آخر الأخبار

 

09 مايو, 2022

داعش بين الدراما والحقيقة !

 

مشهد (1)

"على قدر أهل العزم تكون العزائم... دخول الجنة ليس مجاني"...

وردت الجملة السابقة على لسان أحد أبطال مسلسل "العائدون" الذي عُرض داخل السباق الرمضاني لعام 2022م، ردًّا على مواساة أحد العناصر الداعشية له في أعقاب مقتل والده بيديه.. الشاب الداعشي الذي قام بقتل والده بنفسه؛ تنفيذًا للحكم الصادر من قبل أحد قادة التنظيم؛ لأنه في حكمهم "مرتد"!! والردة من منظور الدواعش حسب ما أوضحته أحداث المسلسل معارضة الوالد للتنظيم واعتباره مثل السرطان الذي ينخر بجسد الأمة.

الجملة التي قيلت بثقة على لسان البطل وصَعَقَت المتفرج الذي كان ينتظر أن يُبدي الابن علامات الندم والحسرة على ما أقدم عليه في حق والده المسن، والندم على ارتكابه لجريمة ربما لو صورتها قبل عام 2013م _ عام ظهور داعش_ لاعتبرها المشاهد مبالغة غير مقبولة وغير واقعية؛ لعدم إنسانيتها أو منطقيتها، إذ كيف يمكن لعاقل أن يصدق أن ابنًا قد يُقدم على قتل والده المسن بهذا الشكل الوحشي وبهذه الطريقة البربرية! بل كيف يمكن لابن مهما بلغ عقوقه أن يقدم على سفك دم والده لأي سبب كان! وكيف يمكن لمشاهد أن يصدق أن الابن قد يقتل والده بيديه تنفيذًا لأمر قائده؛ حتى يكسب ثقته ويؤكد على ولائه له وللتنظيم. أي عقل إنساني يمكن أن يستوعب أن الانتماء لمثل هذه التنظيمات أقوى من روابط الدم والأخوة والأبوة والبنوة!

مشهد (2)

‏"خان الأمانة، وخان الخلافة، وإن والله مصيره جهنم وبئس المصير. ولكننا جند الله وخلفائه في الأرض.. وقد قررنا أن ‏نذيقه عذاب جهنم قبل الآخرة، ليعلم الذين أجرموا أي منقلب ينقلبون، وليكون عبرة لكل من تسول له نفسه خيانتنا، وليعلم أعداؤنا في كل بقاع الأرض أن لدولة الخلافة أسود تحميها".

ما سبق من خطاب _ مضلل _ جاء في مشهد آخر لا يقل وحشية وبربرية عن المشهد السابق، حيث ورد على لسان أحد قادة التنظيم الإرهابي، ممهدًا ومبررًا لحرق أحد الأحياء؛ ردًّا على اكتشافهم لخيانته _ حسب زعمهم _  والخيانة هنا لأنه يعمل لصالح وطنه!!!

مشهدان ضمن أحداث درامية أثارا العديد من التساؤلات في ذهن المشاهدين، أبرزها: "هل ما ورد في المسلسل حقيقة أم مبالغة؟! وإذا كان حقيقة فلماذا وكيف يتوحشون؟!"..

الحقيقة أن مثل هذه التساؤلات من الطبيعي بل ومن الإنساني أن تدور بخلد الكثير من الأسوياء الذين لم تستوعب فطرتهم النقية أن تكون مثل هذه الأفعال الإجرامية حقيقة حدثت بالفعل أو من الممكن أن تحدث، وأنها مجرد مَشَاهِد من خيال الكاتب وصناع الدراما؛ لجذب المزيد من المشاهدين، فمن المستحيل أن يُقدم ابن على قتل والده بهذه الطريقة ولهذه الأسباب، ومن المستحيل أن يقوم مسلم مؤمن بالله ورسوله بقتل نفس حية بإضرام النيران بها. ولكن ما وراء الحقيقة يؤكد لنا أن داعش _ تتار العصر الحديث _ قد حققت المستحيل واللا معقول، حيث نفذوا بالفعل وعلى أرض الواقع هذه الأفعال البربرية بعد أن نجحوا _ وللأسف الشديد _ في السيطرة على عقول المنتمين إليهم، ومن ثم تحويل الشباب والنساء والرجال لوحوش آدمية مستعدة لإزهاق أرواح الأبرياء والمقربين منهم من أجل جنتهم المزعومة.. فالطريق لجنتهم هذه _ من وجه نظرهم _ لا بد أن يكون مخضبًا بالدماء والأشلاء.

