آخر الأخبار

 

04 أغسطس, 2022

الإسلام والمسلمون في الصين بين الماضي والحاضر

     مع تزايد الإسلاموفوبيا في العالم تَبرُز نماذج مضيئة تدفع للتعايش؛ فبين القوميات والأعراق المختلفة تنشأ الروابط وتظهر فكرة التعايش، ومن نماذج التعايش التاريخية نموذج تعايش مسلمي الصين، فالناظر لتاريخ مسلمي الصين يرى بوضوح  دورهم المهم في تاريخ الصين سواء في تاريخها القديم أو الحديث، فقد لعبوا دورًا مهمًّا في نهضة الصين.

والمسلمون الصينيون هم مجموعة عرقية متميزة داخل المجتمع الصيني، وجزء أصيل من نسيج الشعب الصيني، وليسوا جالية قادمة من مكان آخر، كما يتميز المسلمون الصينيون بتنوعهم الثقافي والعِرقي، حيثُ يتشكّلون من 10 قوميات من أصل 56 قومية صينية، ويتحدثون لغات مختلفة، ولديهم عادات وتقاليد متنوعة، وأكبر هذه القوميات هي قومية "الهِوي" حيثُ يبلغ تِعدادها الرسمي 12 مليون مسلم، وتليها قومية "الأويغور" بتِعداد يصل إلى 11 مليون مسلم وفقًا لإحصائية عام 2020، ويتراوح تِعداد باقي القوميات بين عدة إلى مئات الآلاف.

كانت الصين تُحكم من أسرة تانغ الإمبراطورية، وهي إحدى الأسر التي حكمت الصين منذ عام 618م إلى عام 907م مع بداية ظهور الإسلام في القرن السادس الميلادي، في الوقت الذي شهدت فيه الصين انفتاحًا ثقافيًّا واضحًا، وكان الإسلام في بداية عهده وفتوحاته ذا أثر محدود على الإمبراطورية والشعب الصيني.
 وبالرغم من وجود الإسلام في الصين منذ أسرة "تانغ" والتي تسبق أسرة "يوان" بمئات السنين، فإن الوجود الإسلامي ظهر جليًّا في عهد أسرة "يوان" Yuán؛ حيثُ حظي المسلمون بالرعاية والاهتمام والحماية من حكامها وأباطرتها، وبلغ المسلمون مكانة كبيرة في تلك الحِقبة من الزمن وتشكلت أوائل القوميات الصينية المسلمة.

 

نشأة قومية هوي

تُعد نشأة قومية "هِوي" المسلمة إحدى أهم النتائج لحكم أسرة "يوان" (1271-1368)، كما تعد دليلًا قويًّا على انتشار الإسلام في الصين واندماجه التدريجي، حيث تميز أبناء تلك القومية بالقدرة على الاندماج مع أبناء الشعب الصيني من قومية "الهان" والتي كانت تمثل أغلبية بين أبناء الشعب الصيني، كما تميزوا عن باقي أبناء القوميات المسلمة بتحدثهم اللغة الصينية وهي لغة قومية الهان، فضلًا عن اشتراكهم مع الهان في الكثير من العادات والتقاليد، لكن لم تتبلور هذه القومية ويُطلق عليها قومية "هِوي"، إلا في عهد أسرة "مينغ" Ming  (1368م إلى 1644م)، والتي أعقبت أسرة يوان في الحكم.

وأدى وصول عدد كبير من المسلمين من بلدان آسيا الوسطى إلى الصين واحتضان أسرة يوان لهم إلى اعتناق عدد من قادة أسرة يوان الإسلام، مما جعلهم يقلدون المسلمين المناصب المرموقة في البلاط الإمبراطوري، ويُنشئون العديد من الإدارات الخاصة للمسلمين الصينيين، مثل: مركز الإشراف على الشئون الدينية، وديوان شئون المسلمين، ودار محفوظات المسلمين.

