الجماعات المتطرفة

 

14 نوفمبر, 2022

الحملات الأمنية ضد التنظيمات المتطرفة في إسبانيا 2021م.. قراءة تحليلية‏


       تواصل وحدة الرصد باللغة الإسبانية تسليط الضوء على الحملات الأمنية التي قامت بها السلطات ‏الإسبانية خلال الأعوام الأخيرة، وفي هذا التقرير نستعرض الحملات والاعتقالات التي وقعت في عام ‏‏2021م، إذ واصلت إسبانيا حملاتها الأمنية المكثفة لمواجهة تهديدات التنظيمات الإرهابية المتتالية، ‏وعلى رأسها تهديدات تنظيم داعش الإرهابي، للعديد من البلدان الأوروبية، لا سيما أن إسبانيا لها أسباب خاصة ‏تجعلها محط أنظار هذه التنظيمات، وذلك يرجع إلى أن جزءًا كبيرًا من شبه الجزيرة الأيبيرية (إسبانيا ‏والبرتغال حاليًا) كان حتى القرن الخامس عشر دولة إسلامية عظيمة "دولة الأندلس".

‏وتستغل العناصر المتطرفة خاصة من تنظيم داعش الإرهابي في مناسبات عديدة فكرة استرداد "الأندلس"، وتلعب ‏على أوتارها، وتحاول تصدير هذه الفكرة إلى عقول الشباب. لكن السلطات الإسبانية تتمتع باليقظة ‏وتقوم بحملات أمنية متواصلة لتفكيك أية خلايا إرهابية على أراضيها.

جدير بالذكر أن "مرصد ‏الأزهر" كان قد حذَّر من شبح عودة تهديدات داعش الإرهابي؛ رغم إجراءات السلطات الأمنية الإسبانية للحد من أنشطة التنظيمات الإرهابية. ‏

والمتتبع للوضع الإسباني يدرك استمرار عمليات المداهمة والاعتقال لمواجهة التنظيمات ‏المتطرفة؛ حيث نجحت السلطات الإسبانية في تحييد (39) متطرفًا خلال (22) عملية مداهمة أمنية على ‏مدار عام 2021م، الأمر الذي يؤشر بوضوح إلى يقظة القوات الأمنية ومتابعتها المستمرة لأنشطة التنظيمات ‏المتطرفة حتى خلال فترة جائحة كورونا.

ومن خلال الإحصائيات فقد نجحت السلطات في تنفيذ (52) عملية أمنية خلال العام 2017م وهو الأكبر مقارنة بالأعوام (2018- 2019- 2020م) بواقع (24) و(32) و(23) عملية على الترتيب. في حين كان ‏العدد (36) عملية أمنية في عامي (2015م- 2016م)، و(13) عملية في عام 2014م، و(8) عمليات فقط في عام ‏‏2013م. ومن هذه الأرقام يمكن أن نستخلص أنه بشكل عام، لا تزال عدد العمليات التي نفذت وعدد ‏الأشخاص المعتقلين مماثلًا للسنوات الأربع الماضية، باستثناء العمل المكثف الذي قامت به قوات الأمن ‏الإسبانية في عامي 2017م و 2015م.

وفي سياق متصل اعتقلت قوات الجيش والشرطة الإسبانية (439) ‏متطرفًا منذ بداية عام 2013م وحتي نهاية 2021م بإجمالي (246) عملية أمنية، وفي الجدول التالي رسم ‏بياني توضيحي للعمليات الأمنية وأعداد المعتقَلين منذ 2013م وحتى ديسمبر 2021م.‏

Image

وبنظرة سريعة على مؤشر عمليات الاعتقال للعام 2021م، يتضح أن السلطات الإسبانية لم تنفذ أية عمليات أمنية ضد التنظيمات الإرهابية خلال شهر فبراير، الأمر الذي تكرر في الفترة (أكتوبر - نوفمبر) من العام 2019م، والمدة (مارس - أغسطس) في العام ‏‏2020م.

