آخر الأخبار

 

23 يناير, 2023

النساء في "داعش" .. قراءة في أبعاد الانضمام والاستقطاب

تتذكر "هدى مثنى" التي لم تتجاوز الـ 28 عامًا، وتقبع الآن بمخيم "روج" شمالي سوريا، ما حدث قبل ثماني سنوات عندما تعرضت لعملية "غسيل مخ" في عام 2014م، من قبل تجار البشر عبر الإنترنت؛ من أجل استقطابها لتنظيم داعش الإرهابي، وذلك خلال مقابلة مع صحيفة "ذا نيوز موفيمينت" الأمريكية، وهو اللقاء الذي أعادت نشره وكالة أنباء "يورونيوز" في نسختها التركية.
وقد تابعت وحدة رصد اللغة التركية ردود فعل الفتاة الأمريكية خلال المقابلة، والتي تراوحت ما بين الندم على الانضمام للتنظيم الإرهابي الذي لم تر فيه شيئًا إيجابيًّا سوى إنجابها لطفل صغير، والأمل في العودة إلى بلدها راجية من حكومتها أن تنظر إليها بعين الرأفة باعتبارها كانت صغيرة السن عند الانضمام لـ "داعش" حتى إن كان ثمن ذلك دخولها السجن، وما بين الرغبة في مكافحة التطرف عند عودتها.
يُذكر أن هذا اللقاء ليس هو الأول مع هذه الفتاة الأمريكية، بل سبقته لقاءات عدة منذ تحرير "الباغوز" من قبضة التنظيم الإرهابي في عام 2019م. ويُلاحظ أن تصريحاتها هذه تتعارض مع تغريداتٍ سابقة؛ حيث حثت في عام 2015م، الشباب الأمريكي على الانضمام إلى "داعش"، وشن هجمات في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد ذكرت "مثنى" أنها لم تنشر هذه التغريدة، وأن من نشرها هم أفراد من "داعش" الإرهابي كانوا قد سرقوا هاتفها المحمول، ونشروا من خلاله.
يُذكر أن هذه الفتاة قد انضمت إلى داعش في عام 2014م، حيث أخبرت أسرتها أنها ذاهبة في رحلة مدرسية، لكنها بدلًا من ذلك ذهبت إلى سوريا، وانضمت إلى التنظيم الإرهابي .. والسؤال هنا كيف استقطب داعش هذه الفتاة وغيرها من الفتيات، وما هي وسائله في هذا الاستقطاب؟ فالمتعارف عليه منذ القدم أن النساء بطبيعتهن أكثر سلمية، ولا يشكلن تهديدًا حقيقيًّا تجاه الأمن، كما تظهر النساء في الغالب ضحايا للإرهاب وليس العكس.
وللإجابة على هذا السؤال .. نقول: أولًا إن تنظيم داعش الإرهابي حريص على استقطاب النساء لعدة أسباب تتداخل فيها عدة أبعاد إعلامية وعسكرية وأمنية.
فبالنسبة للبعد الإعلامي لاستقطاب النساء يتمثل في كونهن مادة دعائية أكثر رواجًا في الخطاب الإعلامي، وهو الأمر الذي يُعد أحد أهم إستراتيجيات التنظيمات المتطرفة؛ حيث تحرص هذه التنظيمات على أن تلفت نظر وسائل الإعلام لخطابها وعملياتها الإرهابية، وفي هذا السبيل تسعى تلك التنظيمات إلى خداع وسائل الإعلام التقليدية، ودفعها لترويج أخبارها، واستخدام مصطلحاتها، ولا شك أن قيام سيدة بعملية إرهابية ينال حظًّا من المتابعة الإعلامية أكثر من الرجال.
كما يوجد بُعد عسكري لحرص التنظيم على استقطاب النساء يتمثل في سهولة التخفي، والهروب من رجال الأمن، وتنفيذ عمليات إرهابية. وقد أفاد المؤشر العالمي للإرهاب في عام ٢٠١٩م، الصادر عن مركز "السلام والاقتصاد" ــ أحد المراكز البحثيّة الكبرى المَعنيَّة برصد ومتابعة مؤشرات الإرهاب حول العالم ــ أن ظاهرة النساء الانتحاريات قد شهدت ارتفاعًا كبيرًا بداية من عام 2013م.
