سبل مكافحة التطرّف الإلكتروني

  • | الثلاثاء, 15 ديسمبر, 2020
سبل مكافحة التطرّف الإلكتروني


     إن المتأمل في الأحداث الإرهابية التي عصفت بالعديد من دول العالم منذ عام 2015، لا تخطئ عيناه أبدًا أنَّ "خطاب الكراهية" هو المحرك الرئيس لكل أعمال العداء والتمييز والعنف، في ظل غياب خط فاصل متّفَقٌ عليه دوليًّا أو محليًّا بين حرية التعبير التي يكفلها القانون الدولي لحقوق الإنسان، وبين ما يُعتبر تحريضًا ضد شخص ما أو مجموعة من الأشخاص بسبب دين أو عرق أو لون أو جنس.  كما أنَّ الضحايا الأبرياء لهذه الهجمات، يثبتون بما لا يدع مجالًا للشك أنَّ "الخطاب المتشدد" على المستوى العقائدي أو السياسي، 
لا سيما في ظل الثورة التكنولوجية الهائلة وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي، أصبح وعاءً لترويج الأفكار والأهواء المغلوطة والمتطرفة.
وإيمانًا بأن النشء والشباب هم وقود الدول وركيزتها المستقبلية للبناء والتطوير والتعمير، حرصت مؤسسة الأزهر الشريف منذ نشأتها منذ أكثر من ألف عام –ولكونها من أهم وأقدم المؤسسات السنية الدينية والعلمية في العالم– على الاضطلاع بدورها في تربية النشء والشباب والحفاظ عليهم بكافة السبل الممكنة من الوقوع في براثن التطرّف. ومع بروز نشاط الجماعات المتطرفة والإرهابية خلال الآونة الأخيرة، واستغلالها للنشء والشباب كوقود لأهدافها الواهية والزائفة، والتغرير بهم من خلال أفكار ومعتقدات دينية مغلوطة، بات لزامًا على الأزهر الشريف أن يكون له دورٌ في هذه الحرب الضروس ضد تلك الأفكار والمعتقدات الزائفة والمغلوطة التي تسعى إلى إيقاع النشء والشباب في براثنها، لا سيما من خلال الشاشات الرقمية والإعلامية.
لذا، سارعت المؤسسة الأزهرية، وعلى رأسها الإمام المجدد، الأستاذ الدكتور/ أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، إلى اكتشاف هذا العالم الافتراضي واستغلاله واستثماره من أجل حماية النشء والشباب، وبناء "إنسان" يؤمن بالتعايش وتقبل الآخر باختلافاته الثقافية والدينية والعرقية، متخذًا من "الحوار" طريقًا لاكتشاف الآخر والتعرف عليه، وسبيلًا لإقناعه بتقبل الفكر النقدي، وتقبل الآراء المعارضة بأسلوب يضمن حرية العقيدة ويحفظ للنفس البشرية كرامتها وحقوقها.
ولمواجهة خطر "التطرّف الإلكتروني" فقد أصبح من الضروري أن يتفاعل الأزهر الشريف  بكل مرونة ويسر مع الثورة التكنولوجية، لتأدية رسالته العالمية وحماية النشء والشباب من خطر "منصات التواصل الاجتماعي"، والتي تُمثلُ أحيانًا مصدرَ قلقٍ وخطرٍ يُهدد بعض المجتمعات واستقرارها، ووسيلةً لتحقيق أغراض سياسية أو دينية أو عِرقية؛ الأمر الذي يدق ناقوس الخطر ويُوجِب التكاتف بين كافة الدول لتنفيذ استراتيجية تحمي الشباب من هذا الخطر، والتصدي للحملات الإلكترونية المُوجّهة التي تستهدف في المقام الأول تدمير فِكر الشباب، الذي تُعوّل عليه كل دولة في تقدُّمِها وريادتها. ولهذا، فقد قام "الأزهر الشريف" بتدشين العديد من الكيانات التي تعمل على مكافحة ظاهرة التطرّف بشكل عام، والتطرّف الإلكتروني بشكل خاص، منها:
1- "مرصد الأزهر لمكافحة التطرّف"، ليكون خط الدفاع الأول عن النشء والشباب ضد مظاهر التضليل في خطابات الحركات والجماعات المتطرّفة والإرهابية المنتشرة بكثرة على الشبكة العنكبوتية، لا سيما منصَّات التواصل الاجتماعي؛ من خلال مكافحة وتفنيد حقيقية الأفكار الخاطئة والمفاهيم المطّاطيّة والمغلوطة بين رواد تلك المنصات. وبذلك يمثّل المرصد "العين الحارسة" لشباب الأمة في ظل الثورة الرقمية التي يشهدها العالم الآن، وانتشار الهواتف الذكية بتطبيقاتها المختلفة، والتي غزت كل بيتٍ، وبات لها تأثيرٌ واضحٌ على منظومة القيم الثقافية والاجتماعية والدينية؛ نظرًا لشغف الشباب بكل ما هو جديد، وسرعة تأثرهم بالأحداث، علاوة على ضعف خبرات بعضهم الحياتية والثقافية؛ الأمر الذي يجعل لتلك المنصات تأثيرًا على بعض المجتمعات واستقرارها، حيث يتم من خلالها استقطاب العديد من الشباب لتنفيذ هجمات إرهابية ضد بلدانهم ومجتمعاتهم.
2- "مركز الأزهر للفتوي الإلكترونية"؛ والغرض منه تقديم خدمات الفتوى، من أجل خلق جيل واعٍ بصحيح الدين الإسلامي وعلومه، والتيسير على المستفتين من خلال التعددية المذهبية التي يمتاز بها الأزهر الشريف. ومن أهم أهداف هذا المركز أيضًا التصدّي للفتاوى المتشددة. 
3- "أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ وباحثي الفتوى"؛ والتي لها دور كبير في تجديد الخطاب الديني ومواجهة الأفكار الهدامة الدخيلة على المجتمع، وإعداد الداعية والمفتي المعاصر، والمُتمَكّن في الرد على الشبهات التي تستغلها الجماعات المتطرفة والإرهابية في تجنيد واستقطاب الشباب. كما تحرص الأكاديمية أيضًا على تدريب الأئمة على كيفية التعامل مع ثورة المعلومات، مع التركيز على الأمن المعلوماتي ومواجهة التطرّف الإلكتروني، وكذلك التدريب على الحوار التكنولوجي مع المتطرّفين.
4- استحداث مادة علمية بكلية الدعوة الإسلامية، بعنوان "وسائل الدعوة الحديثة"، يتم من خلالها مناقشة إيجابيات وسلبيات وسائل التواصل الاجتماعي، مع كيفية التوظيف الدّعَوي لها في مواجهة تحدّيات الدعوة الإسلامية المعاصِرة. 
ولمواجهة الأيديولوجية المتطرّفة العابرة للحدود، والتي كانت ولا تزال مصدر إزعاج للعديد من الدول، لا سيما تلك التي تضم أطيافًا وديانات مختلفة، عكف "مرصد الأزهر لمكافحة التطرّف" على إصدار بعض التوصيات الهامة التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، والتي من شأنها أن تعمل على مواجهة خطاب الكراهية المنتشر بكثرة عبر الشبكة العنكبوتية، وكذلك لمكافحة التطرّف الإلكتروني. ويسوق مرصد الأزهر هذه التوصيات في مجالات متعددة نبرز أهمها فيما يلي:

