معاناة المهاجرين في مهرجان الأغنية الإيطالية (سان ريمو)

  • | الثلاثاء, 13 مارس, 2018
معاناة المهاجرين في مهرجان الأغنية الإيطالية (سان ريمو)

     الموسيقى؛ صوت الناي، والكمان، وأنغام البيانو. كلمات وألحان وإيقاعات تُلهب الحماس وتُنشِي الوجدان، لاسيما وإن كانت مصحوبة بصوت عذب رخيم. اختلفت، على مر العصور والأزمان، نظرة المجتمع الغربي للموسيقى عن سواه من المجتمعات الشرقية، حيث تأخذ الموسيقى على اختلاف أنواعها حيزًا كبيرًا في حياة الأفراد. فهي المكون الأول الذي تُقام به المهرجانات والعروض الغنائية. كما لا تخلو هواتف الشباب المحمولة منها، بل لا نتعجب إن رأينا حضور الموسيقي في قاعات مجلس النواب. كما توصل المجتمع الغربي إلى ما يسمى "العلاج بالموسيقي Music therapy". وربما تنعكس نظرة المجتمع الأوروبي للموسيقى من فكرة أن الإنسان ينبغي عليه أن يعيش ويستمتع بالحياة، طالما أنه يعمل وينتج ويؤدي ما عليه من واجبات. فثقافة "العطلة الأسبوعية والصيفية" أمر لا نقاش فيه. بل يكون النقاش أين سيقضى الفرد هذه العطلة؟
من هذا المنطلق تَرتَسِمُ أمَامُنا صورة بسيطة عن نظرة المجتمع الأوروبي للاحتفالات والعروض الموسيقية. ولم يكن استهداف مسرح الباتاكلان في باريس ليلة 13 من نوفمبر تشرين الثاني  عام 2015 من قِبل دواعش الموت نابعًا من فراغ، وإنما عن دراسة ووعي بثقافة المجتمع الغربي.
منذ أيام قليلة مضت انتهى الاستعراض الغنائي السنوي الأشهر في إيطاليا (سان ريمو)، والذي كانت بدايته الأولى عام 1951. قد يظن البعض أن الاحتفال قد شهد أحداث عنف تأسيًا بهجمات مسرح الباتاكلان بمدينة النور باريس، خاصة وأن مرصد الأزهر مختص في مكافحة العنف بكافة أوجهه الدامية، ولكن هذا الظن غير صحيح، فلا تزال إيطاليا البلد الأوروبي الذي لم يشهد هجمات إرهابية رغم التهديدات المتلاحقة. بل إن الاحتفال الغنائي الذي دارت خلاله مسابقة غنائية بمشاركة عشرين أغنية قد انتهى في ليلته الختامية موجهًا رسالة صارخة في وجه مُرَوِّجي الحروب والتفجيرات. رسالة مقاومة وصمود للإنسان الذي لا تؤثر فيه كل هذه الدماء، ولم تُثْنِه عن متابعة حياته، والسير قُدمًا دائمًا نحو الأمام، مستمدًا الأمل من ابتسامة طفل حَالِمَة بعالم أفضل يخرج من بين الركام.
انتهى (سان ريمو) موجهًا رسالة أخوة إنسانية لكل مهاجر فَرَّ من ويلات الحروب وصوت الرصاص، معرِّضًا بذلك حياته للغرق في بحر من الدماء. خاطب هذا الاحتفال برسالته ضمير الإنسانية، وألقى الضوء على المعاناة والعنف الذي يأن منه كوكبنا من أقصاه إلى أقصاه، دون النظر إلى العِرق أو اللون. فالإنسانية واحدة؛ الكل يملك نفس الملامح ونفس المظهر، وليس ذنب هؤلاء المستضعفين أنهم ولدوا في بيئة مختلفة، بيئة تقتل أحلامهم قبل أن تقتل أجسادهم. فإلى متى يستمر الإنسان في عدائه لأخيه الإنسان؟ إلى متى يُحَارَبُ كل من يساعد أو يناصر هؤلاء المشتتين؟ إلى متى لا يتحمل العالم مسئوليته تجاه هؤلاء الأبرياء؟
قضت العدالة الإلهية، أن لا شيء يحدث دون حكمة ودون جزاء. ولكن الإنسان لقدرته المحدودة على إدراك ماهية الأشياء من حوله، ربما لا يقف على هذه الحقيقة والحكمة إلا بعد فترة من الزمن. وإن المنصفين من عقلاء هذا الزمان يدركون أن العالم الغربي بشكل أو بآخر بحاجة لبعض المهاجرين، ليوازن العجز السكاني الذي تعاني منه دُوَلُه. ولقد أدركت الإدارة الألمانية هذا الأمر وصرحت به. وصرحت به أيضًا بعض المؤسسات الإيطالية التي قوبلت بالاتهام الشديد من قبل المعارضين.
إن أزمة المهاجرين هي قضية العالم بأسره، ولن تكون هذه الكلمات مفتاحًا للحل، إذا لم تكن هناك إرادة حقيقية لتغيير المنهجية المتبعة بشأن المهاجرين بداية من:
- العمل على إيقاف تيار الحروب الجارية بالطرق الدبلوماسية العاجلة.