إن المشهد الوحشي الذي عرضه المسلسل، وقام فيه الابن الأكبر بقتل أبيه رميًا بالرصاص واقع حدث بالفعل في عدد من المناطق الواقعة تحت السيطرة الداعشية أو حتى خارج تلك المناطق، منها مدينة "الرقة" السورية، حيث أقدم شاب داعشي على قتل والدته على مرأى ومسمع من الجميع؛ بسبب مطالبتها له بترك التنظيم والابتعاد عن عقيدته الفاسدة. لقد قام الابن البالغ من العمر 20 عامًا، بإبلاغ التنظيم عن والدته وعن رغبتها في تركه للتنظيم، ليقوم الأخير باعتقال السيدة واتهمها بالردة، وأمر ابنها بقتلها رميًا بالرصاص. كما قام داعشي آخر بقتل والده لنفس التهمة "الردة"، وذلك قبل أن يفجر نفسه خلال عملية انتحارية. كما رصدت وحدة رصد اللغة التركية بمرصد الأزهر في عام 2017 القبض على الداعشي العراقي "عبد الخالق عبد القادر علي"، الذي قتل أخاه الأكبر "عبد القادر الذي كان يعمل شرطيًا في العراق، وانتشر مشهد قتله لأخيه على مواقع التواصل، واعترف الإرهابي بصحة الصورة، وأنه قتل أخاه لإثبات ولائه للتنظيم.

وعلى الجانب الآخر، وضمن السلوك غير السوي الذي انتهجته عناصر هذا التنظيم قامت امرأة داعشية بتفجير نفسها في تجمع للشرطة العراقية وهي تحمل رضيعها على يديها. وكما نشر فيديو لأب داعشي وهو يقوم بتأهيل ابنتيه الصغيرتين قبل الدفع بهن لتنفيذ عملية انتحارية ضد من أسماهم بالكفرة؛ من أجل الفوز بالشهادة والجنة.

 

Image

الداعشية العراقية التي قامت بتفجير نفسها وهي تحمل رضيعها

 

Image

الأب الداعشي وابنتاه

لم تكتف عناصر التنظيم بهذا القدر من الوحشية، بل ازدادوا توحشًا عندما قاموا أيضًا بحرق الأحياء على مرأى ومسمع من العالم، مثلما فعلوا في عام 2015م، بحرق الطيار الأردني الشهيد "معاذ الكساسبة" في مشهد مماثل لما تم تجسيده على الشاشة الدرامية. وفي عام 2016، قام التنظيم بتنفيذ محرقة جماعية في حق 19 فتاة إيزيدية في مدينة "الموصل" العراقية، بعد رفضهن ممارسة الجنس مع مقاتلي التنظيم. وفي مطلع هذا العام (2022م)، قام التنظيم خلال سيطرته الوجيزة على سجن "غويران" الواقع في مدينة "الحسكة" السورية، بحرق أجساد عدد من عمال السجن في فرنه، وذلك بعد تقطيع أوصالهم، لدرجة بات من الصعب التعرف على جثثهم لتفحمها.