أثر المسلمين العلمي في التاريخ الصيني

لقد استطاعت الإمبراطورية الصينية وخاصة أسرة يوان نقل علوم كثيرة إليها من الحضارة الإسلامية والاستفادة منها؛ حيث كان العالم الإسلامي آنذاك يشهد ازدهارًا في مختلف العلوم، ومن أبرز العلوم التي استفادت منها الحضارة الصينية من الحضارة الإسلامية هي: علوم الفلك والرياضيات، كما نقل الصينيون المراصد العربية، مما ساعد في وضع التقويم الصيني، واعتمد الصينيون على التقويم العربي منذ عهد أسرة يوان وانتهاءً بعهد أسرة "مينغ"، ولم يكن هناك أيَّ  تقويم أدق منه قبل تبني التقويم الغربي. 
ويظل الرحَّالة المسلم (تشينغ خه) zheng he (1371م-1433م) أبرز الأمثلة على دور المسلمين في نهضة الصين والتي ما زالت الحكومة الصينية إلى الآن تستخدم اسمه كشعار ورمز للدمج بين الأقليات الصينية ولإنجازات الصين البحرية، وتفتخر به وتحتفل به كل عام، كما أنه واحد من أشهر الرحَّالة الصينيين؛ حيث سافر بأمر من إمبراطور الصين مبحرًا من الصين في سبع رحلات شهيرة ليطوف العديد من دول العالم، ابتداءًا من الهند وماليزيا وإندونيسيا وشرق إفريقيا، حتى وصل إلى جزيرة العرب ليكون سفيرًا للصين ليُقيم علاقات اقتصادية وسياسية؛ مما جعل الصين واحدة من أهم مراكز العالم في ذلك الوقت.

مسلمو الصين والحاضر

بعد مئات السنين من دخول الإسلام الصين أصبح مسلمو الصين جزءًا لا يتجزأ من تكوين المجتمع الصيني الحديث، وكان بدء التشكيل الجغرافي الحديث لها على يد مؤسسها الزعيم (ماو تسي دونغ) عام 1949م، فقد دخل ضمن الحدود الصينية مدن وأقاليم يسكنها ملايين المسلمين، وأصبح اهتمام الدولة الصينية بالشئون الدينية أمرًا مهمًّا، وخاصة أُمور المسلمين الذين يُمثلون أغلبية في عدد من الأقاليم الصينية.

وبدأت الصين في تشكيل المجتمع وتحديد قومياته وأعراقه والتي انقسمت إلى 56 قومية، حظي الإسلام فيها على 10 قوميات هم: "الهِوي، والأويغور، والأوزبك، والطاجيك، والتتار، والسلار، ودونغ شيانغ، وباو آن، والقرغيز، والقازاق".

عرفت الصين قبل عام 1949م العديد من الجمعيات اللاتي أنشأها المسلمون الصينيون؛ لتوحيد المسلمين فِكريًّا وعقائديًّا، وتوعيتهم بالمبادئ الإسلامية، لكن اقتصر دور هذه الجمعيات على أعمال التربية الدينية، والقيام بالأنشطة الخيرية لمساعدة الفقراء، وإصدار الكتب والمجلات المتخصصة لنشر المعارف الإسلامية.

وفور تأسيس الدولة الصينية الحديثة أُنشئت هيئة واحدة تُمثل المسلمين الصينيين، وأُلغيت الجمعيات والهيئات الأخرى كافة، وأُطلق عليها اسم "الجمعية الإسلامية الصينية" تحت إشراف كامل من الدولة، وذلك في مايو 1953م، وانتُخب الشيخ (برهان الدين باو أر خان) رئيسًا لها، كما أُنشئ للجمعية العديد من الأفرع في المقاطعات والمدن الصينية، وأُوكلت إليها مسئولية تنظيم وإدارة شئون المسلمين، وأُعلن أن عليها القيام بدور الجسر الرابط بين الحكومة الصينية والمسلمين، وتمثيل المصالح الشرعية لجميع المسلمين من مختلف القوميات في كل البلاد.