في المقابل شهدت المدة (مارس- أكتوبر) للعام  ٢٠٢١م أكبر عدد ‏من عمليات الاعتقال بلغت (18) ‏متطرفًا عبر (9) حملات أمنية. كما أن هناك تباينًا في أعداد ‏المعتقلين بين يونيو  وسبتمبر  ونوفمبر  وديسمبر، حيث أُلقي فيهما القبض على اثنين من المتطرفين وواحد ‏في يوليو  وأغسطس وفي الشهور: يناير  وأبريل ومايو أُلقي القبض على (11) متطرفًا بواقع (4) متطرفين في ‏أبريل ومايو  ٢٠٢١م، و3 في شهر يناير٢٠٢١م، وفي الجدول التالي رسم توضيحي لأعداد المعتقَلين والعمليات الأمنية من ‏يناير وحتى ديسمبر 2021م.‏

Image

                كما ذكرت جهات التحقيق أن عمليات الاعتقال لـــ(39) شخصًا خلال العام الماضي 2021م كانت ‏بتهمة التخطيط لارتكاب هجمات إرهابية في إسبانيا ونقل الأفراد إلى مناطق الصراع، وتمويل التنظيمات ‏الإرهابية، وبصفة عامة القيام بتجنيد مقاتلين جدد ليصبحوا جزءًا من هذه العناصر الإرهابية.

كما ‏برز خلال هذا العام العديد من العمليات الأمنية داخل السجون الإسبانية والتي أصبحت أحد المصادر ‏الرئيسة للاستقطاب والتجنيد والتطرف، حيث وقعت (5) عمليات أمنية اعتقل خلالها (9) متطرفين، وهو ‏ما يمثل حوالي 25% من إجمالي عدد المعتقلين.

وكان السجن الأبرز هذا العام هو سجن "مرسية" حيث ‏نُفِّذت فيه (3) عمليات أمنية؛ ولهذا تُولي الداخلية الإسبانية اهتمامًا كبيرًا بهذا الموضوع وتراقب السجناء ‏الأكثر تطرفًا منذ سنوات مراقبة صارمة، وتعمل على مكافحة التطرف فكريًّا داخل السجون من خلال ‏الدورات التي تنظمها مؤسسة السجون لتدريب المسئولين على منع انتشار ‏الفكر المتطرف داخل السجون، ‏وكان من بين المعتقلين (3) سجناء متطرفين، كانوا - طبقًا لما أعلنته وزارة الداخلية الإسبانية- يحرضون ‏السجناء ‏الآخرين ويهددونهم للانضمام إلى خليتهم التابعة لتنظيم داعش الإرهابي، كما قاموا بضرب ‏سجين ‏آخر رفض الانضمام إليهم، مما تسبب في إحداث إصابات خطيرة له.‏

وتواصل السلطات الأمنية الإسبانية العمل على تجفيف مصادر تمويل تنظيم "داعش" في إسبانيا ‏حيث تمكَّنت من الحد من مصادر التمويل عن طريق نظام "الحوالة" المصرفية- وهو أسلوب قائم على ‏الثقة للتحويلات غير الرسمية لمبالغ مالية كبيرة أو صغيرة، وبفضله ليست هناك حاجة للجوء إلى البنوك ‏كوسطاء. ووقعت آخر عملية قام بها الأمن الإسباني في شهر نوفمبر 2021م، عندما اعتقل شقيقين بتهمة تمويل تنظيم داعش، حيث كانا يحصلان على النقود بهدف تمويل أنشطتهما، وكذلك ‏إرسال أموال من أنصار التنظيم الإرهابي من داخل إسبانيا إلى سوريا وأجزاء أخرى من أوروبا، وذكرت ‏التحقيقات أن العديد من الأموال التي دخلت في دائرة التمويل للتنظيمات المتطرفة جاءت من أعمال ‏قانونية في إسبانيا مثل الاستثمارات العقارية أو  وكالات بيع الشاحنات التي استحوذت على المركبات في ‏أوروبا لتوزيعها لاحقًا في البلدان التي يكون لتلك التنظيمات فيها "مصالح إستراتيجية".‏

كما كشف التقرير الجديد للشرطة الأوروبية "اليوروبول" في يوليه 2022م عن حالات لمنظمات ‏إرهابية تستخدم منظمات غير ربحية لجمع التبرعات تحت ستار "جمع التبرعات الخيرية"، حيث لا تزال ‏التبرعات الفردية إحدى الوسائل الرئيسية لتمويل المنظمات الإرهابية، وأشار التقرير إلى أن جهاز ‏المخابرات الإسبانية نظم العديد من العمليات لقطع مصادر تمويل التنظيمات الإرهابية المتطرفة، حيث ‏ألقي القبض على (3) مشتبه بهم لتمويل الإرهاب باستخدام هذه الوسائل في مارس 2021م، وذكر التقرير أن ‏معظم الأموال التي تم توجيهها من إسبانيا إلى التنظيمات الإرهابية قد جُمعت من خلال حملات التمويل ‏الجماعي عبر الإنترنت، ولهذا السبب كرست المخابرات الإسبانية جزءًا من جهودها لتحليل حملات ‏التمويل الجماعي عبر المنصات الرقمية، وإجمالًا خلال هذ العام تمكنت قوات الأمن الإسبانية من اعتقال (‏‏6) متطرفين بتهمة تمويل داعش في (3) عمليات أمنية اعتُقل فيه (8) من المتطرفين.‏