وبالنظر إلى المحتوى المنشور عبر قنواتهم ووسائلهم المرئية والمسموعة والمقروءة، نجد أن لغة الحظاب فيها لا تختلف عن لغة الخطاب الواردة في المشهد الثاني في مسلسل "العائدون"، والذي كان يبرر فيه القيادي حرق الأحياء.. لغة المزايدة والتعالي بالدين والمتاجرة به، واتهام الآخرين بكل التهم والإدانات التي تجعلهم في مرمى رصاصاتهم ونيرانهم، ومنها "الردة" لكل من يخالفهم في النهج حتى ولو كان يدين بالإسلام، وعلى رأس هؤلاء قوات الجيش والشرطة النظامية ومن يواليهم ويؤيدهم ويقرب لهم، والتخوين لكل من يحاول الانشقاق عنهم أو الانسلاخ عن نهجهم بعد أن تتكشف له حقيقتهم، وتهمة "الكفر" لكل من يخالفهم في الدين والملة أو حتى يعتنق الدين نفسه ولكنه مؤمن بأنهم لا يمثلون الإسلام والمسلمين. ففي أحد إصداراتهم المرئية التي نشروها عبر موقعهم وقام المرصد بمتابعتها، يقول أحدهم: "نقول لهم جيشوا ما شئتم من الجيوش... فوالله لقد أعددنا لكم رجالًا يعشقون القتل كما تعشقون الحياة... حَشِّدوا وافعلوا ما شئتم فإن الله عز وجل تكفل بنا". بينما يقول آخر: "إن من الناس من هو مسلم ومن هو كافر تحقيقًا لقوله تعالى: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن...} وقد أخبر تعالى أن منهم من يقاتل في سبيله ومنهم من يقاتل في سبيل الطاغوت... فالذين يقاتلون لإقامة شرع الله في أرضه هم المجاهدون أولياء الله وأحبائه، والذين يقاتلون لنصرة الطاغوت والصد عن سبيل الله هم الكافرون أولياء الشيطان...". وتأتي هذه الخطابات مصحوبة بصور وفيديوهات لعمليات القتل والنحر والحرق والتنكيل التي يقوم بها عناصر التنظيم ضد الجميع مسلمين وغير مسلمين، نساءً وشيوخًا وأطفالًا، مدنيين وعسكريين وغيرهم؛ بهدف بث الرعب في قلوب الجميع _ حسب اعتقادهم _ وهو الأمر الذي أشار إليه المسلسل أيضًا.

كما أن المتأمل في المشهد الثاني سالف الذكر يجد أن الحرق كان جراء الخيانة، وأن الخيانة في المشهد كانت خدمة الشخص لوطنه. وهذا يؤكد مدى معاداة تنظيم داعش الإرهابي لفكرة الأوطان والدول والحدود، وسعيه الدائم إلى نسفها. وقد رصد المرصد عددًا من الفتاوى المغلوطة التي يستخدمها داعش الإرهابي سلاحًا في هذا الأمر. ففي عام 2015 أصدر أحد قادة التنظيم الإرهابي فتوى مفادها "وجوب إعلاء وتقديم المصلحة العامة على مصلحة الأفراد والأوطان"، والمصلحة العامة عندهم هي مصلحة التنظيم. وفي الوقت الذي يسعى التنظيم الإرهابي إلى نزع الهوية الوطنية يحاول في الوقت ذاته تعميق الولاء للتنظيم وقادته، فالهوية الوطنية عندهم هي ولاء الأفراد أيًّا كان وطنهم لدولة الخلافة المزعومة، وقد بدا ذلك واضحًا في الفتوى التي بثتها إحدى أبواق التنظيم عام 2014 وجاء فيها أن (محبة أهل العلم وعلى رأسهم الأمير أبو بكر البغدادي من لوازم التوحيد، ويؤجَر المسلم عليه) في مشهد بلغ من التطرف أن يجعل عقيدة التوحيد تتأثر بعدم حب زعيمهم المقتول. وقبل سقوط الموصل والرقة بفترة بسيطة، وفي فترة تكثيف الضربات الجوية على التنظيم شاع الخوف والرعب بين النساء، ورصد التنظيم رغبة الكثيرات منهن في العودة إلى بلادهن. وبناء عليه نشر التنظيم في العدد 62 من صحيفة النبأ الأسبوعية مقالًا بعنوان "الولاء والبراء يا معشر النساء". كان الخطاب فيه استعلائيًّا، حيث حذر الكاتب نساء التنظيم من مجرد إضمار المحبة والمودة تجاه بلادهن أوأقاربهن الذين لم ينضموا إلى التنظيم، وحثهن على عدم التواصل معهم على مواقع التواصل واصفًا ذلك بمساعدة الكافرين والمعادين للدولة، وطلب منهن مسح أرقام الأهل والأصدقاء من هواتفهن الشخصية. ولا شك أن الهدف من هذا المقال هو حث نساء التنظيم على عدم العودة إلى بلادهن وحياتهن السابقة.  

