صور من معاناة المرأة الأفغانية في ظل الأفكار المتطرفة

  • | السبت, 26 ديسمبر, 2020
صور من معاناة المرأة الأفغانية في ظل الأفكار المتطرفة


     ينظر الإسلام إلى المرأة نظرة إيجابية، مُفعمة بالتقدير والاحترام، فقد عرف قدرها، ورفع من شأنها، وحفظ لها كرامتها، وأمر بحسن معاملتها والإحسان إليها، فهي وإن كانت نصف المجتمع إلا أنها تمنح المجتمع نصفه الآخر. 
وقد كفل الإسلام لها حقها في التعليم، وفي العمل، وفي الميراث، وفي اختيار الزوج، وحقها في الحياة الكريمة، فسَاوى بينها وبين الرجل في الحقوق والواجبات، وخاطب الرجال والنساء على السواء، قال تعالى: (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض) (آل عمران، 195). وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «استوصوا بالنساء خيرًا»، وقال: «وإنما النساء شقائق الرجال»، وقال: «اتقوا الله في النساء». وبالتالي فالنظر إلى المرأة نظرة دونية، ومعاملتها باستهانة وتحقير، وسلبها حقوقها المشروعة، والانتقاص من قدرها ومكانتها، بعيد كل البعد عن تعاليم الإسلام السمحة.
وتعاني المرأة الأفغانية في ظل الأفكار المتطرفة من الحرمان من التعليم، والعمل، والانخراط والمشاركة في المؤسسات المجتمعية. وقد أدركت الجماعات الإرهابية أن في استقطاب المرأة فرصة ذهبية لتحقيق مآربها الإجرامية، فأخذوا يعزفون على وتر العاطفة، ويخدعون بعض النساء، ويحدثونهم عن الجنة التي تنتظرهم إذا ما انضممن إليها، ثم يستغلونهن في استقطاب المزيد من المقاتلين من الرجال والنساء. 
وقد عانت المرأة الأفغانية من ويلات الحروب، وتحملت العيش في ظل أفكار متشددة لا تزال – للأسف -تحظى بالقبول لدى البعض هناك، مثل الحرمان من التعليم والعمل. وإذا كان حصول الذكور على قسط وافر من التعليم يضمن للمجتمع التقدم، فإن حصول المرأة على قدر وافر من التعليم يضمن استقرار المجتمعات، فهي التي يقع على عاتقها المسؤولية الأكبر في تربية أبنائها التربية السليمة. 
وقد تم رصد العديد من التقارير التي تحدثت عن حرمان الكثير من النساء الأفغان من التعليم طوال عقود كثيرة مضت حيث لم يسمح لكثير منهن بالذهاب إلى المدارس، كما تقوم الجماعات المتطرفة بالهجوم على بعض مدارس الفتيات من وقت لآخر لإشاعة الرعب في نفوسهن، فيقلعن عن فكرة التعليم والذهاب للمدرسة.
وبالنسبة للحرمان من العمل، فيعتبر المتطرفون أن عمل المرأة لا يكون إلا في بيتها، وهناك من يسمح بالعمل لفئات خاصة، مثل الطبيبات والممرضات، ولكن بشرط ارتداء النقاب وموافقة الأهل. وهناك محاولات عديدة لتقليل نسبة الأمية والجهل بين النساء، لكن ما تزال هناك بعض الأماكن التي تسيطر عليها الأفكار المتشددة، التي تحرم الفتيات من إكمال دراستهن ومن العمل.
 ولم تقتصر معاناة المرأة الأفغانية على الحرمان من التعليم والعمل، بل تتعرض لمزيد من المعاناة حين يتم تزويجها في سن مبكرة، أو عندما تجبر على الزواج من رجل لا ترتضيه لنفسها زوجًا، بل إن وسائل الإعلام تنشر من وقت لآخر أخبارًا عن صور كثيرة للعنف والقسوة التي تتعرض لها النساء في أفغانستان. 
