أحوال الإسلام والمسلمين

 

21 فبراير, 2023

أسباب تفشي ظاهرة الانتحار بين النساء في أفغانستان

     تنتشر ظاهرة الانتحار في ربوع العالم؛ ووفق إحصائيات رابطة منع الانتحار الدولية يقدم نحو مليون شخص حول العالم على الانتحار سنويًّا، بمعدل (٣ آلاف) حالة في اليوم، وهو ما يفوق ضحايا الحروب، والقتل العمد. وتنتشر هذه الظاهرة بشكل أكبر بين النساء لا سيما في الدول الأكثر فقرًا، والأنظمة التي تميز بين الجنسين في الحقوق والواجبات؛ حيث تتعرض المرأة لأشكال وأنماط مختلفة من العنف (تعود في مجملها إلى ممارسات اجتماعية مغلوطة) وقد يتعرضن لاضطرابات نفسية قد تقودهن للانتحار.
وتحتل أفغانستان مرتبة متقدمة من حيث انتشار ظاهرة انتحار النساء والفتيات، حيث تشير الأخبار المتداولة في الصحف والمواقع الفارسية منذ بداية العام 2022م، إلى ارتفاع معدلات انتحار الأفغانيات بشكل كبير. وقد ذكر موقع (شبكه اطلاع رسانى افغانستان) بتاريخ 14 نوفمبر2022م إلى أن عدد النساء الأفغانيات اللائى يقدمن على الانتحار يصل إلى (٢٤٠٠) سنويًّا.. وهذا الرقم والذى لم يتسنى لنا التأكد منه من مصدر آخر إلا أنه يعكس حجم الكارثة، بل يكفي أن تكتب على محرك البحث جوجل "زنان أفغانستان- نساء أفغانستان" حتى تظهر لك سيول من الأخبار المرتبطة بجرائم الانتحار، معظمها لفتيات فتيات صغيرات في مرحلة المراهقة.
والسؤال: ما هي أسباب تفشي ظاهرة الانتحار بين النساء في أفغانستان؟ وما هي الحلول المقترحة للقضاء على تلك الظاهرة، التي لم تعد تقتصر على مجتمع معين، ولا جنس بعينه، ولا فئة اجتماعية دون الأخرى، بل أصبحت هاجسًا يهدد استقرار، المجتمعات وأمنها عمومًا؟
تتعدد وتتنوع أسباب تفكير الأفغانيات في الانتحار، ويمكن تقسيم هذه الأسباب بشكل عام إلى قسمين رئيسين سياسية واجتماعية، يتفرع عنهما الكثير من الدوافع الأخرى. ورغم أن الدين الرسمي في أفغانستان هو الإسلام الذي كفل للمرأة حقوقها في التعليم، العمل، الميراث، اختيار الزوج، وسَاوى بين الرجل والمرأة في الحقوق، والواجبات، لكن المرأة الأفغانية تصارع بشكل عام ممارسات سياسية واجتماعية خاطئة كالتمييز، والعنف، والتهميش، والحرمان من الحقوق الأساسية، إضافة إلى التقدير السلبي للذات، الذي يمثل بيئة خصبة للإحساس بالقهر والعجز والرغبة في الانتحار.
أولًا: الدوافع السياسية:
أ) قيود الحياة العامة

