آخر الأخبار

 

01 أغسطس, 2022

"المناطق المحظورة" .. تهديد قائم في قلب أوروبا!!


     انتشرت في الآونة الأخيرة العديد من المخاوف لدى المواطنين في بعض الدول الأوروبية بالتزامن مع تفاقم أزمة اللاجئين، وعدم القدرة في كثير من الأحيان على استيعاب أعدادهم، ما أدى إلى ظهور ما يسمى بـ "المجتمعات الموازية" التي تشكلها أعداد المهاجرين الذين يشعرون بالتهميش ولم يتمكنوا من تقنين أوضاعهم في تلك البلدان، الأمر الذي أدى بطريقة أو بأخرى إلى عدم قدرتهم على الاندماج داخل تلك المجتمعات الأوروبية، وفي هذا الصدد نشرت صحيفة "لا جاثيتا" الإسبانية تقريرًا صحفيًّا حول وجود ما يسمى بـ"المناطق المحظورة" أو "غير الآمنة" (No-Go Zones)، وهي تلك الأحياء المنغلقة على سكانها والبعيدة عن الرقابة الأمنية، حيث بدأت في الانتشار على نطاق واسع في العديد من الدول الأوروبية الكبرى. 
واشتهرت هذه الأحياء، بشكل أو بآخر، بشيوع الجريمة والسرقة وانعدام الأمن فيها، فضلًا عن اتهام قاطنيها بالتشدد الديني الذي يصل إلى حد التطرف في بعض الأحيان، علمًا بأن هذه الظاهرة ليست وليدة عصرنا، بل هي قديمة وممتدة على مدار عقود من الزمان وترتبط غالبًا بازدياد نسبة المهمشين في المجتمعات، وعدم إيجاد حلول لمشاكلهم لكن سياسة بعض الدول تحظر الحديث عنها، بل إن بعض وسائل الإعلام تتجاهل ذكرها تمامًا، فضلًا عن بعض القادة البارزين الذين ينكرون وجود مشكلة كهذه من الأصل. 
وذكرت بعض التقارير أن هذه الأحياء تحولت بطبيعة الحال إلى أرض خصبة للتطرف، ومركز حيوي للإعدادات اللوجستية لبعض العمليات الإرهابية الأخيرة التي هزت أوروبا، فعلى سبيل المثال: حددت الداخلية الفرنسية في عام 2005م حوالي (150) "منطقة محظورة" في جميع أنحاء البلاد، حيث لا يمكن للشرطة دخولها دون تعزيزات أمنية مشددة، وفي عام 2006م وضعت الشرطة هناك (751) منطقة في قائمة المناطق المحظورة الواقعة على مشارف المدن التي غالبًا ما تتعرض قوات الأمن عند دخولها إلى اعتداءات، وتنشب نتيجة لذلك العديد من الاشتباكات، ومؤخرًا أخذت الصحف العالمية في تناول هذه الظاهرة وخاصة خلال الأسابيع الأخيرة؛ بسبب أعمال الشغب التي شهدها حي "سان دوني" بباريس، والذي أقيمت فيه مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا بين ليفربول وريال مدريد في مايو 2022م، حيث تسللت مجموعات من المهاجرين إلى الملعب؛ مما أدى إلى اندلاع حالة من الفوضى في محيط ملعب المباراة، كما تسببت أيضًا في إحداث الذعر بين السياح في نهاية المباراة.
وفي عام 2021م ‏بالسويد وقَّع أكثر من (3000) ضابط شرطة مذكرة إلى وزير الداخلية "ميكائيل دامبرغ" يطالبون فيها الحكومة بتوفير الحماية اللازمة لهم في تلك المناطق، ومع تفاقم هذه المشكلة اعترفت رئيسة الوزراء السويدية "ماجدالينا أندرسون" في عام 2022م بأن اندماج المهاجرين الذين يمثلون خمس سكان السويد قد فشل، الأمر الذي أدى إلى إنشاء "مجتمعات موازية" في إشارة منها إلى تلك المناطق المحظورة، كما أن هذه الظاهرة موجودة أيضًا في مدن مثل: لندن، وبروكسل، وحتى الولايات المتحدة. 