فها هي سيدة في الأربعينيات من عمرها تدعى "بلقيس" ذكرت في تصريح لها في مكتب الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، في مدينة "هرات" في ديسمبر 2012، أنها أُجبرت وهي في سن السادسة عشر من عمرها على الزواج من رجل يبلغ من العمر 70 عامًا، وذلك بعدما توفيت زوجته. وكان هذا الزواج ثمنًا لإعفاء الأب من الديون، وبعد انتقالها لبيت زوجها أُجبرت على العيش في منزل يعيش فيه أبناء زوجها البالغون. وبعد وقت قصير من الزواج، تعرضت للإيذاء من قبل أفراد عائلتها الجديدة.  
تقول "بلقيس" باكية: "كان أبناء زوجي قاسين للغاية ولم يقبلوني كزوجة جديدة لأبيهم. وفي بعض الأحيان كنت أتعرض للضرب المبرح لدرجة أنني لم أكن أستطيع تحريك جسدي. وفي العام الماضي، أحد أبناء زوجي طردني مع أبنائي، واضطررنا لقضاء الشتاء في غرفة باردة .. وعندما فقدت أعصابي وتشاجرت معهم، ضربوني وطردوني من المنزل مرة أخرى .. لم أجرؤ على تقديم شكوى إلى أي شخص بشأن إساءة معاملتي. كنت فقط أشكو لزوجي ..  وإذا علم أبناء زوجي أنني اشتكيت لأبيهم، فسوف أتعرض للضرب". 
وعلى الرغم من أن الزوج طلب من أبنائه التوقف في النهاية، إلا أنه لم يكن أكثر من رجل عجوز عاجز في المنزل. ورغم كل هذه الإساءات، فهي ترفض مغادرة المنزل! تقول: "لقد تحملت كل شيء من أجل أطفالي. إنهم لم يسمحوا لابني بالذهاب إلى المدرسة. و لا أريد أن يكون ابني أميًّا مثلي ومثل ابنتي، لذلك أرسلته سرًّا إلى المدرسة.. لقد أجبروا ابنتي الكبرى، وهي في الثانية عشر من عمرها على الزواج.. لقد رتب أبناء زوجي حفل الزفاف، ولم يسألوني أنا أو ابنتي عما إذا كنا راضين عن الزواج أم لا".
بل وصل الأمر في بعض الحالات لدرجة قتل بعض النساء على أيدي أزواجهن وأقاربهن، ودون أي محاكمة أو تقصي لسبب قتلهن. وتتسبب هذه الممارسات المتطرفة في إقدام بعض النساء على التخلص من حياتهن بالانتحار، أو الانضمام للجماعات المتطرفة كتنظيم "داعش" الإرهابي.
 والحقيقة التي لا تقبل الشك أن الدين الإسلامي لم يمنع المرأة من مواصلة تعليمها، بل أوجب عليها التعليم لما له من أثر مهم في حياتها، ولم يفرق بينها وبين الرجل في ضرورة التزود بالعلم النافع، حتى تكون عنصر إصلاح وتربية، لأبنائها وأفراد أسرتها، ولا شك أن صلاح الأسرة هو صلاحٌ للمجتمع بأسره، وليس من حق أحد أن يضع المعوقات في طريق تعلمها أو عملها ومشاركتها في بناء مجتمعها، حتى يتمكن المجتمع من إحراز التقدم في كافة المجالات.
وهناك دور كبير على المسؤولين ورجال الدين والعلماء ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة، بل وكافة شرائح المجتمع في توعية الناس وحثهم على إرسال بناتهم للمدارس وإكمال دراستهن بالجامعات وتقديم يد المساعدة لهن، وبذل كل ما في وسعهم للقضاء على العنف وكافة أشكال التمييز ضد النساء، حتى ينعم المجتمع بالسلام والاستقرار. 

 وحدة الرصد باللغة الفارسية
 

طباعة
الأبواب: مقالات
كلمات دالة:
Rate this article:
3.6