة من المنخرطين طواعية في التنظيمات المتطرفة العنيفة هو من جرَّاء الافتقار إلى الدور الذي يؤديه الأب والأم في حياة الطفل ونموه، وأن ثمة ارتباطًا قويًّا بين الأفراد الذين انضموا للجماعات المتطرفة ومعاناتهم بسبب غياب التأثير الفاعل للوالدين في مرحلة الطفولة أو التعرض للعقوبات الجسدية والقسوة.

ولعلاج هذه الظاهرة، ينبغي تحليل وقائعها وتشخيصها اجتماعيًّا وتربويًّا ونفسيًّا، من خلال تبني أبحاث وتقديم برامج إرشادية للوالدين في أساليب التنشئة الأسرية بغية حماية الأطفال والشباب من الانزلاق في براثن الإرهاب والوقوع فريسة سهلة للجماعات الإرهابية.

لا بد أن يعي الآباء أن أبناءهم أمانة في أعناقهم، وأن زرع الفضائل والقيم والأخلاق في نفوس أطفالهم هي الرسالة الأسمى التي تجب عليهم. فيكف يتم ذلك؟ هل بالحوار أم بانتهاج القسوة؟ لا شك أن الحوار والصبر على التوجيه هما الأساس في التربية، وهذا توجيه رباني ورد في كتاب الله العزيز حيث أمرنا أن ننتهج الصبر مع أبنائنا حتى ولو كنا ندعوهم إلى القيام بطاعة من الطاعات كالصلاة، يقول تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} (طه:132).

والخلاصة أن اتباع مبدأ الحوار والصبر مع الطفل يجعله يشعر بتقدير لذاته، وينمو هذا التقدير ليصبح سلوكًا متأصلًا فيه، وجزءًا من شخصيته النافعة لأهله ولوطنه، فكلما زادت ممارسة الحوار انخفضت درجات العنف لدى الأبناء، وكلما زادت ممارسة القسوة وإثارة الألم النفسي في التربية زاد لدي الطفل ممارسة العنف وانتهاجه في التعامل مع الآخرين.

ليعلم الآباء أنهم يحصدون ما يزرعون؛ ولذا فإن عليهم أن يحسنوا الزرع، وأن يربوا أولادهم بترياق الحب والحنان، فذلك أفضل مُقوم لكل سلوك سيء وغريب. ولتكن معايير التربية مُستوحاةً من شريعتنا الغرَّاء التي تحثنا على التقدير والرفق والرحمة بأبنائنا.

 


الأبواب: قضايا أخرى

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.