وفيما يخص أماكن تمركز العمليات الأمنية في إسبانيا على مدار العام، نجد أنه تم تنفيذ (4) عمليات ‏مختلفة على مدار العام في إقليم "قطلونية" اعتقل خلالها (10) متطرفين، وفي العاصمة "مدريد" تم تنفيذ (3) ‏عمليات أمنية، ومثلها في "مرسية"، ونُفذت واحدة في "مليلية" وأخرى في "سبتة" والتي دائمًا ما ينظر إليهما ‏على أنهما معقل للمتطرفين، إضافة لإلقاء القبض على آخرين في بلديات مثل "توليدو" و"قرطبة" ‏و"ألمرية" و"إشبيلية" وغيرها، كما اتضح أن‎ ‎واحدًا من كل ثلاثة معتقلين في عام 2021م كان على صلة ‏بآخرين تم القبض عليهم بسبب أنشطة إرهابية، وخمسة منهم على صلة مباشرة بالمقاتلين الإرهابيين ‏الأجانب. ‏

Image

الحملات الأمنية ضد التنظيمات المتطرفة في إسبانيا 2021م.. ‏قراءة تحليلية

وفيما يتعلق بالدور الذي تلعبه النساء والأطفال القُصر في صفوف التنظيمات المتطرفة، في ‏البداية هناك حقيقة مهمة وهي أنه لم يتم اعتقال أي طفل قاصر أو امرأة خلال عام 2021م وهو نفس ‏الأمر بعد عام 2017م والذي اعتُقل خلاله (3) من القُصر، في حين اعتقلت (8) نساء (6) إسبانيات وواحدة ‏مغربية وأخرى مكسيكية في السنوات الخمس الماضية بواقع واحدة في عام 2019م، وكانت تبلغ من العمر (‏‏45) عامًا، وأخري في عام 2020م وكانت تبلغ من العمر (24) عامًا، والبقية اعتقلن في 2017م، وكانت ‏أصغرهن تبلغ من العمر (19) عامًا؛ ولهذا ينبغي أن لا ننسى أن النساء ما زلن يلعبن دورًا مهمًّا في داعش ‏عن طريق تجنيد النساء الأخريات عبر  إقناعهن بالانتقال إلى مناطق الصراع، سعيًا وراء أحلام زائفة أو من ‏خلال نشر الدعاية المتطرفة عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، إضافة لزيادة عدد الزيجات بين ‏أعضاء المجموعة وإضفاء الطابع الرسمي على الزواج، وأن يَكنَّ مستقبلًا أمهات لأشبال الخلافة كما ‏يطلقون عليهم، وكذلك لسهولة عملية عودة المقاتلين إلى أوروبا، عن طريق الزواج الشرعي ليكون من ‏السهل عبورهم بين حدود دول تلك المنطقة.‏

وفيما يخص الفئات العمرية للمعتقلين: في عام 2021م تبين أن متوسط عمر  العنصر المتطرف ‏في إسبانيا قد انخفض ليتراوح ما بين (18) إلى (24) عامًا، بينما كانت تتراوح في العام السابق 2020م ما ‏بين (32) و(38) عامًا، وفيما يخص جنسيات المعتقلين في إسبانيا عام 2021م، نجد أن الغالبية العظمى ‏منهم يحملون الجنسية المغربية بنسبة 44% ثم الإسبانية بنسبة 23%، تليها الجزائرية بنسبة 26%، ثم ‏الباكستانية بنسبة 5% ثم الفرنسية بنسبة 2%، فضلًا عن الترابط والصلة بين المعتقلين، حيث إن واحدًا ‏من ‏كل ثلاثة كان على صلة بمعتقلين آخرين بسبب ممارسة أنشطة إرهابية، ومن النتائج الأخرى في ‏تحليل ملف المعتقلين المتطرفين في إسبانيا عام 2021م هي أنهم جميعًا رجال، إضافة إلى أن 56٪ ‏عازبون، و62٪ منهم عاطلون عن العمل، و42٪ منهم لديهم سجل جرائم عادية، كما أن 71٪ منهم كان ‏انتمائه الأيديولوجي لصالح تنظيم "داعش" الإرهابي، علاوة على ذلك فإنه من بين الـــ(39) معتقلًا العام ‏الماضي 2021م، وجد (13٪) على صلة بمقاتلين أجانب، وكانت نسبة من لديهم جرائم خاصة بتمجيد ‏الإرهاب (32٪)، والتلقين العقدي (26٪) والانضمام لتنظيم إرهابي (21٪). ‏