- تشكيل دورات تأهيلية للمهاجرين القابعين في مراكز الإيواء، حتى يتمكنوا من الانخراط في المجتمع ويكونوا عنصر بناء لا عنصر هدم.
- التوزيع العادل لهؤلاء المهاجرين بالتنسيق مع قادة الدول، فليس من الإنصاف أن تتحمل دول بعينها مأساة عالمية.
- تفعيل الممرات الإنسانية، كتلك التي تقوم بها جمعية سانت إيجيديو Sant'Egidio بإيطاليا.
- الاستعانة بالمنظمات الخيرية التي يتولى القيام عليها بعض من أبناء الجالية العربية مثل الإغاثة الإسلامية Islamic relief.
- مساعدة الدول المحتاجة والمصدرة للمهاجرين اقتصاديًّا حتى يتحقق الازدهار المشترك.
إن مهرجان سان ريمو شهد تغييرًا نوعيًّا هذا العام حيث تحدثت فيه ما لا يقل عن ثلاث من الأغاني المشاركة عن الحروب والمهاجرين. بل إن الأغنية التي فازت في هذا الحدث هي أغنية تدعو إلى الاندماج والوحدة بين المسيحين والمسلمين. ترفض العنف والحروب، وتبعث برسالة تسامح ضد كل مظاهر الإسلاموفوبيا، وتؤكد على أن الحياة تمضى وأن الإنسان يقوم من جديد كلما تعثر، وأن السعادة موجودة رغم كل الآلام.
هذا التغيير الذي تخلل الاحتفال وحَوَّله من مسابقة غنائية إلى رسالة إنسانية، هو الدور الجديد الذي يجب أن تقوم به المؤسسات الفنية (الفن في مواجهة الفكر الإرهابي). فالكلمة والأغنية، المشهد والصورة، السخرية والجدية... صور ينبغي أن تصل من خلالها الأفكار الصحيحة إلى عقول صغار الشباب، أمل المستقبل وحاضر اليوم؛ ذلك لأن العقل بطبيعته، والشباب الذي تغير مع تغيرات العصر، يميل إلى المعلومة السهلة، فلم يعد يطيق أن يقرأ كَمًّا هائلًا من الكلمات، ربما تراه لا يتم مشاهدة فيلمٍ سينمائيٍّ إن كانت قصته غير مرضيه.
بهذا الطرح السابق يتضح للجميع أن محاربة الفكر المتطرف ليست قاصرة على رجال الدين والمؤسسات الأمنية. فكل المؤسسات معنية بالأمر ذاته. وكما شاهدنا فقد تحول احتفال سان ريمو إلى احتفال بالأخوة الإنسانية والتسامح. وعلى سبيل المثال يذكر أن قناة إخبارية قد عرضت منذ سنوات فيديو لمجموعة من الشباب الألمان يقومون بصناعة فيلم قصير قد لا يتجاوز العشر دقائق، يتحدثون فيه عن أفكار دينية يتخذها دُعاة الإرهاب سبيلًا لإقناع مؤيديهم بارتكاب العنف، وقد انتقدوا بصورة ساخرة فكرة أن من يفجر نفسه وسط حشد من غير المؤمنين سوف يدخل الجنة!. وهنا يخاطبنا صوت العقل بقوله؛ كيف هذا؟ أليس الإله الذي خلق المؤمن هو ذاته الإله الذي خلق غير المؤمن. أليس هو ذاته الإله الذي يرزقه كل يوم بل ربما يفتح عليه ويفيض عليه بالعلم. هل سوف يحابي هذا الإله العادل شخصًا قتل نفسًا بغير حق فقط لأنه يدعى الإسلام. إن حقيقة الإسلام هي الإيمان الذي يستقر في القلب ويصدقه العمل بالحسنى "وقولوا للناس حسنا". إن حقيقة هذا الإيمان لا يستطيع بشر أن يُقَيمها إلا الخالق الأعظم الذي يعلم ما نُخفى وما نُعلن وهو العليم بذات الصدور.
إن مثل هذه الأفكار البسيطة التي تعالج وتمس قضايا هامة ينبغي أن تصاغ في قالب فني (مشاهد أو مسموع) بصورة ساخرة ممزوجة بشيء من الجدية. ولما لا تكون في صورة مشهد كرتوني (الأنیميشن Animation) حتى نصل إلى قطاع كبير من الشباب ومن الأطفال. ونحن نكتب هذه الكلمات لا يمكننا أن ننسى الجهد الذي قدمه الفن في الآونة الأخيرة في المساهمة في المعركة التي يقودها رجال الدين والمؤسسات الأمنية ضد الفكر المتطرف، لكننا من واقع المسؤولية الملقاة على عاتقنا ومن صميم شعورنا بواجبنا الإنساني نطالب الجميع ببذل المزيد، بأن تتعاون كل المؤسسات وتتكاتف، لا من أجل شيء سوى أن نعيد للكرامة الإنسانية حقها، أن نوقف نزيف الدماء وفيضان اللاجئين المشتتين، والقضاء على كل عنف أو إرهاب. من المؤكد في خاتمة هذا الحديث أن هناك آلاف الأفكار التي تفوق هذا السرد، وأنها فقط بحاجة إلى مَن يخرجها من صندوقها المقفول إلى النور.

وحدة الرصد باللغة الإيطالية

 

طباعة