آخر الأخبار

 

15 نوفمبر, 2022

إسبانيا ومواجهة التهديدات الأمنية المحتملة من منطقة الساحل الإفريقي

     تنشط التنظيمات المتطرفة بشكل كبير في المناطق التي تعاني اضطرابات أمنية وعدم استقرار، وهو ما يُفسر بشكل عام، زيادة الأنشطة الإرهابية للتنظيمات المتطرفة في منطقة الساحل الإفريقي عن غيرها من المناطق الأخرى من العالم، حيث تستغل تلك التنظيمات حالة الفوضى وعدم الاستقرار السياسي ببعض دول المنطقة؛ التي تعتبر بوابة العبور إلى القارة العجوز.
وقد أثرت هذه الاضطرابات سلبًا على المنطقة، وأربكت حساباتها وأولوياتها على المستويات كافة، بسبب التنظيمات الإرهابية وعملياتها التي أودت بحياة آلاف المواطنين الأبرياء، وتشريد أكثر من ثلاثة ملايين شخص -طبقًا لما ذكرته جريدة "إل باييس" الإسبانية- الأمر الذي تَسبَّب في وقوع كارثة إنسانية بالمنطقة. وقد ساهمت عواملُ أخرى في تفاقم هذه المشكلة الضخمة، منها الحروب الأهلية، وتدفُّق التنظيمات الإرهابية للمنطقة عبر حدودها الهشة، إضافة إلى تجارة الأسلحة والمخدرات والاتجار بالبشر.
كما أدى تطور أنشطة تلك التنظيمات المتطرفة، وتكثيف هجماتها الإرهابية، وحركات الهجرة العشوائية إلى تفاقم الوضع الإقليمي، وإضعاف بعض حكومات دول تلك المنطقة بصورة أكبر، الأمر الذي يُلقي بظلاله على الأمن القومي في هذه المنطقة وفي الأقاليم المجاورة وخاصة الأمن القومي الإسباني. لذلك سارعت السلطات الإسبانية إلى تعزيز إجراءاتها الأمنية وخاصة على الحدود لمواجهة تلك التهديدات الإرهابية المحتملة، والعمل على الحد من الهجرات القادمة إليها من تلك المنطقة، من خلال الإسهام بـ(٥٠٠) جندي إضافي لتعزيز قواتها العسكرية في مالي، الأمر الذي جعل إسبانيا أكبر الدول إسهامًا بقوات عسكرية في تلك المنطقة.
في الوقت نفسه، أبدَت إسبانيا استعدادها التام للإسهام في نشر المزيد من قواتها العسكرية داخل المنطقة، فضلًا عن مشاركتها في جميع البعثات المدنية والعسكرية للاتحاد الأوروبي في المنطقة، والذي يُظهر مدى أهمية منطقة الساحل في أجندة الدولة الإسبانية، سعيًا إلى حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية معًا.
من ناحية أخرى، عادت الخلايا النائمة بالمنطقة لنشاطاتها الإرهابية، لكن الأجهزة الأمنية هناك نجحت -إلى حد ما-في إحباط بعضها. ولكن ضعف الاستقرار الداخلي في تلك المنطقة، أدى إلى سهولة تنقل تلك الخلايا الإرهابية، التي يَدين معظمها بالولاء لتنظيمي "داعش" و"القاعدة". كما لم يتوقف قادة التنظيمات الإرهابية عند هذا الحد فقط، بل ذهبوا إلى ما هو أبعد من ذلك، من خلال انتهاج إستراتيجية توسعية تكمن في كسب المزيد من الأراضي، لفرض نفوذهم وسيطرتهم على تلك المنطقة، وذلك لضمان السيطرة على الحدود الجنوبية للقارة الأوروبية، محاولين بذلك الهروب إلى القارة العجوز عبر بوابة إسبانيا الجنوبية، والتي تعد نقطة الانطلاق إلى أوروبا للمهاجرين من دول شمال المغرب العربي ودول الساحل الإفريقي. وهو الأمر الذي جعل بعض الدول الأوروبية تشعر بالقلق من تهديد أمنها، ما دفع إسبانيا -على سبيل المثال- إلى اتخاذ حزمة من الإجراءات الأمنية اللازمة، لحماية حدودها وأمنها الإستراتيجي، ومنها تقديم الدعم للقوات الحكومية في تلك المنطقة، وتشديد إجراءات استقبال اللاجئين القادمين من هناك.‏