على مستوى المؤسسات العامة:
1- كفالة وحماية الحقوق والحريات العامة والخاصة بالمجتمعات، لأن المجتمع غير الآمن هو بمثابة بيئةٍ خصبة ومناخ لنمو بذور التطرّف والعنف، بل ويخلق بيئة حاضنة لها؛ لذا نجد أنّ الحكومات أمام اختبار حقيقي لتحقيق التوازن بين تحقيق الأمن واحترام الحريات الفردية من جهة، وتدشين برامج وقائية للتطرّف تعمل على تحقيق التوازن بين سياسة الاحتواء وإعادة التوجيه والإدماج من جهة أخرى.
2- على مؤسسات الدّولة ضرورة محاربة كافة أشكال التمييز العنصري والعنف، بسبب الانتماء إلى دين أو عرق أو لون أو جنس بعينه.
3- دعم الشّبـاب وإشعارهم بقيمـتهم وأنهـم أحد أعمدة المجتمـع، من خلال الإنصات إليهـم، وضمان منحهـم وسائـل التعبيـر عـن النفـس، وإشراكهم في حـل مشكـلات المجتمـع، وحمايتهم من الشعور بالإقصـاء، والذي قد يسوقـهم إلى تبني أيديولوجيات متطرفـة تُدمـر حياتهـم وحيـاة الآخريـن.
4- دعم ونشر ثقافة العمل التطوعي والخيري، وتشجيع جميع فئات المجتمع وبخاصة الشّباب على ممارسته؛ لأنه يُخرج الشباب من إطار المادّية الطّاغية ويستوعب طاقاتهم ويغرس ثقافة الأخوّة الإنسانية وحب الخير في نفوسهم، ويُشعِرهم بعِظم حجم المسئولية المُجتمعية المُلقاة على عاتقهم، وأنهم جزءٌ من المشروع الإنسانيّ كله.
5- وفي إطار مكافحة الكراهية عبر الإنترنت، ينبغي وضع آليات ووسائل من أجل تدريب وتوعية مديري المواقع الإلكترونية بأنواع خطاب الكراهية، وملاحقة ومعاقبة من يُحرضون على الكراهية والعنف.
6- تدشين العديد من المبادرات المجتمعيّة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، والتي يجب أن تُنَفَّذ بمشاركة الجهات الفاعلة في المجتمع المدني.
7- ضرورة مكافحة الأيديولوجية المتطرفة من الناحية الفِكرية والعَقَدية والتصدّي لها بكل حسم، والتنديد بكافّة الممارسات المتطرفة والسلوكيّات العدوانيّة الناجمة عن خطاب الكراهية الذي يُهدّد الأمن الفِكري للأفراد، ويُقوّض فرص التعايش السِلمي في المجتمعات.
8- ضرورة أن يستغل علماء الدين التطوّر التكنولوجي ووسائل الاتصالات الحديثة التي جعلت من العالم الكبير قرية صغيرة، وينتشروا في الفضاء الإلكتروني، وألا يتركوه أرضًا ممهدة للجماعات الإرهابية، بل يجب مزاحمتهم في هذا الفضاء، ونشر قِيم الإسلام السمحة، وتفنيد شُبهات المتطرفين التي أضرت بالإسلام، وساهمت في رسم صورة ذهنية سلبية له بعيدة كل البُعد عن جوهر الإسلام وروحه.
9- العمل على محو الأمية الدينية، من خلال وضع برامج وخُطط تجعل الخطاب الديني ليس قاصرًا على رواد المساجد فقط، بل يجب أن تقوم المؤسسات المختلفة بخلق منابر دعوية يستطيع من خلالها علماء الدين إيصال رسالتهم إلى فئات المجتمع المختلفة، لا سيما الشباب. كما يمكن للقنوات التليفزيونية والمدارس ومراكز الشباب وقصور الثقافة ومعسكرات الكشّافة وغيرها من التجمعات الشبابية استضافة هؤلاء العلماء الثقات في برامجها المختلفة لتفنيد الأفكار المغلوطة التي يقوم عليها الفِكر المتطرّف، وتأصيل القِيم الإنسانية والأخلاقية والوطنية لديهم. 
10- بدء دورات تدريب مهني تدور حول التشريعات المناهضة للتمييز مع إدراج الجزء الخاص بالتمييز الديني، وذلك بالتعاون مع ممثلي المجتمع المدني.
11- توزيع كتيبات إرشاد تربوي على جميع أصحاب الأعمال، لنشر الحيادية، والسلوكيات الإيجابية المتعارف عليها في إطار دعم التنوع (بما في ذلك تنوع العقائد)، واحترام ميثاق التنوع.
 
