آخر الأخبار

 

15 يناير, 2023

التنمر بين طلاب المدارس .. نواة للتطرَّف

يُعدُّ التنمر المدرسي أحد الظواهر الاجتماعية القديمة، لكن البعض قد يشعر بحداثة الظاهرة نظرًا لأنها لم تحظ بالاهتمام البحثي إلا في سبعينيات القرن الماضي؛ حيث انصب تركيز أغلب تلك الدراسات على بعض مدارس الدول الإسكندنافية، لكن سرعان ما حظي التنمر المدرسي بانتباه العديد من دول العالم مطلع الثمانينيات، الأمر الذي دفع المختصين إلى تتبع الظاهرة ومعرفة أسبابها ووضع الحلول وخطط التصدي للمشكلة.

التنمر مشكلة عالمية تنتشر في المؤسسات التعليمية:

يعرف النرويجي دان ألويس (Dan Olweus)  التنمر المدرسي بـ:" أفعال سلبية متعمدة من جانب طفل أو مجموعة من الأطفال ضد طفل آخر، تتم بصورة متكررة وطوال الوقت، وقد تأخذ أشكالًا جسدية أو لفظية أو نفسية بقصد وتعمد عزله من المجموعة".

والواقع أن ظاهرة التنمر المدرسي لا ترتبط بمجتمع بعينه أو ثقافة دون غيرها، أو حيز جغرافي محدد، بل هي عالمية وقد تقع في أي مؤسسة تعليمية، ولكن التباين في مستوى الظاهرة يتوقف على عدد من العوامل، منها ما هو متعلق بنوع المدرسة وحجمها وعدد أفرادها، ومناخ التعليم، وموقف المدرسين وإدارة المدرسة، وأعمار الطلاب وسماتهم الشخصية، والاتجاه نحو العنف، والعلاقات الأسرية والاجتماعية للطلاب.

ووفق تقرير منظمة الصحة العالمية، يعدّ التنمر المدرسي أحد أكثر أنواع العنف انتشارًا في المجتمعات؛ حيث تجاوزت هذه الظاهرة جميع الحدود، ما أدى إلى نتائج خطيرة، بلغت حد القتل في بعض الأحيان، كما تشير الإحصاءات العالمية إلى أن عدد حالات القتل بين المراهقين نتيجة للتنمر بلغ (199) حالة خلال عام 2000م. (هناء، 2018م).

وفي السنوات الأخيرة، تنامت ظاهرة التنمر وبرزت بشكل كبير على السطح. وبدأت تسترعي انتباه دول ومنظمات دولية عدة. ووفقًا لإحصائيات صادرة عن منظمة اليونسكو بـ 2019، فإن تعدادا يُقدر بربع مليار طفل يتعرضون للتنمر سنويًّا حول العالم.

كما أظهرت دراسة تم إجراؤها على عدد 19 دولة نسبًا مُذهلة تشير إلى أن عدد 34% من الطلاب قد تعرضوا للمعاملة القاسية، وأن نسبة 8% يتعرضون لممارسات عنيفة يوميًّا في مدارسهم.

وفيما يتعلق بالدولة المصرية، أظهرت بيانات تابعة لمنظمة اليونيسيف 2019، أن نسبة 70% من أطفال مصر يتعرضون للتنمر من قِبَل زملائهم في المدارس. علاوة على ذلك، أن تنامي ظاهرة التنمر بدأ يتخذ منحنى أكثر حدة ويخرج عن جدران المدارس وبين الطلاب والأطفال، حتى يصبح بمثابة ظاهرة تبرز على السطح في المجتمع المصري ما بين الحين والآخر، وباتت مشاهد مقاطع الفيديو المصورة التي تروج لحوادث تنمر جزءًا لا يتجزأ من حياة المصريين في الآونة الأخيرة.

وبناءً عليه، أدركت الدولة أنه ينبغي التحرك بشكل جدي لوقف سيل ظاهرة التنمر، واعتمدت في طريقها على وسيلتين رادعتين، هما: الردع بالقانون، والردع من خلال الوعي والتربية والتعليم. ( المرصد المصري، 2020)

أشكال التنمر في مؤسسات التعليم:

  1. التنمر البدني: ويقصد به إيذاء الآخرين جسديًّا، ويأخذ عدة صور منها: الصفع، والضرب الشديد، والخدش، والبصق، ويلاحظ اختلاف التنمر البدني باختلاف النوع، إذ يعد أقل شيوعًا بين الإناث عن الذكور.
  2. التنمر اللفظي: ويعد من أكثر أشكال التنمر شيوعًا في جميع المراحل التعليمية، ويتمثل في إيذاء الآخرين لفظيًّا، ويأخذ عدة صور منها: السخرية، والانتقاد القاسي، والتشهير، والابتزاز، وإطلاق بعض الألقاب التي يكرهها الشخص على أساس الجنس أو العرق، أو الدين، أو الطبقة الاجتماعية أو الإعاقة.
  3. التنمر الانفعالي: ويطلق عليه أيضًا التنمر العاطفي، ويقصد به إيذاء الآخرين انفعاليًّا وإثارة غضبهم بالتقليل من شأنهم، ودرجة إحساسهم بذواتهم وثقتهم بأنفسهم، ويأخذ عدة صور منها: التجاهل، والعزلة، والعبوس، واستخدام لغة الجسد العدوانية، والازدراء.

وتختلف أشكال التنمر المدرسي ونسبه بين الجنسين؛ حيث ينتشر بشكل أكبر بين الذكور مقارنة بالإناث. ناهيك عن اختلاف مظاهر التنمر بين الذكور والإناث؛ حيث يغلب التنمر الجسدي بين الذكور، في حين يسود التنمر العاطفي بين الإناث.

