لاجئو ميانمار.. والدائرة المفرغة

  • | السبت, 17 نوفمبر, 2018
لاجئو ميانمار.. والدائرة المفرغة

     ارتكب أفراد جيش ميانمار مذابح بشعة في حق مسلمي الروهينجا، ونكّلوا بهم، وأذاقوهم العذاب، واضطر من بقي منهم على قيد الحياة إلى ترك بلادهم التي ولدوا ونشأوا فيها، إلى مصير مجهول منذ ما يقرب من عام.
وخرج الروهينجا بعد أن تعرضوا للذبح والقتل، واغتُصبت نساؤهم، وحرّقت بيوتهم وأراضيهم، إلى البلدان المجاورة، لا سيما بنغلاديش، هربًا بأنفسهم إلى حين يجد لهم العالم حلاً يمكن أن يحررهم من هذا الاضطهاد والتنكيل.
ومنذ بداية الأزمة، حاولت الأمم المتحدة والقوى الكبرى والمنظمات العالمية الضغط على حكومة ميانمار للاضطلاع بمسؤولياتها نحو مواطينها من الروهينجا وإيجاد حل عاجل لهذه الأزمة الإنسانية الحادة. ولكن الواقع يقول إن الضغوط لم تكن كافية، وإن حكومة ميانمار لم تستجب لهذه الضغوطات في أي وقت من الأوقات، رغم أن من يتابع التصريحات الرسمية لها قد يرى غير ذلك. حقيقة الأمر أن حكومة ميانمار تقول ما لا تفعل.
طالعتنا وكالات الأنباء العالمية يوم الثلاثاء 30 أكتوبر المنصرم، بأخبار عن اجتماعات عقدت بين ممثلين عن حكومتي بنغلاديش وميانمار بشأن عودة لاجئي الروهينجا. وصرح مسؤول من بنجلاديش أن ميانمار وبنجلاديش قد توصلتا إلى اتفاق لبدء إعادة لاجئي الروهنجيا إلى ميانمار بحلول منتصف نوفمبر.
ربما يجد القارئ لهذه الأخبار بصيص أمل في اقتراب الحل الكامل لهذه الأزمة الكبرى، بيْد أن هذه الأمل الخافت يتبدد نهائيًا إذا عرفنا أنه في مثل هذا الوقت من العام الماضي، وتحديدًا في 23 نوفمبر 2017، كان الجانبان قد توصلا إلى اتفاق مشابه لإعادة اللاجئين، إلا أنه حتى الآن لم يدخل حيز التنفيذ.
 المدهش حقًا أن اتفاق العام الماضي كان قد تم على مستوى سياسي عالي بين البلدين؛ حيث التقت زعيمة ميانمار أونغ سان سو تشي وزير خارجية بنغلاديش أبو الحسن محمود علي، الذي وقع المذكرة مع ياو تينت سوي المسؤول في حكومة ميانمار، وجرى ذلك في العاصمة نايبيداو.
إذا افترضنا أن الظروف والأجواء لم تكن مهيأة خلال العام المنصرم لإعادة اللاجئين، ومن ثم كان من الضروري الانتظار حتى ضمان عدم تكرار ما حدث مرة ثانية، فهل الظروف مواتية الآن.
كانت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي قد وقعتا على مذكرة تفاهم ثلاثية مع حكومة ميانمار في 6 يونيو تمهيدًا لعودة اللاجئين الروهينجا إلى ديارهم طواعية وبصورة آمنة وكريمة ومستدامة.
وقد دعت الأمم المتحدة إلى تحقيق بعض المتطلبات قبل البدء في إعادة اللاجئين لضمان عدم تكرار الماساة من جديد.
وتضمنت هذه الاشتراطات تحسين الظروف المعيشية في ولاية راخين، وضمان إجراءات واضحة بمنح الجنسية للمؤهلين للحصول عليها، وضمان حرية الحركة لجميع السكان، ومعالجة الأسباب الحقيقية للأزمة.
 وربما تتفق أيها القارئ الكريم أن هذه المتطلبات هي أدني ما يمكن طلبه في هذا السياق؛ إذ إنها لم تتحدث عن محاكمة المتسببين في هذه الفاجعة، ومن باشروا عمليات القتل والذبح والاغتصاب والحرق بحق الروهينجا وممتلكاتهم. ولكن على أية حال هل تحقق شيء فيما يتعلق بمتطلبات الأمم المتحدة؟
لقد صرح مرزوقي داروسمان، رئيس بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بشأن ميانمار، أنه حتى الآن لا يزال الآلاف من الروهينجا يفرون من ميانمار إلى بنغلاديش، وأن من تبقى منهم في ميانمار لا يزالون يواجهون أقصى درجات القمع وتقييد الحركة. كما نقلت صحيفة الجارديان البريطانية تحذير بعض الجمعيات المعنية بحقوق الإنسان بشأن عدم تهيئة الأجواء لعودة الروهينجا؛ حيث إن قرى الروهينجا كانت تعرضت للحرق بالكامل وسويت بالأرض، ولم يتم إعادة تأهيل المنطقة مرة أخرى، وجل ما قامت به حكومة ميانمار أن بنت بعض المساكن المؤقتة الجديدة، كما لا يبدو واضحًا ما إذا كانت ستسمح لهم بحرية الحركة والتنقل أم أن هذه المساكن المؤقتة ستكون بمثابة "سجن في الهواء الطلق"، على حد وصف الصحيفة.
ربما لا يمكن للمتابع لهذا الوضع الغريب في ميانمار أن يجد وصفًا لهذا المشهد الصعب أصدق من الدوران في دائرة مفرغة، والعودة إلى نقطة الصفر من جديد.
 وبعد هذا كله، يتساءل المرء: هل يمكن أن يكون العالم بهذا الضعف أمام مأساة بهذا الحجم؟ وهل تتناسب الجهود المبذولة في هذا الصدد مع ما تعرض له مواطني الروهينجا من التنكيل والتشريد؟ وهل عدِمَ العالم آلية ناجعة يمكن أن تلزم حكومة ميانمار بمسؤولياتها تجاه مواطنيها؟ أم أن الإرادة ذاتها غائبة لدى الأطراف الدولية الفاعلة، وأنها لا تتحرك إلا دفاعًا عما يهدد مصالحها الخاصة فقط.


وحدة الرصد باللغة الإنجليزية

 

طباعة