آخر الأخبار

 

20 سبتمبر, 2022

ظاهرة الانتحار: الدوافع والأضرار

      شهدنا في الفترات الأخيرة تكرار حوادث الانتحار بوسائل وطرق متعددة. ويتصور من يقوم بذلك الفعل أن الموت هو الحل الأمثل والأوحد للخلاص مما يعانيه من مشكلات شخصية أو حياتية. وسنتعرف عبر السطور التالية على بعض الأسباب والدوافع التي تجعل البعض لا يعبأ بنعمة الحياة ويفضل إنهاء حياته، وسبل الوقاية من تلك الأفكار الانتحارية، وكيف حرصت الشريعة الإسلامية على حفظ النفس البشرية وصيانتها مما يهددها من أخطار وأضرار.

إن نظرة بسيطة على الأخبار المتعلقة بحوادث الانتحار، سوف تكشف كثيرًا من الأسباب التي قد تدفع بعض أفراد المجتمع إلى الانتحار من أبرزها:

-المشكلات الاجتماعية والأسرية:

من المؤسف أن الكثير من حالات الانتحار وقعت بسبب ضغوط ومشكلات اجتماعية ناتجة عن اختلال النظام الأسري في التعامل مع الأبناء، بداية من الشدة في التعامل واستخدام العنف والصرامة في إرشادهم، وممارسة أساليب الضغط عليهم في المراحل التعليمية المختلفة، دون الأخذ في الاعتبار اختلاف درجة استيعاب كل طالب، الأمر الذي قد يأتي بنتائج عكسية خطيرة؛ من انعدام الثقة بالنفس والاكتئاب، والإحباط القاتل الذي قد يدفع به إلى الانتحار؛ خوفًا من الرسوب أو الفشل. وقد كشفت دراسة أعدتها "أمانة الصحة النفسية وعلاج الإدمان بوزارة الصحة والسكان": أن نسبة (29.2%) من طلاب المرحلة الثانوية يعانون من مشكلات نفسية، و(21.7%) منهم يفكرون بالانتحار.

والأسرة باعتبارها نواة المجتمع والمؤسسة التربوية الأولى للفرد، فإن الوالدين وأولياء الأمور يتحملون المسؤولية الأكبر في تقديم الدعم المعنوي والنفسي لأبنائهم وذويهم، وعليهم أن يبحثوا عن مواهب وقدرات أخرى يتقنها المتعثرون دراسيًّا دون أن يجعلوا رسوبهم وصمة عار تلحق بالأسرة. فالتعسف، والمعاملة السيئة، وفرض القرار، والعنف في التوجيه ليس من الحكمة ولا يمثل حلًّا لمشكلة. وقد قال (صلى الله عليه وسلم): "لم يدخل الرِّفْقَ في شَيءٍ إلَّا زانَهُ، ولم يُنْزَعُ مِن شَيءٍ إلَّا شانَهُ".  

-الابتزاز الإلكتروني:

تسبب الابتزاز الإلكتروني وخاصة للفتيات خلال السنوات الماضية، في وقوع بعض حالات الانتحار، حيث يتم تهديد الضحية بنشر صور، أو مقاطع فيديو، أو تسريب بيانات شخصية أو معلومات خاصة بها؛ من أجل الحصول على مكاسب مادية أو إجبار الضحية على القيام بأعمال منافية للقيم والأخلاق، مما يدفع الفتاة إلى اعتبار أن الانتحار هو المخرج الوحيد من هذه الأزمة.

وقد نهى الإسلام عن التشهير بالناس والنيل من سمعتهم وكرامتهم، واستحلال أموالهم بغير حق، يقول الله تبارك وتعالى عن تتبع العورات والتجسس على الناس:" {وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات، ١٢].  وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم". كما نؤكد أيضًا أن الانتحار ليس حلًّا لمثل هذه المشاكل؛ وإنما يجب على من يقع ضحية للابتزاز أن يتحلى بالشجاعة في الوقوف ضد هذا العمل الإجرامي، وإشراك الأسرة، وتجاهل التهديدات. كما يجب على الأسرة وخصوصًا الأب والأم التصرف بحكمة وعقلانية مع بناتهن وعدم توجيه عبارات اللوم والتجريح لهن، بل عليهم اتباع التصرف القانوني المناسب وتقديم هذا المبتز للعدالة، وفتح آفاق الحوار مع بناتهن وردم الفجوة بينهم.

-غياب الوازع الديني والأخلاقي:

ضعف الوازع الديني والتردي الأخلاقي من أهم أسباب الانتحار الناتج عن اليأس والقنوط والجزع، والمؤمن يدرك تمام الإدراك أن الحياة مزيج من الخير والشر، واليسر والعسر، فحين تواجهه عقبة من عقبات الحياة، فإنه يحاول التغلب عليها بسلاح الصبر على الشدائد وتحمل المكاره؛ لإيمانه بأن عِظم الجزاء مع عظم البلاء، ويدرك أيضًا أن أنبياء الله ابتلوا وتعرضوا للمحن والصعاب فصبروا، وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى، لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فصبر". وجميع الأديان تجرم الانتحار وتحرمه، ويُعد التزام معتنقيها بالتعاليم الدينية سياجًا منيعًا، وحصنًا حصينًا يحول بينهم وبين قتل أنفسهم واستعجال الموت.

إضافة إلى ما سبق، هناك أسباب أخرى للانتحار -إلى جانب الأسباب السابقة- كالظروف المعيشية الصعبة، وفقدان الأحباب، والاضطرابات النفسية وغيرها، ولكن يجب على الإنسان مواجهة هذه الأسباب والبحث عن حلول لها متحليًّا بالإيمان والصبر، فنكبة الإنسانية في قاتل نفسه أكبر من نكبتها في قاتل غيره، فرغم أن كلاهما قاتل للنفس التي حرمها الله، فإن قاتل غيره قتله ليحيا، وقاتل نفسه قتلها ليموت [الشيخ محمود شلتوت، الفتاوى، ص420].