ومع تزايد المخاوف المترتبة على انتشار معدل الجريمة داخل هذه المناطق، وندرة التواجد الأمني؛ لجأ البعض إلى استخدام أحد التطبيقات الإلكترونية والذي أنشئ خصيصًا لتحذير الناس إذا كانوا في منطقة محظورة، وللتنبيه عليهم من احتمالية تعرضهم للسرقة أو أعمال عنف أو اعتداء جنسي؛ حتى يتمكنوا من اتخاذ الإجراءات اللازمة والابتعاد عن تلك المناطق في أسرع وقت ممكن. وقد حدث ذلك بالفعل في فرنسا، فوفقًا لبعض التقارير الصحفية الفرنسية، قررت مجموعة من الفرنسيين حماية أنفسهم ونسائهم من خلال إنشاء تطبيق يحذر سكان باريس عندما يكونون في منطقة مصنفة على أنها "محظورة" أو "غير آمنة"، حيث يُصدر هذا التطبيق تنبيهات حية عن عمليات السطو والعنف، والاعتداءات الجنسية التي من الممكن حدوثها حال المرور بتلك المناطق، وبالفعل قام مئات الفرنسيين بتنزيل هذا التطبيق، حتى وصل الأمر إلى أن أكثر من نصف سكان باريس -وخاصة النساء منهم- يستخدمون التطبيق بشكل عملي على هواتفهم لتجنب المناطق "المحظورة"، خوفًا من عنف من أسموهم "عصابات المهاجرين" في "مدينة النور". 
وأفاد التقرير أن هذه الظاهرة ليست ببعيدة عن إسبانيا، حيث أعلنت الأجهزة الأمنية الإسبانية في عام 2017م عن وجود أحياء كاملة في مدريد وبرشلونة وسبتة ومليلية ينتشر فيها أنماط متعددة من العنف والتطرف، والتي تُعرف بالمناطق المحظورة في بعض المدن الأوروبية الأخرى، وإن كانت لا تحمل نفس التسمية في إسبانيا، كما توجد أيضًا أحياء يسيطر عليها متشددون دينيًّا، فضلًا عن تلك الأحياء غير الآمنة التي يقطنها أعداد كبيرة من "الغجر" و"اليانكيز" وتجار المخدرات والدعارة والمدمنين، ولكن لا يمكن ‏الجزم في الوقت الراهن بكونها مناطق محظورة، نظرًا للوجود الأمني بها، وإن لم يكن كافيًا ‏لوقف تلك الممارسات المفروضة من جانب هؤلاء السكان، والتي تتعارض مع بعض القوانين ‏الإسبانية المعمول بها، وذكرت مصادر في الشرطة الإسبانية أن الوضع في إقليم قطلونية "خطير للغاية"، نظرًا لوجود العديد من الأماكن المعرضة لخطر التحول إلى مناطق شبيهة بتلك "المناطق المحظورة"، ووفقًا للتقرير فإن قلة المعلومات تجعل من المستحيل تقييم الوضع القائم في تلك المناطق بشكل دقيق.
ومع تزايد المخاوف أخذت وسائل الإعلام في ربط تلك الظاهرة بالبيانات المتعلقة بالهجرة في إسبانيا، غير أن العديد من التقارير والإحصائيات الرسمية في عدد من الدول الأوروبية من بينها إسبانيا، أكدت أنه في الفترة ما بين 2012م إلى 2020م لم يتضح وجود علاقة مباشرة بين زيادة معدل الجريمة في تلك البلدان وبين زيادة معدلات الهجرة واللجوء، مما يدلل على وجود أبعاد أخرى لتلك القضية.
ومن الشائعات والمغالطات -الأكثر شيوعًا- حول اللاجئين والمهاجرين، أن وجودهم أدى إلى زيادة في معدلات وقوع الجريمة، وقد أوضحت الشرطة في أكثر من مناسبة في دول أوروبية كثيرة من بينها ألمانيا أنه لا توجد علاقة بين الزيادة في عدد اللاجئين وزيادة معدلات الجريمة، فضلًا عن العديد من الدراسات الأوروبية والأمريكية وتصريحات المسؤولين الأمنيين، إذن فهذه العلاقة غير موجودة، وهذا الربط من باب الخلط والتشويه، وهو أمر مرفوض يؤثر سلبًا على فكرة الاندماج والتعايش والسلم الاجتماعي.
لذا يرى مرصد الأزهر لمكافحة التطرف ضرورة التصدي لتلك الظاهرة وحماية المجتمع من وجود بؤر تهدد استقراره، بما لا يضر بمصلحة المهاجرين واللاجئين، وبما لا يشوه صورتهم أو يؤثر سلبًا في حصولهم على حقوقهم الأساسية التي تكفلها القوانين والدساتير الدولية وتنص عليها المبادئ العامة لحقوق الإنسان. 
وينبه المرصد إلى عدم الانسياق وراء الدعوات التحريضية ضد المهاجرين التي تسعى إلى تشويه صورتهم؛ من خلال الربط بين ارتفاع معدل الجريمة ووقوع الهجمات الإرهابية، وبين تزايد أعداد اللاجئين والمهاجرين لحمايتهم وللحفاظ على استقرار المجتمع، مؤكدًا ضرورة مواصلة عمل الدول الأوروبية الدؤوب على إدماج هذه الشريحة في المجتمع، وإيجاد حلول سريعة وفعالة لمشاكلهم بوجه عام.

وحدة رصد اللغة الإسبانية 


الأبواب: اللاجئون

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.