لا شك أن حياة الأفغانيات سابقًا كانت أفضل نسبيًّا من الوضع الراهن؛ حيث لا يتورع أفراد الأمن عن التعرض بالسب والضرب بل والجلد العلني لكل فتاة لا تلتزم بالزي المفروض. وقد حدد بيان "هبة الله آخوند زاده" القائد الأعلى لحركة طالبان، شروط هذا الزي بقوله:" يجب أن تغطي الجسد من الرأس حتى القدم، وألا يظهر منهنَّ سوى أعينهن، وذلك تجنبًا لإثارة الرجال غير المحارم".
تقول "منيجة" إحدى النساء اللاتي تعرضن للعقوبة:" جرى استجوابي وضربي علنًا في منطقة "شوربازار" بكابول، بعدما تم إيقافي في إحدى نقاط التفتيش؛ لارتدائي زيًّا بنجابيًّا أزرق اللون، وسحبوني عدة أمتار للوصول إلى سيارة قائد الكمين، وصفعوني، وشدوا شعري، ولم أتخلص منهم إلا بالاتصال بأسرتي، وكتابة تعهد بعدم الخروج بهذه الملابس مرة أخرى، وإلا سيتم سجني.
كما تعرضت الشابة "نوشين" البالغة من العمر 26 عامًا للضرب؛ لارتدائها قبعة كبيرة أعلى البرقع، تقول: "لم أدرك أن برقعي سقط من تحت القبعة؛ لكن لم تظهر خصلة واحدة من شعري، لأن القبعة تغطي رأسي كله، فجأة ظهرت سيارة "رنجر"، خرجت منها ثلاث نساء، تحدثوا في البداية بالباشتو، لم أفهم ما كانوا يقولون، ثم نزعوا قبعتي بعنف، وبعد رؤية أجهزتي الرياضية، أخبروني أن ممارسة المرأة للرياضة في الإسلام جريمة، وأخذوا مني ملابسي، ومعداتي الرياضية.
ب) الحرمان من التعليم والعمل
كذلك أصدرت حكومة طالبان في شهر ديسمبر عام 2022م قرارًا بتعليق ذهاب الفتيات إلى الجامعات والعمل حتى إشعار آخر إلا بعض الاستثناءات في مجال الصحة، ويأتى هذا القرار بعد أن صرح "ندا محمد نديم" القائم بأعمال وزير التعليم في الأول من سبتمبر من العام ذاته بأن تعليم الفتيات ثقافة غربية، هدفها إشاعة الفوضى، والفحشاء في أفغانستان! . والمعروف أن الظروف السياسية التي مرت بها أفغانستان منذ أكثر من 20 عامًا قد أثرت سلبًا على العملية التعليمية بوجه عام، وتعليم الفتيات بوجه خاص. ولا شك أن حرمان الفتيات من حقهن في التعليم والعمل، مع تردي الأوضاع الاقتصادية القاسية يجعلهن فريسة للإحباط واليأس. وفي محاولة للتغلب على هذه الظروف لجأت بعض الفتيات للقيام بأعمال شاقة كالعمل تسع ساعات ونصف يوميًّا من السابعة صباحًا حتى الرابعة والنصف مساءً في تنظيف صوف الماعز المستخدم في صناعة الحرير، وهو عمل شاق جدًّا مقابل 170 أفغاني فقط في اليوم، ومعظم من يعملن بهذا العمل يواجهن مشكلات في العمود الفقري بسبب طول ساعات العمل، ومشكلات في التنفس بسبب محيط العمل الملوث، تقول (بلوشه) وهي إحدى الفتيات اللاتي أجبرن على العمل في هذه الحرفة؛ بسبب حرمانهن من التعليم، وسوء الأوضاع الاقتصادية (لقد كنتُ الأولى على صفي ولكن، ضاعت آمالي مع الريح، فاضطررت للعمل بهذه المهنة؛ بسبب ظروفنا الاقتصادية). وقد صرح مدير شركة تنظيف صوف الماعز في ولاية هرات أن غالبية العاملين في هذه الحرفة من الفتيات، والنساء ممن كن في مراحل التعليم، أو كن يعملن في مؤسسات حكومية، أُجبرن على العمل بحرفة تنظيف الصوف بعد التطورات السياسية الأخيرة، حيث يعمل ما يقرب من (400) فتاة، وامرأة ينظفن يوميًّا ثلاثة أطنان من الصوف، كما لجأت بعض النساء إلى الانخراط في زراعة المواد المخدرة.
ثانيًا: الدوافع الاجتماعية:
أ) الزواج القسري