العمارة الإسلامية في الصين

كعادة العديد من نماذج العمارة الإسلامية في العالم امتزجت العمارة الإسلامية في الصين بالبيئة الصينية وشكل العمارة الصينية التقليدية، ومنها من تأثر بالعمارة العربية، وتحتضن الصين العديد من أشكال العمارة الإسلامية، أهم تلك العمائر:

1- مسجد نِيُوجِيه:

يُعد مسجد "نِيُوجِيه"  niu jie أكبر المساجد في شمالي الصين وأعرقها، وذلك بالرغم من كثرة الآثار والمساجد التاريخية في الصين والعاصمة بكين، يقع المسجد في أشهر شوارع بكين وهو شارع نيوجيه، والذي يتميز بالتنوع العرقي، فيقطنه أبناء العديد من القوميات الصينية المختلفة، وبحسب السجلات التاريخية هو المسجد الأقدم في بكين، حيث تم بناؤه عام 996م.

Image

 

2. مسجد هوايشينغ:

وهو من المساجد الشهيرة في الصين أيضًا ويقع في مدينة "قوانغتشو"     Guǎngzhōu ويعد أول مسجد معروف ظهر للوجود في الصين، وبالرغم من عدم وجود أدلة على وقت بناء "مسجد هوايشنغ "بالتحديد، فإن الكثير يرجع بناءه إلى الفترات الأولى من التواصل مع العالم الإسلامي، سواء في إطار البعثة المرسلة من الخليفة الراشد عثمان بن عفان أو بعدها بقليل، حين بدأت الفتوحات الإسلامية تصل إلى الشرق، وتظل منارة المسجد هي إحدى أكبر رموزه، فتبلغ ارتفاع مئذنته ما يقارب (36) مترًا.

 

 

Image

 

3. مسجد عيد كاه:

وهو من المساجد التاريخية في الصين، ويقع في مدينة شينجيانغ أقصى غرب الصين وتحديدًا في مدينة كاشغر، وكلمة "عيد كاه" تحمل تركيب عربي فارسي ويعني مكان الاجتماع، وتبلغ مساحته أكثر من سبعة عشر ألف متر مربع، ويعود تاريخه لأكثر من خمسمائة عام حيث تأسس في عام 1442م، ويتميز المسجد بعمارته الفريدة التي تجسد الأثر التاريخي لمسلمي الصين.

 

 

Image

 

4. مسجد "نانداسي":

يقع مسجد "نانداسي"nandasi  في مدينة جينان، بمقاطعة شاندونغ والتي تعني باللغة الصينية "المسجد الجنوبي الكبير"، ويعد أقدم مساجد جينان، فقد بني في فترة أسرة يوان (1271م- 1368م)، لكنه انتقل بعد فترة من بنائه إلى موقعه الحالي في عام 1295م، وقد حصل له توسع في فترة أسرة مينغ (1368م- 1644م) وتبلغ مساحته الحالية 1200 متر مربع، ويوجد بالمسجد العديد من النصب التاريخية، ويتميز المسجد بوجوده بمقاطعة شاندونغ والتي تُعد مهد كونفوشيوس، مما يجعل المسجد مثالًا واضحًا لاندماج الإسلام مع الثقافة الصينية التقليدية.

 

 

Image

 

5: مسجد دونغوان Dōngguān

 يقع في مدينة شينينغ  القديمة   Xīníng  ، وترجح المصادر التاريخية أن بناءه يعود إلى أوائل عهد أسرة مينغ، وقد أعيد بناؤه عدة مرات كان آخرها 1979م، ويعد أحد أكبر مساجد الصين، ويسع لأكثر من 3000 مصل.

Image

وإن كانت هذه المساجد ما هي إلا نماذج قليلة للعديد من العمارة الإسلامية في الصين حيث تمتلك الصين العديد من الزخارف والعمائر الإسلامية المنتشرة في ربوع الصين والتي تشير إلى خطوات الإسلام عبر العصور.

وحدة الرصد باللغة الصينية

 

 


رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.