كما تسعى إسبانيا لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسة، في محاولة للتصدي لأجندة التنظيمات الإرهابية التوسعية داخل الإقليم: على رأسها تحقيق الاستقرار في مناطق الصراع –لا سيما مالي- في الوقت الذي تدرس فيه بعض الدول سحب قواتها العسكرية من البلاد. كذلك مكافحة شبكات التهريب غير المشروعة المنتشرة ‏في جميع أنحاء المنطقة؛ وأخيرًا التحرك الفوري من جانب حكومات الدول بالمنطقة لتنظيم الهجرات القادمة إليها.
ولعل ما يؤكد إدراك إسبانيا لخطورة تلك المنطقة والتهديدات الأمنية المحتملة القادمة منها، مطالبة وزير الشئون الخارجية والتعاون الإسباني "خوسيه مانويل ألباريس" حلف الناتو بضرورة تأمين الحدود الجنوبية الأوروبية، وتعزيز القوات العسكرية فيها، تحسُّبًا لأية تهديدات إرهابية محتملة على القارة العجوز، وكذا الاهتمام بتدريب قوات الشرطة على كيفية التصدي للتهديدات الإرهابية، بهدف السيطرة على الأمور، وتحقيق الاستقرار داخل المنطقة، وعدم تفاقم الأوضاع أكثر من ذلك، والحفاظ على حياة المواطنين الأبرياء، فضلًا عن فرض التدابير الأمنية اللازمة للسيطرة على تدفق المهاجرين واللاجئين، الذين يصلون إلى تلك المنطقة بطريقة أو بأخرى.
وتكمن أهمية تلك المنطقة الجغرافية، باعتبارها محطة رئيسة لعبور أعداد كبيرة من المهاجرين إلى القارة العجوز، لذلك تعد مطمعًا للكثير من المهاجرين، للتسلل والهرب منها إلى إسبانيا، سواء للبحث عن فرصة عمل ومحاولة الاندماج في البلاد، أو للسفر إلى دولة أوروبية أخرى، لذلك نجد أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن منطقة الساحل يمكن أن تشكل بؤرة مكتملة للتنظيمات الإرهابية، وعليه فمن الضروري سرعة تطوير إستراتيجية جديدة لمواجهة الانتشار المتزايد للتنظيمات الإرهابية العنيفة في جميع البلاد، إضافة إلى المجموعات المسلحة المنتشرة في بوركينا فاسو والنيجر، وكذا تصاعد حدة الهجمات الإرهابية في مالي.
أخيرًا لا تفوتنا الإشارة إلى ضرورة تكاتف حكومات دول المنطقة والتعاون مع إسبانيا؛ لمواجهة تلك التنظيمات الإرهابية ومكافحة تمددها، إضافة إلى فرض الرقابة المشددة عليها، لعدم تمكينها من التوسع واكتساب المزيد من الأراضي، والعمل على تعزيز القدرات الأمنية والعسكرية لدول تلك المنطقة، وتدريبها على التصدي لتلك الهجمات العنيفة، لمنع تفاقم الأوضاع، ولتفادي تبعات انتقالها إلى دول أخرى في إفريقيا. كما ننبه على أهمية التعاون بين الأجهزة الأمنية العاملة في تلك المنطقة، وتبادل المعلومات والخبرات، وتوفير التقنيات الحديثة؛ لتحقيق أفضل النتائج في الوقاية من خطر هذا التطرف المستشري، مع الوضع في الاعتبار الجانب التوعوي للمجتمع، بما يخدم حسن استقبال اللاجئين، وعدم وصمهم بالإرهاب، أو تحويلهم إلى ضحية تدفع فاتورة تطرف منطقتهم وعدم استقرارها، وأن يكون التعامل معهم من منظور إنساني.

وحدة رصد اللغة الإسبانية


الأبواب: قضايا أخرى

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.