اعتادت الكثير من الأسر الأفغانية تزويج الفتيات القاصرات أو إجبار بعضهن على الزواج، والتعامل مع الزواج كأنه صفقة، وقد كانت هذه الممارسات الاجتماعية الخاطئة سببًا في العديد من حوادث الانتحار المتداولة مؤخرًا منها على سبيل المثال:
- بتاريخ 31 أكتوبر 2022م، انتحرت أم لطفل وحيد في مدينة ميمنة بولاية فارياب بتناول سم الفئران؛ بسبب العنف الأسري من قبل أسرة زوجها. وقبل بيومين شنقت فتاة تبلغ من العمر18 عامًا نفسها في نفس الولاية؛ نتيجة العنف الأسري.
- في 1 يوليو 2022م، انتحرت فتاة عمرها 18 عامًا في مديرية "دهراوود" بولاية "ارزجان" بتناول السم؛ بسبب رفض أسرتها زواجها من شاب ارتضته زوجًا لها. وفي اليوم التالي انتحرت شابة في ولاية "تخار" كانت مخطوبة ومن المفترض أن تتزوج خلال أيام قليلة.
- 4 يوليو 2022م، شنقت فتاة نفسها في المنطقة التاسعة في مدينة "هرات" وقيل إن زوجها كان قد قام بحبسها، وفي اليوم نفسه انتحرت فتاة شابة تبلغ من العمر 17 عامًا في قرية "نوجنبد" بمديرية "كيتي" بولاية "دایکندی" بسلاح صيد في منزل والدها.
- صرحت "مريم أنور سعيد"، التي تعيش حاليًا في فانكوفر بكندا، أن زوجها عذبها عدة مرات، بل جعلها مدمنة على المخدرات.
ب) الحرمان من الميراث
كذلك لا يزال الحرمان من الميراث أحد المشكلات الرئيسية للنساء في أفغانستان، حيث يعيش الكثيرون أسرى العادات والتقاليد البالية، وتتعرض المرأة للعنف إذا قررت التقدم بشكوى للجهات المختصة. وكان "راديو آزادى- إذاعة الحرية" قد نقل تصريحات "شاه‌جان يزدان‌برست" رئيسة شئون النساء في ولاية (بروان) وفيها: " إذا طلبت امرأة حقها في الميراث من والدها، وأمها، وشقيقها، فإنها تتعرض للعنف. وتحرم نحو (90%) من الأفغانيات الحق في الميراث. لدينا أكثر من (150) قضية كل عام، من بينها (30) أو (40) قضية موضوعها الحق في الميراث، والحق في المهر".
وتقول "روشن جول" ربة منزل تبلغ من العمر (51) عامًا، وتعيش في قرية قلعة الصحراء التابعة لجبل السراج في محافظة "بروان": "استشهد والدي على يد الروس، وكنا أختيْن وشقيقيْن. ماتت أختي وما زال شقيقي على قيد الحياة، كان لدى والدي أربع قطع أرض، وبيت، أخذها إخواني، باعا البيت وبقيت الأرض، ولم يعطوني أي شيء".
ج) الاعتداء الجنسي
لا شك أن التعرض لتجارب مؤلمة بما فيها العنف الجنسي لا تقتصر أثارها السيئة على وقت حدوثها، بل يشكل تراكمات نفسية على المدى البعيد، قد تؤدي في النهاية إلى اليأس، والرغبة في الانتحار، لا سيما إذا كانت الضحية امرأة، وهذا ما أكدته، الدكتورة "أن جستس" أستاذة علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، حيث أوضحت أن الآثار النفسية التي يتركها الاعتداء الجنسي ضد المرأة تصل إلى الكبت، والاكتئاب، والانتحار، وهو ما يرمي بظلاله على المجتمع بأكمله.
وقد نُشرت مؤخرًا تقارير عن تعرض بعض الأفغانيات الناشطات في مجال حقوق المرأة للتحرش، والاغتصاب. وكانت صحيفة "جلوب أند ميل" الكندية قد أجرت مقابلة مع (٦) أفغانيات، وصحفيتيْن ناشطتيْن في مجال حقوق المرأة، كنَّ قد سُجنَّ إثر معارضتهن، وتعرضنَّ خلال فترة السجن للتعذيب، والاغتصاب، وعندما تم إطلاق سراحهنَّ، أُمرن بعدم التحدث عن الأمر لأي شخص، وأكدنَّ أن عددًا ممن سُجنَّ معهنَّ ثم أطلق سراحهنَّ، قتلتهنَّ عائلاتهنَّ خوفًا من أن يكن حوامل حفاظًا على شرف أسرهنَّ.
ويبدو أن قضايا الاعتداء الجنسي على بعض النساء في أفغانستان ليست وليدة التطورات السياسية الأخيرة؛ إذ أعلن المدعي العام الأفغاني في أكتوبر 2020م أنه خلال السنوات الثلاث الماضية (2018-2020م)، تم تسجيل (569) حالة اغتصاب ضد النساء، كما صرحت "سينا شنا منصور" نائبة قسم مكافحة العنف ضد المرأة، في مؤتمر صحفي عقد في "كابول" بتاريخ 27 أكتوبر 2020م بأنه تم خلال هذا العام فقط تسجيل (٣٠٠٠) حالة عنف ضد المرأة، من بينها (173) حالة اغتصاب، وأكدت أنه في المدة (2018- 2019م) تم تسجيل (١٩٥)، و(٢٠١) حالة اعتداء جنسي في جميع أنحاء أفغانستان.
يُذكر أن الرئيس الأفغاني السابق "أشرف غني" كان قد أصدر قرارا بتشكيل لجنة خاصة للتحقيق في الاتهامات الموجهة للعديد من العاملين في المؤسسات الحكومية، بل وفي القصر الرئاسي حول الاعتداء على النساء، وقد وثقت تلك اللجنة (٨) شكاوى تتعلق جميعها بالتحرش الجنسي بالنساء على مستويات مختلفة من الحكومة. وقد صدرت أحكام رادعة ضد بعض من ارتكبوا هذه الجريمة، كما حدث في قضية الجندي الذي اُتهم باغتصاب فتاة قاصر في ولاية "فارياب" وحكم عليه بالسجن مدة (20) عامًا، كما تم الحكم على قاتل الفتاة "نور جهان" ذات الـ (21) عامًا بعد اغتصبها بمحافظة "جوزجان" بالسجن مدة (30) عامًا.
وهكذا يتضح تأثير سوء أحوال الأفغانيات النفسية والاجتماعية، والاقتصادية، على رغبة بعض النساء في الحياة. ويؤكد مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، رفض الدين الإسلامي الحاسم كل هذه الممارسات، بل على العكس يأمر بحسن معاملة المرأة والإحسان إليها. كما يثمن المرصد جهود المؤسسات الدولية، والمحلية لمناهضة العنف ضد المرأة، ودعم حقوقها.

وحدة رصد اللغة الفارسية


الأبواب: قضــايا أخرى

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.