Image

وتعتبر الذئاب المنفردة والعائدون من صفوف التنظيمات المتطرفة في مناطق الصراع من أبرز ما ‏يثير قلق الجهات الأمنية في إسبانيا، حيث لا يمكن استبعاد الخلايا المتطرفة مثل التي قامت بتنفيذ ‏عملية الهجوم في قطلونية في 2017م. ومن هذا المنطلق، نجد أنه في نهاية عام 2021م، سلط موقع ‏‏"نويسترا إسبانيا" في يوليه 2022م الضوء على تقديم المركز التذكاري لضحايا الإرهاب معلومات في تقريره ‏عن الإرهاب في إسبانيا ووضع مقاتلي تنظيم داعش من الإسبان، حيث بلغ عددهم (258) شخصًا انتقلوا ‏إلى مناطق الصراع للانضمام إلى صفوف التنظيمات داعش والقاعدة، وقد عاد منهم (57) إلى أوروبا، بينما ‏لقي (76) آخرون مصرعهم، وما زال هناك (125) شخصًا في مناطق النزاع. ومن الجدير بالذكر أن معظم ‏العائدين يعاقبون بتهمة الانضمام إلى  منظمة إرهابية، وتتراوح أحكام بالسجن عليهم ما بين (6) و(12) عامًا.‏‎ ‎

ويرى مرصد الأزهر أنه على الرغم من الجهود التي تبذلها قوات الأمن لمكافحة الإرهاب، فإن أوروبا لا تزال ‏هدفًا مهمًّا للتنظيمات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم داعش، وأن الذئاب المنفردة والعائدين يمثلان خطرًا كبيرًا ‏على القارة العجوز، كما نشدد على أهمية الوقاية من حدوث هجمات إرهابية، وأنه يجب على قوات الأمن ‏توخي الحذر لتجنب خطر  إزهاق مئات الأرواح، وخلال عرض الكتاب السنوي لمكافحة التطرف لعام ‏‏2021م، أشار مدير إدارة الأمن القومي الجنرال "ميجيل أنخيل باليستيروس"، إلى أنه لا يمكن تقليل الحذر ‏من "الإرهاب المتطرف"، مع التركيز على منطقة الساحل وأيضًا على التهديد المزدوج الذي تشكله عودة ‏المقاتلين الأجانب والمعروفين بـ "الفاعلين المنفردين" أو "الذئاب المنفردة" من العناصر المتطرفة في ‏إسبانيا.‏

Image

وأوضح التقرير أن "المواطنين من ذوي الأصول المغربية يمثلون الغالبية العظمى من المهاجرين ‏إلى مناطق النزاع، حيث بلغ عددهم (157) شخصًا، بينما بلغ عدد الإسبان (48) شخصًا، فضلًا عن (53) من ‏جنسيات أخرى، وبالنسبة لتقسيمهم الجنسي يضم هذا العدد الإجمالي (227) رجلًا  و(31) امرأة.

ويبرز من ‏بين هؤلاء كل من "محمد ياسين بيريث" والملقب بـ"القرطبي"، و"يولاندا مارتينيث " وهي مواطنة من مدريد ‏تزوجت من عمر الحرشي، وهو إسباني من أصل مغربي ومجند بارز في تنظيم داعش، جدير بالذكر أن ‏العدد الإجمالي للمقاتلين الأجانب من أوروبا والذين انضموا إلى صفوف تنظيم داعش والقاعدة وغيرهما من ‏المنظمات الإرهابية يتراوح بين (5500) و(6000) شخصًا.‏

Image

وختامًا نرى ضرورة العمل على تضافر الجهود وتعزيز التعاون المشترك في مجال مكافحة ‏التطرف بين مختلف المؤسسات والهيئات الرسمية وغير الرسمية؛ للحد من انتشار هذه الظاهرة وللقضاء ‏على أذناب التنظيمات الإرهابية، كما ندعو إلى احتضان الجاليات الأجنبية المختلفة داخل إسبانيا ‏وتشجيعهم على الاندماج داخل المجتمع الإسباني، والتعاون مع السلطات من خلال الإبلاغ عن أية حالة ‏يُشتبه في تطرفها لتجنيب المجتمع ويلات العمليات الإرهابية التي حصدت العديد من أرواح الأبرياء في ‏الأعوام الأخيرة.

وحدة الرصد باللغة الإسبانية‏


رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.