الآثار المستقبلية للتنمر المدرسي:

  1. صعوبة تكوين صداقات حقيقية في وقت لاحق في الحياة.
  2.  ضعف فرص نجاح الحياة والعيش مع شريك الحياة لمدة طويلة، وبالتالي إمكانية ارتفاع عدد حالات الطلاق بين ضحايا التنمّر.
  3. صعوبة التحصيل العلمي والحياة الأكاديمية بشكل عام.
  4. قد يؤثر التنمر على الصحة العقلية للضحية في المستقبل، خاصة أنه يصاحبه أعراض مثل: زيادة القلق، والاكتئاب، والتفكير بطريقة غير منطقية، وضعف الثقة بالنفس.
  5. التنمر من العوامل التي تحفّز على التطرف والعنف؛ حيث يكون الضحية من أكثر الشخصيات عُرضة للانخراط في الفكر المتطرف والسلوكيات العنيفة وإن كان ذلك باعتقاد أنه يثأر لنفسه ويقتص من المتنمرين عليه.

ونظرًا لأهمية هذه الظاهرة وتأثيرها المباشر على الأمن والاستقرار الاجتماعي وارتباطها بخلق أجيال من المتطرفين، كان من المهم أن نعرض بعض التوصيات التي يمكن من خلالها الحدُّ من ظاهرة التنمر، وذلك على النحو التالي:

أولًا: أن تتبع الأسرة أساليب التربية الإيجابية والبعد عن التعنيف والعقاب الموجه للأبناء، وضرورة الإشراف والمتابعة الأسرية لأي محتوى يقدم للطفل سواء كان مقروءًا أو مسموعًا أو مرئيًّا، وحجب أي محتوى يحث على العنف أو يعزز سلوك التنمر لدى الطفل، وأن تتحلى الأسرة بثقافة تعديل السلوكيات السلبية والحد من السلوك العنيف لدى الأبناء، وأن يكون ذلك في مرحلة مبكرة.

ثانيًا: أهمية اتباع العاملين في المجال التربوي منهجًا تربويًّا -تتبنَّاه مؤسسات التعليم- يقوم على تنمية حس الإبداع، وتعزيز ثقافة التسامح، وتنمية الفضائل الأخلاقية وتعزيزها، وانتهاج سياسة واضحة للحد من التنمُّر المدرسي، وتفعيل دور الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين داخل المؤسسات التعليمية، وعدم اقتصار الرحلات والمعسكرات والأنشطة الطلابية على الجانب الترفيهي فقط، بل لا بد من إدراج الجانب التوعوي أيضًا، حيث ينبغي أن تكون هذه الرحلات والمعسكرات ترفيهية توعوية، كما ينبغي على المدرسة تحديد توقعات واضحة للسلوك المقبول من قبل طلابها ووضع معايير واضحة وضوابط يتم من خلالها تحديد العقوبة التي سوف تتخذ إذا تم مخالفة تلك الضوابط والمعايير، مع التأكيد على ألا تكون هذه العقوبات بشكل مفاجئ  للطلاب، بل يجب أن تكون هذه الضوابط والمعايير معلنة لهم، كما أن هناك ضرورة لوضع برنامج تدريبي  يشمل أطراف العملية التعليمية كافة من معلمين وإداريين وسائقين ومشرفين وعمال بما يؤهلهم للتعامل الجيد مع ظاهرة التنمر بشكل صحيح.

ثالثًا: ضرورة تشديد الرقابة على المحتويات الإعلامية والدرامية المقدمة للجمهور؛ حيث يجب خلوها من أية مظاهر تحث على التنمر بصوره وأشكاله كافة، والاهتمام بالمحتوى الإعلامي الذي يستهدف فئة الأطفال والمراهقين، وزيادة تمثيل الجانب التوعوي.

رابعًا: استثمار وتوظيف الأنشطة الرياضية، وذلك من خلال التشجيع على الألعاب التي تتسم بتعزيز سلوك التعاون والمحبة والإيثار والابتعاد عن الألعاب الرياضية التي تعزز سلوك العنف والمنافسة وخاصة في المراحل المبكرة من العمر.

إجمالًا، أصبح التنمر المدرسي أحد أكبر المخاطر التي تهدد التلاميذ داخل المؤسسات التعليمية؛ لذا فينبغي على المؤسسات الدينية والرسمية، وأطراف المجتمع كافة، التصدي لهذه الظاهرة باعتبارها ظاهرة  ضارة وأحد العوامل الأساسية في تهديد السلم المجتمعي، والإضرار بالنشء والأجيال القادمة نفسيًّا وسلوكيًّا وفكريًّا، الأمر الذي لم يغب عن الأزهر الشريف؛ تلك المؤسسة العريقة التي لطالما كان لها قصب السبق في التوعية والتوجيه بما تصلح به المجتمعات، ومن ذلك التحذير من ظاهرة التنمر وما قد تتسبب فيه من عواقب وخيمة على الأسرة والمجتمع.

 

وحدة البحوث والدراسات

 

=========================================

- هناء، شريفي (2018)، تحليل ظاهرة الاستقواء في المدرسة الجزائرية، مجلة الباحث في  العلوم الإنسانية والاجتماعية، وهران، الجزائر.

- مقال منشور بموقع: المرصد المصري التابع للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، بعنوان: "تعرف على جهود الدولة المصرية في مكافحة ظاهرة ” التنمر”، بتاريخ 20 أكتوبر 2020م، عبر الرابط التالي:

https://marsad.ecss.com.eg/42820/


الأبواب: دراسات وبحوث

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.