في مجال التعليم:
1- وضع مناهج تربوية وتعليمية شاملة تهدف إلى تعليم الطلاب احترام كرامة الإنسان، 
أيًا كان دينه أو عرقه أو لونه أو جنسه، وتقبّل الاختلاف في الرأي والتسامح، وإعلاء قِيمة الحوار؛ حيث إنّ التعليمُ هو العامل الرئيس في تحصين النشء والشباب من الأفكار المغلوطة، وغرس قِيم المواطنة والتعايش والوسطية وقبول الآخر ونبذ التعصّب والكراهية والتطرّف من خلال مناهجه السويّة، والتي بدورها تُغلق الباب أمام عوامل التطرّف.
2- تدشين رحلات مدرسية مشتركة لزيارة دور العبادة والتعرف على دورها المجتمعي والحضاري ودور الأديان المختلفة في ترسيخ قيم ومبادئ التعايش السلمي المشترك وتقبل الآخر في إطار من التسامح.
3- ضرورة العمل على تحصين الأطفال من مخاطر الفكر المتطرّف، لأنّ تلك المرحلة تُمثل أول مكان في حياة الطفل للتعرّف على عالمه الخارجي، واستغلال تلك الفترة في غرس بذور التسامح وتقبل الآخر في مرحلة اللاوعي الطفولي.
4- عمل دراسات ميدانية عن التطرّف وأسبابه، يُشارك فيها علماء الدين وعلماء النفس والاجتماع وخبراء في مكافحة الفِكر المتطرّف، بحيث تقوم هذه الدراسات في الأساس على إجراء المقابلات والاحتكاك المباشر مع أشخاص سقطوا في براثن التطرّف، لا سيما هؤلاء الذين مارسوا الإرهاب فعليًّا؛ لتحديد أسباب استقطابهم، ونقاط الضعف التي استغلتها جماعات التطرف وجنَّدتهم من خلالها، حتى نستطيع وضع روشتة علاجية لفيروس التطرّف الذي يسعى إلى أنْ يستشري في عروق شبابنا، ولن نستطيع تقوية مناعتهم ضده إلا من خلال معرفة كل صغيرة وكبيرة عنه وعن الأجواء التي ينمو فيها.
5- إطلاق حملات لتوعية جميع العاملين بمجال التعليم بمفهوم التطرّف والتمييز وصوره؛ وذلك بغرض التوصل لفهم أفضل لأسباب التمييز والتطرّف. 
في مجال العدالة:
1- وضع تشريعات وقوانين تُجرّم كل من يتخذ العنف منهجًا في مجال الفكر، من النخبة المُجتمعية.
2- تطوير وتسهيل إجراءات اللجوء إلى السلطات المسئولة في حالة وجود خطاب يحرض على الكراهية والتمييز.
3- تعزيز التواصل بين منظمات "مكافحة العنصرية" ومكاتب النيابة العامة "المدعي العام" من أجل مكافحة جرائم التمييز التي يُفلِت الجُناة فيها من الملاحقة القضائية، وخصوصًا التمييز الديني.
4- تحريك الإجراءات العقابية دون تأخير وتحت أقصى درجات التوصيف الجنائي، وإصدار أحكام شديدة وصارمة لمنع تكرار هذه الجرائم.