Image

مشهد حقيقي من أحد إصداراتهم المرئية

لماذا كل هذه الوحشية والبربرية؟

لقد سعى الدواعش منذ ظهورهم إلى تنفيذ أجندتهم الدموية عن طريق استقطاب العديد من الشرائح المجتمعية، وكان على رأس تلك الشرائح "الشباب" خاصة من لا يمتلك منهم ثقافة دينية عميقة وراسخة؛ حتى يسهل عليهم اللعب على وتر عاطفتهم الدينية، ودس السم في العسل بالشكل الذي يسهل معه تطويعهم وتشكيل فكرهم ووجدانهم الإنساني وفقًا للمنهجية الداعشية. لتبدأ الخطوة الثانية وهي خطوة زرع وترسيخ عدد من المفاهيم التي قاموا بتحريفها وتفسيرها وفقًا لأهوائهم في عقول هؤلاء الشباب، ومنها: "الولاء والبراء" و"الحاكمية" و"الجهاد ضد الكفار".... وغيرها من المفاهيم.

إن "الولاء" من وجهة نظرهم هو الود والمحبة والنصرة والتأييد للمسلمين، ليس عموم المسلمين بل للمنتمين للتنظيم فقط، وبالتالي يكون التعامل مع الآخر المختلف في الدين خرقًا لهذا الولاء، فمن يوالي غير المسلم مرتد يجوز قتله حسب عقيدتهم العطبة؛ ولهذا كَفَّروا جموع المسلمين واستباحوا دمائهم وأموالهم؛ لأنهم ببساطة شديدة يعتبرون أنفسهم ومن ينتمي لهم هم "المسلمون" فقط. و"البراء" في عقيدتهم يعني تكفير الآخر وقتله، وأنه _ أي البراء _ يكون في حق غير المسلمين! ويقولون بوجوب تفعيل الولاء والبراء في كل وقت مع غير المسلمين سواء في الحرب أو السلم.

أما "الحاكمية" في منهجهم فتعني أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر، وأن التوحيد له أقسام منها توحيد الحاكمية أي إن الحكم لله وحده، ومن تحاكم إلى غير لله فهو كافر، وأنه لا حاكم إلا الله وأن الحكام الذين يجتهدون في القوانين كلهم كفار، فالحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله ويختار القوانين الوضعية فهو كافر، والمحكوم الذي يختار حاكمًا لن يحكم بشرع الله فهو أيضًا كافر؛ وبالتالي فقد قاموا بتكفير أغلب الأمة الإسلامية، واستحلوا دمائهم. وفيما يخص "الجهاد"، فهو من وجهة نظرهم قتل الآخر، وهو فريضة على كل مسلم، مستدلين بقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}.

إذا قمنا بتفنيد هذه المصطلحات والتي يمكن اعتبارها مفاتيح منهجهم الدموي الذي يحاولون تسويق أنفسهم من خلاله؛ لمزيد من السيطرة والعدوان، سنجد أنها مخالفة لصحيح الدين الإسلامي، وإن عَبَّرَت فإنما تعبر عن تفسير مغلوط و"مقصود" هدفه تشويه الدين الإسلامي وكل من يعتنقه. فالتعامل مع الآخر والتعاون معه في أمور ومصالح مشتركة لا يمكن أن يكون محرمًا، والدليل على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعامل وتواصل مع الآخرين ولم ينه عن ذلك، بل إن القرآن الكريم يقول: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}، فديننا لا يأمرنا بمعاداة غير المسلمين أو معاملتهم بالقوة والشدة إلا في حال رد العدوان، وهذا الرد يكون من قبل الجهات والسلطات المعنية بذلك، أما إذا كان المسلمون في سلام مع الآخر فعليهم العمل بمقتضى الآية الكريمة بالبر والقسط والمودة والإحسان. وبالتالي فإن مفهوم "الولاء والبراء" تابع لحال السلم وحال الحرب، ففي السلم يكون البر والقسط والإحسان وفي الحرب فإن المسلم مطالب بأن يكون ولاؤه لدولته ولدينه مع الحفاظ على البر والقسط والإحسان، فإذا ما خان الأمانة وباع دينه ودولته وساعد العدو أيًّا كان دينه على أهله ودولته فهو حتمًا منبوذ.