أما البُعد الأمني لحرص التنظيم على استقطاب النساء، فكان يتمثل في الشرطة النسائية، حيث كان يوجد هناك مجتمع نسائي في أماكن سيطرة داعش، وكان هذا يتطلب شرطة نسائية للسيطرة على النساء، وإقامة الحدود عليهن إذا لزم الأمر، إضافة إلى الأدوار الأخرى التي كانت تلعبها المرأة في داعش مثل التعليم، والتمريض.
أبعاد انضمام النساء إلى داعش
وكما أن هناك أسبابًا جعلت داعش حريصة على استقطاب النساء، فإن هناك أسبابًا جعلت بعض النساء يرغبن في الانضمام إلى داعش، وهذه الأسباب أيضًا تتعلق بعدة أبعاد من أهمها البعدين الديني، والإعلامي. فالبعد الديني يتمثل في أغلب الأحيان في عدم وعي الشاب، أو الفتاة بالتعاليم الدينية؛ وذلك غالبًا ما يكون بسبب حداثة العهد بالدين، أو بالتدين، والذي يُعد من أهم ملامح الشخصية التي يسهُل استقطابها، خصوصًا من تنظيم داعش الإرهابي الذي يجيد استخدام شبكة الإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي، ويستخدم مؤثرات صوتية، ومرئية تُسهل عليه استقطاب محدودي الثقافة الدينية.
ووفقًا لتصريحٍ أدلت به الباحثة "نيمي غوريناثان" أخصائية شؤون المرأة والعنف الجنسي، لموقع CNN في فبراير 2015م، فإن البُعد الديني في انضمام النساء إلى داعش يتمثل في البحث عن أمور عدة من بينها الأمن، والأمان، وكذلك القلق على الهوية الدينية، والرغبة في المشاركة في تأسيس دولة الخلافة المزعومة. وهذا الرأي قد ثبتت صحته؛ حيث يحاول التنظيم دغدغة مشاعر الشباب، والفتيات من خلال استغلال عدة قضايا دينية من بينها الجهاد، والخلافة.
أما البُعد الإعلامي، فإن التنظيم قد استطاع من خلال خطابه الإعلامي أن ينسج خيوط الخداع للشباب، ويجرهم إلى شباكه بدعايته الضالة، والمضللة التي تصور لهم كذبًا أنهم لا ينضمون إلى تنظيم، بل ينضمون إلى دولة، وكذلك يدغدغ مشاعرهم ببعض المظاهر الدينية مثل الحديث عن الجهاد وفقًا لمفاهيمه المغلوطة، ونشر صور لصكوك الزكاة على مواقع التواصل، والحديث عن بيت مال المسلمين، وسك دنانير ذهبية، محاولًا خداع الشباب، وأن يعيد إلى أذهانهم ذكريات ما قرأوه، أو سمعوه عن عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام في ظاهره، لا في جوهره، والتي اتضح بعد ذلك ومن خلال شهادات الذين انضموا إلى التنظيم، وهربوا منه أن الحياة في دولة داعش المزعومة أبعد ما تكون عن حياة المسلمين، وأن دعايتهم على مواقع التواصل كذب، لا يتوافق بأي حال مع الحياة الواقعية.
أما البُعد السيكولوجي، فيتمثل في اعتقاد بعض النساء، وخصوصًا في الغرب أن داعش يمثل مجتمعًا مثاليًّا تسوده الأخوة والمحبة والتلاحم والسلام النفسي وغيرها من الدعاية الضالة، والمضللة التي يروجها التنظيم على صفحاته، حيث يَعِد التنظيم النساء بأنهنَّ سوف يَحْظَيْنَ بمكانة كبيرة، وسيصبِحْنَ جزءًا من مجتمع نسائي تَسُودُه رُوح التآخي، ويجِدْنَ فيه الدَّعم والصداقة. وقد انخدع بهذه الدعاية كثير من النساء، وانضممن للتنظيم، ولكن سرعان ما صُدمن بحقيقته.
أخيرًا نقول: إن قضية التطرف هي قضية وعي في المقام الأول، فالوعي هو الضامن لتجفيف المنابع الفكرية للتنظيمات المتطرفة وإبراز انحرافها، وبرجماتيتها المقيتة، حفظ الله شبابنا، وفتياتنا من كل سوء.

وحدة رصد اللغة التركية


رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.