 في مجال وسائل الإعلام:
1-    وضع ميثاق أخلاقي ومهني للتعامل مع المحتوى الموجّه للجمهور.
2-    إطلاق حملات فِكرية وتوعوية يُشارك فيها جميع فئات المجتمع؛ من أجل تعزيز ثقافة الحوار وتقبّل الآخر وقبول التنوع والاختلاف، وذلك في إطار من التسامح والقِيم الدينية والأخلاقية، واتخاذ خطوات وقائية لمنع سقوط الأفراد في براثن التطرّف.
3-    إطلاق حملة موسعة ضد كافة الصُّور النمطية، والحرص على تفكيكها.
4-    تشجيع تدخل خبراء المجتمع المدني والمؤسسات المستقلة المعترف بها في الموضوعات التي تمس ظاهرة "التطرّف".
5-    التوقف عن المساهمة في الأهداف الدعائية للمنظمات الإرهابية، وذلك بالتوقف عن البث العشوائي لمواقفها وأيديولوجياتها.
6-    تدشين قاعدة بحثية قوية في مجال "مكافحة التطرّف"، من الأكاديميين والمهنيين وأعضاء منظمات المجتمع المدني بدلًا من دعوة الخبراء الجدليين.
7-    إجراء بحوث حول تأثير خطابات الكراهية التي قد تبثها المنصات الإعلامية، على الجمهور، سواء من ناحية التأثير النفسي، والثقة، والنجاح، التطرّف... إلخ.
8-    وضع حد لوصم مجتمعات بعينها في الخطاب الإعلامي، وتسليط الضوء على التنوع والتعددية في حملات التواصل الاجتماعي.
9-    عدم إعطاء الأشخاص المُدانين بالعنصرية أو مثيري القلاقل بخطاباتهم العنصرية، فرصة للحديث عبر المنصات الإعلامية المختلفة.
 

وحدة الرصد باللغة الفرنسية

  
 

طباعة
الأبواب: مقالات
كلمات دالة:
Rate this article:
2.0