كما أن "الولاء" هو ميثاق تعبدي، راجع في الأصل إلى توحيد الله بالإخلاص له في كل شيء، وإلى محبة رسوله - صلى الله عليه وسلم – بتوقيره ونصرته، ثم إلى محبة المؤمنين؛ بتقوية أواصر وعرى الأخوة في الله، وتعميق مفاهيم التواد والتعاطف والتآزر في الدين، ونصرة الدولة ومجتمعها الإنساني. و"البراء" عملية تعبدية لا تلزم المسلم ببغض أو كره غير المسلم.

وبالنسبة للحاكمية، فهي مصطلح حديث استخدم لأول مرة على لسان "أبي الأعلى المودودي"، في سياق تاريخي وسياسي خاص ومختلف، ثم استخدمه من بعده "سيد قطب"، وحشوه بأفكاره التخريبية ليقول من خلاله: إن مصر دولة جاهلية تعيش في ظلمات الكفر لأنها تحكم بغير شرع الله تعالى. لتأتي الجماعات الإرهابية وتستخدم نفس المصطلح لتبرير انحرافها عن الطريق القويم فتقتل الأبرياء وتدمر الحضارات بدعوى أنه لا حكم إلا لله وأنه يجب تطبيق شرع الله في الأرض.

كما أن قولهم بأن الحكام الذين يجتهدون في سن القوانين التي تناسب الحال والحوادث كفار يعد فكرًا مغلوطًا بدليل إعطاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صحابته حق الاجتهاد والابتكار في زمان محدود البيئة والحركة والعلاقات، لحل المشكلات المختلفة. وأن مسألة الحاكمية بما أثارته من جدل ومشكلات ونزاع بين الطوائف كالخوارج وغلاة المكفرة في عصرنا هذا ممن أساءوا فهمها، وضعت في غير موضعها فتحولت من "حاكمية لله" إلى "حاكمية الجماعات والطوائف" التي نصبت نفسها وكيلًا عن الله فأسالت بذلك الدماء وأشعلت الفتن.

كذلك فإن الآية الكريمة التي يستندون عليها لتمرير تفسيرهم المغلوط للحاكمية وهي قول الله سبحانه وتعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}، إنما نزلت أصلا في اليهود، وأن الكفر في الآيات المذكورة لا يعني الخروج فالكفر في اللغة العربية له معان عديدة ومتغايرة. وأن بعض الصحابة لما فسروا هذه الآية منهم من قال: إنه كفر دون الكفر يعني ليس مخرجًا من الإسلام، ومنهم من قال إن هذه الآيات لا تخص المسلمين أصلًا وأقسم على ذلك قائلًا إنها في حق الأمم السابقة التي تنكرت لكتبها وشرعت من هواها أحكاما قالت إنها أحكام الله بل وأفضل!

أما فيما يخص "الجهاد"، واستدلالهم على فرضيته بقول الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}، فهذا النص إنما نزل في مشركي مكة، وأن الأمر بالقتال إنما كان في مجال رد الفعل ودفع العدوان الذي مارسه المشركون ضد رسول الله وضد أصحابه.

إن مرصد الأزهر دائم التأكيد على أن مسؤولية محاربة مثل هذه الأفكار المغلوطة المشوهة لصحيح الدين تقع على عاتق الجميع، ومنهم صناع الفن الذين نجحوا من خلال مسلسل "العائدون"، في تسليط الضوء على أحد الجوانب المظلمة لتنظيم داعش الإرهابي الذي عاث في الأرض فسادًا. ويمكن هنا القول بأنه إذا كانت المبالغة الدرامية في بعض الأوقات ضرورة وأداة من أدوات الفن لإيضاح صورة ما أو إيصال رسالة ما، لكن ما ورد في المسلسل من مشاهد وحشية نُفذت على أيدي الدواعش لم تكن مبالغة أو ضرورة درامية، بل هي واقع حدث بالفعل.. واقع ترجم سلوكيات وحشية مستندة على مفاهيم مغلوطة؛ لبث الرعب في قلوب الجميع حتى يتمكنوا من السيطرة والانتشار دون مواجهات تُذكر.

وحدة البحوث والدراسات


كلمات دالة:

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.