-كيف حرصت الشريعة الإسلامية على صيانة النفس البشرية؟

لقد خلق الله الإنسان، وشرع له كل ما يضمن سلامته والإبقاء على حياته من مأكل ومشرب وغيره، بل أباح له المحرمات حال الخوف على هلاكه، فقال تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [سورة البقرة، 173] وجعل من امتنع عن تناولها عند الضرورة فمات دخل النار؛ لأنه أعان على نفسه [السيوطي، الدر المنثور في التفسير المأثور، ص308]. كما نهى الإسلام حتى عن مجرد تمني الموت لضر أصاب المرء أو بلاء نزل به؛ لأن هذا يُعد يأسًا من رحمة الله، فعن أنس بن مالك (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا، فليقل: اللهم أحييني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي".

 كما أمر الإنسان بالحفاظ على صحته النفسية والجسدية، فإذا حلَّ مرض أو وباء بأرض لا يصح له أن يدخلها، وإذا مرض ولم يجد تداويًا إلا بمحرم حلَّ له، وقد أفتى الأزهر الشريف بأن الخنزير رغم نجاسته، يجوز التداوي بجزء من أجزائه، بشرط أن تدعو الضرورة إلى ذلك، وألا يوجد ما يقوم مقامه من الطاهرات. وقد حدث في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن الصحابة كانوا يأخذون بالرخصة خوفًا على أنفسهم، كالصحابي الجليل عمرو بن العاص الذي تيمم عندما اشتد البرد وكان واجبًا عليه الغسل، وعندما سأله النبي، أخبره بخوفه على نفسه، وقال: "إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا [ابن القيم، زاد المعاد، ج3، ص342]. فالإنسان جُبل على حب نفسه وعلى رغبته في استمرار وجوده وحياته، وهذا ما جعل حتى تفوهه بكلمة الكفر لدفع الخطر عن نفسه لا يخرجه من الملة، كما فعل الصحابي الجليل "عمار بن ياسر" الذي خشي على نفسه، فكفر بلسانه مكرهًا غير طائع، ولم يغضب منه النبي، بل قال له: "إِنْ عَادُوا فَعُدْ"، وقال تعالى فيه: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل، 106].

هل يعد المنتحر كافرًا؟

لقد حذر الرسول (صلى الله عليه وسلم) من قتل النفس تحذيرًا شديدًا وأخبر أن من قتل نفسه فجزاؤه الخلود في النار. فعن أبي هريرة (رضى الله عنه) قال: قال رسول الله (ﷺ):" من قتل نفسه بحديدة؛ فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن شرب سما فقتل نفسه؛ فهو يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه؛ فهو يتردى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدا" [رواه مسلم]. وهذا الوعيد لمن قتل نفسه مستحلًّا لذلك مع علمه بالتحريم وهو في كامل قواه العقلية والنفسية، ولا بد من التسليم بأن العذاب في الآخرة إنما هو بمشيئة الله تبارك وتعالى، فإن شاء غفر وإن شاء عذب. وقد دعا النبي (صلى الله عليه وسلم) بالمغفرة لشخص مرض وجزع فقتل نفسه وذلك فيما رواه الإمام مسلم أيضًا عن جابر (رضي الله عنه) أنه لما هاجر النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة، هاجر إليه الطفيل بن عمرو الدوسي، وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا المدينة (أي: كرهوا المقام بها)، فمرض، فجزع فأخذ مشاقص له (نوع من السهام عريضة النصل)، فقطع بها براجمه (مفاصل أصابعه)، فشخبت يداه (سال دمهما بقوة) حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئته حسنة، ورآه مغطيًا يديه، فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه (صلى الله عليه وسلم) فقال: ما لي أراك مغطيًا يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت. فقصها الطفيل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):" اللهم وليديه فاغفر". [رواه مسلم في باب الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر]، وقد علق الإمام النووي (رحمه الله تعالى) على هذا الحديث بقوله: "أما أحكام الحديث ففيه حجة عظيمة لقاعدة عظيمة لأهل السنة أن من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها، ومات من غير توبة فليس بكافر، ولا يقطع له بالنار، بل في حكم المشيئة". يقول الله تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48] ويقول تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 116].

هذا، ويؤكد مرصد الازهر على أن الانتحار جريمة إنسانية يرتكبها الإنسان في حق نفسه وأهله، وأنه مهما كانت المشكلات والصعوبات فعلى الإنسان أن يتحلى بالشجاعة في مواجهتها، ولا مانع من زيارة المختصين عند الشعور بأي اضطراب نفسي، وعلى الآباء أن يكونوا أكثر حرصًا في التعامل مع مشكلات أبنائهم، فبموتهم يخسر المجتمع طاقة من طاقاته البشرية التي يمكن أن تكون أداة بناء تسهم في تقدم بلادهم ورفعة أوطانهم. وكما قال الشيخ شلتوت، شيخ الأزهر(1958- 1963): "وعلى المُصلحين أن يتكاتفوا بكل ما يَرَوْنَ مِن وسائلَ على تطهير الإنسانية في أيِّ مجتمع كان، ديني أو غير ديني، من هذه الجرثومة التي تحملُ في صُورتها ومعناها سقوط الإنسان مِن رُتبة التكريم ومقام الخلافة التي وُضِعَ فيها منذُ خُلِقَ وكُوِّنَ".[الشيخ محمود شلتوت، الفتاوى، ص420].

 

وحدة الرصد باللغة الفارسية


رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.